مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
كتابات حرة

السحور.. بركة السَّحَر وأنفاس الاستغفار – بقلم: هشام فرجي

received 2446779685663300

حين يهدأ الكون، وتغفو العيون، وتصبح الأصوات همسًا في زوايا الليل، هناك من يستيقظ، ليسمع نداء السماء، ويرتشف من نور السَّحَر قطراتٍ تطهّر الروح، وتملأ القلب يقينًا.

السحور، لحظة فاصلة بين الليل الذي يمضي، والنهار الذي يقترب، بين النعاس الذي يثقل الجفون، والصبر الذي يقوي العزائم. هو زمن قبل الفجر اختاره الله ليكون موطن البركة، وموعدًا لأنفاس الاستغفار.

قد يتساءل البعض: لماذا شرع الله لنا السحور؟ وما معنى البركة التي فيه؟

البعض منا يعتبر السحورعادة رمضانية،كلنه في الحقيقة عبارة عن  تجربة روحانية تختزل معاني الصيام كلها. في تلك اللحظات، يستشعر المؤمن لذة الطاعة، ويختبر عمق الصبر، ويدرك أنه يتعدى كونه جسدا يبحث عن غذائه، إلى كونه  روحا تلتمس نورها في ظلمة الليل.

قال النبي ﷺ: “تَسَحَّروا فإن في السحور بركة”، فهل تساءلنا يومًا: ما هذه البركة؟

بركة جسدية: فالسحور يقوي البدن، ويمنحه القدرة على الصيام دون مشقة.

بركة روحية: فهو وقت السَّحَر، حيث تتنزل الرحمات، وتُرفع الدعوات، وتُمحى الخطايا بأنفاس الاستغفار.

بركة اتباع السنة: فأنت بإفطارك عند المغرب، وسحورك قبل الفجر، تسير على خطى الحبيب رسول الله محمد ﷺ ، وتنال شرف الامتثال لهديه.

أرأيت كيف أن السحور ليس مجرد لقيمات؟

إن السحور يقع في أعظم أوقات القرب من الله. في ذلك الوقت، يقول الله الحديث القدسي ،حين ينزل إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل:

“هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من سائل فأعطيه؟”

إنه وقت صفاء، ووقت توبة، ووقت ندم على خطايا الأيام الماضية، ووقت إعداد النفس ليوم جديد بقلبٍ أكثر إشراقًا، وروحٍ أكثر قربًا من الله.

فكيف يمكن لإنسان أن يستيقظ للسحور، ولا يرفع يديه بدعاء؟ كيف يتناول طعامه، ولا يملأ قلبه بالاستغفار؟

فرمضان كله مدرسة تلمنا وتربينا، والصيام بالإضافة إلى كونه امتناعا عن الطعام،  هو أيضا امتناع عن الغفلة أيضًا. إذ في السحور، نتعلّم أن اليقظةليست يقظة الجسد فقط، بل يقظة القلب أيضًا. وأن نستيقظ للسحور، يعني أننا قادرون على مقاومة الكسل.أن نستيقظ للسحور، يعني أننا لدينا الإرادة للتغيير، والقدرة على ضبط وقتنا. أن تستيقظ للسحور، يعني أننا لا نريد أن يكون يومنا كأمسنا، بل نبحث عن بركة تُضاف إلى حياتنا.

ختاما يمكن القول بأن السحور ليس أكلًا فحسب، بل هو لقاء مع الله قبل أن يطلع الفجر على قلوب لا تزال نائمة.”

فيا أيها الصائم، لا تجعل سحورك مجرد لقيمات سريعة وأكواب ماء تُشرب على عجَل، بل اجعل منه لحظة تأمل، لحظة استغفار، لحظة قرب من الله. اجلس إلى مائدتك وأنت تستحضر أن هذه دقائق مباركة، لن تتكرر إلا في رمضان القادم. كل لقمة تأكلها، احمد الله عليها. كل قطرة ماء تشربها، تذكر أنها نعمة عظيمة. وكل دقيقة قبل الفجر، اجعلها زادًا لقلبك قبل أن تكون زادًا لجسدك.

فهنيئًا لمن استيقظ للسحور، فوجد البركة في طعامه، والنور في قلبه، والرحمة تظلل حياته.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading