مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
كتابات حرة

الكبرياء والصدق في مواطن العلائق الإنسانية ✍️ هشام فرجي

صورة لرجل يرتدي بدلة رسمية مع ربطة عنق حمراء، يظهر في الخلفية لون أزرق فاتح.

“الكبرياء عقل منتفخ في جسدٍ هشّ؛ لا يقبل الانحناء للحقيقة، ولو انكسرت فيه كل الضلوع.”

منذ بزوغ الوعي البشري، ظلت العلاقات الإنسانية أرضًا خصبة لصراعات خفية وعلنية، تتداخل فيها المشاعر بالفكر، وتتنازع فيها القيم مع الأهواء. ومن بين أعقد الخيوط التي تنسج بها تلك العلاقات، تبرز خيوط الكبرياء، ذلك الضيف الثقيل الذي يتوارى خلف الأقنعة، يلبس ثوب العزة تارة، ورداء الغرور تارة أخرى، حتى يصعب علينا أن نفرق بين المروءة والاستعلاء، وبين الكرامة والعناد، وبين الصدق والكِبْر. والكبرياء هو جوهر من طبائع النفس، يرافق الإنسان في كل تفاعلاته، من أول خطوة في محيط الأسرة، إلى آخر موقف في مشهد الحياة العامة.

ففي محيط الأسرة، يظهر الكبرياء متخفّيًا خلف ما نسميه بـ”هيبة الأب” أو “تربية الأم”. وقد يتحول هذا الكبرياء، حين لا يضبط بالعقل، إلى قسوة في الحوار، أو جفاء في العاطفة، أو إصرار أعمى على رأي، فقط لأن التراجع يفسر ضعفا. حيث كم من أب أضاع ولده لأنه لم يعتذر، وكم من أم دفنت حنانها أو هدمت بيتها لأن الكبرياء منعها من الاعتراف بخطأ عابر؟ وكم من إخوة فرقهم العناد، وكان في الصدق وطلب الصفح شفاء لقلوبهم؟

كما أن من أعقد العلاقات التي تختبر الكبرياء، نجد علاقة الصداقة. فالصديق الحق يقاس بقدرته على أن يتجرد من ذاته في لحظة صدق، وأن يعترف بالغيرة دون أن يخجل، وأن يقبل تفوق الآخر دون أن يتآكله الحسد، وأن يطلب الدعم حين يحتاجه دون أن يتذرع بالقوة الكاذبة. لكن الكبرياء يُفسد تلك الصداقة، حيث يتهرب صديق من الاعتراف بفضل الآخر، وآخر يرفض الاعتذار عند الخطأ، وثالث يجمد الحسد أو الغيرة قلبه كلما رأى نجاح غيره.. وكلهم أسرى لفكرة زائفة: أن التراجع عن موقف هو انتقاص من الذات!

وقد نبّهنا ابن خلدون في مقدمته إلى أن الترف يولد الطغيان، وأن الدول تنهار حين تستبد بها الأنانية المترفة. كذلك الإنسان، حين تغريه السلطة، أو يبهره العلم، أو يسكره المال، يصبح مدفوعا بكبرياء يقنعه أنه لا يخطئ، وأنه فوق المساءلة، وفوق النصيحة. فالمجتمع المريض بالكبرياء هو مجتمع لا يستمع للآخر، ولا يصلح أخطاءه، لأنه لا يعترف بها أصلا.

لكن، وسط هذه العتمة، يبرز نور لا يخطئ طريقه: الصدق، الذي يربك الكبرياء، ويواجهه بمرآة ناصعة، فيها يرى الإنسان نفسه مجردة من الألقاب، ومن الأقنعة، ومن الرتوش. إذ يحررالصدق صاحبه ويقويه اعترافه، فيعتبر آنذاك التراجع عن الخطأ قفزة أخلاقية نحو النضج. وليس أبلغ  على ذلك من هذا المقطع الشعري:

أطرقت رأسي والكرامةُ شامخةٌ                     فالصدق زادي والعلا من مذهبي
لم أسجدِ يومــا لغيــر حقيـقتــي                     لكنني أخطأت، فاعتذرتُ بأدب

 فالعقل حين يخطئ الصواب، يعتلي                ويقول: “عذرا، إنني لم أُصبِ

هذا التنازل المتسام هوانعتاق من أسر وهميّ اسمه “الكبرياء الجارح.

فالإنسان المتزن هو من يضع كبرياءه في موضعه ككرامة تحفظه وليس سيفا يقطع به كل يد تمتد إليه صدقا أو مودة. وإن العالم اليوم، بأزماته النفسية، واجتماعاته الباردة، ومفاصله الاجتماعية المفككة، بحاجة ماسة إلى إعادة تعريف القوة: القوة في الاعتذار، وفي التواضع، وفي الصدق، وفي مصافحة الطرف الآخر حين يصدُق، وفي قول “أخطأت”…هكذا فقط، تنهزم أوهام الكبرياء… وتنتصر الإنسانية.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading