مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
كتابات حرة

26. رمضان… وابتلاء المؤمن هشام فرجي

received 2446779685663300

رمضان هو شهر العبادة والصيام، هو أيضًا مدرسة الابتلاء فيها يمتحن الصبر والإيمان، حيث يختبر الله عباده في شتى مجالات حياتهم. وكما أن الصوم نفسه ابتلاء يتحمله المؤمن بإرادته، فإن الحياة برمتها سلسلة من الاختبارات التي تمحص القلوب، وتميز الصادق من المنافق، كما قال تعالى: “أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوٓاْ أَن يَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ(2) وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَٰذِبِينَ (5)”. العنكبوت.

وتتعدد أشكال الابتلاءات في حياة المؤمن:

1. الابتلاء في النفس: تعد الصحة والعافية من أكبر نعم الله، لكن فقدانها ابتلاء عظيم، فمن الناس من يبتلى بالمرض، ومنهم من يعاني من الألم النفسي أو الاكتئاب. وهنا يتجلى الصابرون الذين يحتسبون مرضهم عند الله، كما قال النبي ﷺ: “ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن، ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه” (متفق عليه).

2. الابتلاء في الجسد: قد يُبتلى الإنسان بعجز أو إعاقة، وقد يحرم من نعمة الحركة أو البصر، لكن الابتلاء الحقيقي هو في ردة فعله: هل يرضى ويصبر، أم يتسخط ويجزع؟ وقد قال الله عن نبيه أيوب عليه السلام، الذي ابتلي في جسده وفقد أهله وماله لكنه صبر:

“إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا ۚ نِعْمَ ٱلْعَبْدُ ۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ” (ص: 44).

3. الابتلاء في المال: ويعتبر المال فتنة كبرى، قد يكون الابتلاء بالفقر، وقد يكون بالغنى، وكلاهما اختبار من الله، كما قال تعالى:

“وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ” (الأنبياء: 35).

فالفقر يمتحن صبر الفقير، والغنى يمتحن شكر الغني.

4. الابتلاء في الأولاد: فالأبناء هم زينة الحياة الدنيا، لكنهم أيضًا مصدر للابتلاء، فقد يبتلى الإنسان بفقدهم، أو انحرافهم، أو عقوقهم، وفي كل ذلك اختبار للإيمان والرضا بقضاء الله، كما قال تعالى:

“إِنَّمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَأَوْلَٰدُكُمْ فِتْنَةٌ” (التغابن: 15).

5. الابتلاء في الدين: وهذا من أعظم الابتلاءات، حين يُحارب المؤمن في دينه، أو يُمنع من ممارسة عباداته، أو يتعرض للسخرية والاضطهاد بسبب تمسكه بدينه. وقد كان الأنبياء والصالحون أكثر الناس تعرضًا لهذا الابتلاء، كما في قصة أصحاب الأخدود الذين قتلوا حرقًا بسبب إيمانهم.

6. الابتلاء في العرض والسمعة: التشهير، والظلم، والافتراءات هي كذلك أشكال قاسية من الابتلاء، لكنها تكشف معادن الناس، وتظهر من يثق بعدل الله ومن ينهار أمام الظلم. والسيدة عائشة رضي الله عنها خير مثال حين اتُهِمت ظلمًا في حادثة الإفك، لكن الله برأها في كتابه الكريم.

7. الابتلاء في المنصب والسلطة: قد تكون السلطة نعمة، لكنها فتنة وابتلاء، فمن استخدمها في الظلم فقد خسر دنياه وآخرته، ومن عدل فيها فقد نجا. والقرآن يذكرنا بقصة فرعون الذي طغى، وبالنقيض قصة يوسف عليه السلام الذي صان الأمانة عندما تولى الوزارة.

ورمضان يعطينا نموذجًا مصغرًا لفلسفة الابتلاء، فنحن نمتنع عن الطعام والشراب، ونتحمل الجوع والعطش، ونجاهد النفس ضد الشهوات. فمن يصبر على جوع النهار، يتعلم الصبر على مصائب الحياة، ومن يسامح في رمضان، يتدرب على العفو عن الناس، ومن يستكثر من الصدقة، يدرك أن المال ليس كل شيء.

وفي الليالي الأخيرة من رمضان، حيث يعتق ربنا الكريم رقاب العباد من النار، نتذكر أن كل الابتلاءات زائلة، وأن الفائز الحقيقي هو من ثبت وصبر حتى لقي الله بقلب مطمئن.

إذا ما ابتلاكَ اللهُ فاصبرْ واحتسب

           ولا تجزعَنْ فالصبرُ بابٌ للعَجَبْ

فكم من بَلاءٍ ظنَّهُ العبدُ نقمةً

           وفي طَيِّهِ الخيرُ الكثيرُ لمنْ وثَبْ

تذكَّرْ بأنَّ الدنيا دارُ اختباراتٍ

           وسوف ترى الفَوزَ العظيمَ لمن غَلَبْ

وأخيرًا…الابتلاء سنة كونية، لكنه ليس دليل غضب الله على عبده، بل قد يكون دليل حبه تعالى، كما قال النبي ﷺ: “إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ” (رواه الترمذي). وكما ينتهي رمضان بفرحة العيد لمن صبر وصام وقام، فإن الحياة تنتهي بفرحة الجنة لمن صبر على بلائها واحتسب. فليكن رمضان مدرسة لنا، نتعلم فيها كيف نثبت أمام امتحانات الدنيا، حتى ننال رضا الله وجنته.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading