مشروع للمناقشة – نجيب محفوظ
المؤلف (كأنما يسأل نفسه) : هل حقًّا حلَّت اللعنة بمسرحنا؟
الممثلة : لن تحلَّ بنا إلا إذا قرَّرتَ أنت ذلك.
المؤلف : ولكنه بمعنًى ما مسرحي، إنه جزء من نفسي لا يتجزأ.
الممثلة : ونحن عناصره التي لا يقوم إلا بها.
المؤلف : عملٌ واحد وهدفٌ واحد.
الممثلة : بالحق نطقت.
المؤلف : فيم الخلاف إذن؟
الممثلة : لا خلاف حقيقي ولكنه الخوف، لقد أفسدت المنافسة المريرة أعصابنا.
المؤلف : بالتالي ضقت بهم ذرعًا.
الممثلة : ليتسع لهم صدرك. (صمت) هل يضايقك وجودي؟
المؤلف : بل يسعدني.
الممثلة (في شيء من التردد) : أودُّ أن أخلو إليك بعض الوقت.
المؤلف : بكل سرور، فرصةٌ طيبة.
الممثلة : لا قيمة لأكليشهات المجاملة لمن يتطلع للعاطفة الحقيقية! (ينظر إليها في تساؤل ودهشة)، لِمَ الآن؟ لِمَ أختار هذه اللحظة لأفضي إليك بأسرارٍ قديمة؟ ربما لأنني شعرت لأول مرة بأنك تهددنا حقًّا بالفراق الأبدي.
المؤلف : أعترف بأنني ضقت بالعناء والمكابرة.
الممثلة : عِدْني بألا تقرر الفراق مهما يكن من عنادهم ومكابرتهم.
المؤلف : كيف يمكن أن أعد بذلك؟!
الممثلة : عدني بلا قيد أو شرط؟
المؤلف : بلا قيد أو شرط؟!
الممثلة : بلا قيد أو شرط.
المؤلف : إني أشكر لكِ عواطفكِ، ولكنه طلب غير عادل.
الممثلة : لأنه مسرحك؛ لأنه مسرحنا، لأننا أسرتك، ولأنني …
المؤلف : ولأنك؟
الممثلة : ولأنني .. ولأنني .. ولأنني لولاك ما عرفت طريقي إلى المسرح.
المؤلف : حقًّا؟
الممثلة : نعم.
المؤلف : لم تحدثيني عن ذلك من قبلُ.
الممثلة : لم أحدثك عن نفسي قط. (صمت، يتبادلان نظراتٍ صامتة) ألا تذكر أيام زمان؟
المؤلف : بلى، حينما كنتِ طفلة.
الممثلة : حينما كنت فتاةً صغيرة لا طفلة.
المؤلف : كنتُ ألمحكِ في الطريق أحيانًا.
الممثلة : أكنتَ تراني حقًّا؟
المؤلف : من حيٍّ واحد كنا، إني أذكر تلك الأيام.
الممثلة : اعتقدت أنك لم ترني قط.
المؤلف : في الشرفة رأيتك وأمام باب البيت.
الممثلة : وقلت لنفسي إما إنه إله أو إنه صَخْر.
المؤلف : صخر؟!
الممثلة : ذلك أنك لم تعرف سهر الليالي ولا الوسائد المبللة بالدموع. (يتبادلان نظرةً طويلة، هي تُلقيها إليه بثبات، وهو بدهشة) وصممتُ على أن أكَبِّر نفسي لعلِّي ألفت نظرك؛ انتعلتُ حذاء بكعبٍ عالٍ، غيرتُ التسريحة، ضيقت أعلى الفستان لأبرز صدري، ولكنك لم ترني.
المؤلف (باسمًا) : آسف جدًّا، كنتِ صغيرة وكنتُ كبيرًا.
الممثلة : المسألة أنك لم تحبني. (صمت) ولحبِّك أحببت المسرح، أحببت مسرحك، غيَّرت مجرى حياتي رغم معارضة أهلي الشديدة.
المؤلف : إني أغبط نفسي على الخدمة التي قدمتُها للمسرح دون تخطيط.
الممثلة : ومضى حبي ينمو بلا حدود، ولما تخرجت في المعهد اتصلت بك تليفونيًّا، طالبة ناشئة تعرض نفسها على المؤلف الكبير.
المؤلف : متى كان ذلك؟ إني لا أذكره.
الممثلة : طبعًا؛ فهو حديث يتكرر يوميًّا عشرات المرات.
المؤلف : أكرِّر الأسف.
الممثلة : وسدَّ سكرتيرك الطريق في وجهي، ومن ناحيةٍ أخرى لم تكن تبرح ضاحيتك أغلب الوقت، ولا تزور المسرح إلا في أوقاتٍ نادرة وفي ظروفٍ مجهولة لي، وهكذا وجدت بابك مغلقًا بعد طريقٍ طويل شققته بالجهاد والعناد والصبر.
المؤلف : حكاية مؤسفة حقًّا.
الممثلة : ما مضى قد مضى.
المؤلف : ولكنكِ عَرفتِ بالإصرار طريقك إلى مسرحنا.
الممثلة : سلمت بتوجيه السكرتير فذهبت إلى المخرج.
المؤلف : وسيلة ناجعةٌ فيما يبدو.
الممثلة : قابلته واقترحت عليه أن يختبرني في مكتبه ولكنه …
المؤلف : ولكنه؟
الممثلة : اعتذر بضيق الوقت وكثرة الأعمال، ثم دعاني إلى مسكنه الخلوي! (المؤلف يبتسم، الممثلة تقطِّب) غادرتُه متحدية، وغالبت ترددي حيالك حتى غلبته، فكتبت لك رسالةً مطوية اعترفت لك فيها بحبي الذي أسرني منذ صباي. (صمت) لا تتذكر شيئًا؟!
المؤلف : الحق …
الممثلة (مقاطعة) : الحقُّ أنك تتلقى مئات الرسائل مثلها!
المؤلف : لم تكن لي ثقةٌ كبيرة في الرسائل.
الممثلة : ذهبت إلى المسكن الخلوي. (صمت) كثيرًا ما يدفع الحب الخائب إلى المساكن الخلوية.
المؤلف : الحياة سلسلة من التجارب المتناقضة.
الممثلة : هكذا انضممت إلى مسرحك.
المؤلف : مهما يكن من أمر فقد كسب بك نجمةً لامعة.
الممثلة : وعندما قدمت لك لأول مرة وضح لي أنك لا تتذكرني.
المؤلف : ولكن سرعان ما تذكرتك.
الممثلة : وثبت لديَّ أن حبك سرابٌ مستحيل؛ فلذتُ بصمت الكبرياء. (صمت) ودفعني حبك المستحيل من بيتٍ خلوي إلى بيتٍ خلوي.
المؤلف : الحق أنك اشتهرت في الوسط بكثرة العشق!
الممثلة : على حين أني لم أعرف من الحب إلا حبك.
المؤلف : فنانةٌ كبيرة وقلبٌ كبير.
الممثلة : تصورني الرسوم الكاريكاتورية امرأةً شهوانية بينا أنني أعاف في أعماقي الشهوة والفساد.
المؤلف : إني أصدقك.
الممثلة : ولكنني أعبر من خلال علاقاتي العابرة بالآخرين عن تشوُّفي الخالد إليك.
المؤلف : إني أحترم عاطفتكِ وأفهم سلوككِ.
الممثلة : ولكنك لا تحبني؟
المؤلف : أحبك بقدر ما يستطيع شخص في سنِّي أن يحب امرأة في سنك.
الممثلة : إنك من الذين يتعذر تقدير أعمارهم، حتى قيل عنك إنك في سياحاتك الموسمية حول العالم تجدد شبابك وتنفق في ذلك عن سعة!
(المؤلف يغرق في الضحك وهي لا تحول عنه عينَيها.)
المؤلف : هل تؤمنين بالأساطير؟
الممثلة : نعم.
المؤلف : أعترف أن حبكِ سيجدد شبابي.
الممثلة : إنك تتكلم من بعيد، ولا ألومك فلا حق لي عليك، ولكن لِمَ لَم تتزوج؟
المؤلف : لم يكن الزواج من أهدافي أبدًا.
الممثلة : عدو للمرأة؟
المؤلف : لعلي لم أتزوج لشدة حبي للمرأة.
الممثلة : لا خبرة لي بالمغالطات اللفظية.
المؤلف : أعترف بأنني شيء غير مهضوم من وجهة نظر الطبيعة البشرية.
الممثلة : على كل حال ما مضَى قد مضَى، وما يهمني الآن هو ألا تفكِّر في هجر مسرحنا. (صمت) طالما أنت على رأسه فإني أشعر بأني أعمل في بيتي، وبأن حياتي رغم تمزقها وضياعها لم تفقد كل معنى لها، وبأني إذا كنت أخفقت في أن أكون خليلتك أو زوجكَ فإني على الأقل نجمة مسرحياتك.
المؤلف : النجمة التي ساقت إليَّ الملايين.
الممثلة : ولا تنس أن الحب هو الدور الذي خلَّدني.
المؤلف : وشارك في تخليد أعمالي.
الممثلة : وإنني أشعر وأنا أقوم به بأنني أمارس حبك الكبير الذي استحال عليَّ خارج المسرح.
المؤلف : إني مدين لك بالكثير.
الممثلة : عدني إذن ألا تهجرنا مهما يكن من أمر. (صمت.) ألا تريد أن تعدني؟
المؤلف : بدا التفاهم اليوم مستحيلًا.
الممثلة : إنهم يحبونك أيضًا، صدقني إنهم يحبونك أيضًا، المسألة أنهم خائفون، المنافسة مُرة ومزلزِلة للأعصاب، وهم من طول ما مارسوا البغضاء في نزاعهم مع المسارح المحيطة بنا انطبعت البغضاء في أساريرهم وسلوكهم ونوازعهم، كأنما قد فقدوا القُدرة على الحب، ألفوا التحدي والوقاحة والتهور، تصوروا في غضبهم أنه يمكن أن يوجد هذا المسرح بدونك، محض خيالٍ مريض، تخيلوه بأخيلةٍ هزيلةٍ مريضة، ولو ضننت عليهم بوجودك لتقوَّضت الجدران فوق رءوسهم، وتلاشت فرص الندم.
المؤلف : لا أوافق على أن أكرر نفسي بحالٍ.
الممثلة : سيدي .. هل حقًّا لم يبقَ للفن إلا غابة وكهف ورجل وامرأة يموتان في حومة هذيان؟
المؤلف : إنني أعرف ما أصنع.
الممثلة : ولكننا لم نعرفه بعدُ.
المؤلف : علينا أن نواجه الحقائق، هذه مواجهة وليست هروبًا.
الممثلة : هبني قدرًا من الحب ليستقيم دوري، ووفِّر له نصيبًا من البطولة!
المؤلف : ممثل متعجرف! .. أهو آخر عشاقك؟
الممثلة : نعم.
المؤلف : أيعاملك ببطولة؟
الممثلة (ضاحكة في امتعاض) : معاملته لي تتم وراء جدران لا أمام الجمهور.
المؤلف : إنه برمجي نساء كما هو معروف.
الممثلة : ربما.
المؤلف : لماذا ارتضيتِه عاشقًا؟
الممثلة : ليس أسوأ من غيره.
المؤلف : إنه لا يمارس البطولة إلا فوق خشبة المسرح.
الممثلة : والحب الحقيقي أين يمارس إلا فوق خشبة مسرحك!
المؤلف : إنهم يكرهون مشروعي الجديد؛ لأنه يعكس بصدق خبايا نفوسهم.
الممثلة : كنت رفيقًا بهم في الزمان الأول.
المؤلف : كانت دنيا أخرى، وكانوا ناشئين مبتدئين.
الممثلة : أوْلِهِم بعض الاحترام الذي نعموا به قديمًا.
المؤلف : أعترف لك بأنني أعاملهم دائمًا باحترام.
الممثلة : حقًّا؟
المؤلف : وروايتي الجديدة أكبر دليل على ذلك!
الممثلة : لا أفهمك يا حبيبي.
المؤلف : عليك أن تفهميني يا حبيبتي.
الممثلة : ما أحلى هذا الحديث، نتحدث كما لو كنا حبيبين حقًّا.
المؤلف : نحن كذلك.
الممثلة : حقًّا؟
المؤلف : كلٌّ بطريقته.
الممثلة : ليس للحب إلا طريقةٌ واحدة.
المؤلف : بل له طرقٌ كثيرة.
الممثلة : وما طريقتك في الحب؟
المؤلف : العمل.
(تقترب منه خطوة، تمعن فيه النظر.)
الممثلة : ألم تحب بطريقتي البسيطة؟
المؤلف : ربما، ولكن بعيدًا عن الوسط الفني.
الممثلة (متنهدة) : تصور أنني لم أدخل الوسط الفني إلا سعيًا وراء حبك. (صمت). والآن هل تَعِدني؟
المؤلف : أرجو أن تسير الأمور سيرًا حسنًا.
الممثلة : شكرًا.
المؤلف : عفوًا.
الممثلة (بعد تردد) : أود أن أُقبِّلكَ ولو قبلةً واحدة.
(الممثلة تقترب منه، يتعانقان متبادلَين قبلةً طويلة، في ذات اللحظة يدخل الممثل وفي أعقابه المخرج والناقد؛ المؤلف والممثلة يفترقان في كثير من الارتباك، الممثل يذهل لحظة، ثم يحاول الهجوم على المؤلف، ولكن المخرج والناقد يحولان دون ذلك.)
الممثل (صائحًا) : داعرةٌ محترفة، وعجوزٌ مُنحلٌّ .. سأحطم رأسك.
الممثلة : اخرس .. لا تتكلم بغير فهم.
الناقد : ما رأيناه لا يجوز أن نسيء فهمه، ما هو إلا عناق أبوي!
الممثل : أبوي! أنت لا تعرف شيئًا عن تدهور الشيوخ!
المؤلف : تأدب.
الممثل : سأحطم رأسك، لن تفلت من قبضتي.
الممثلة : اخرس، قلت لك ألا تتكلم بغير فهم!
الممثل : إني خير من يفهمكِ يا خنزيرة!
الممثلة : ما أنت إلا حيوانٌ غبي.
الممثل : لا زلتِ بغيًّا تنتقلين من فراشٍ إلى فراش.
الممثلة : تأدب وإلا أسكتك بالحذاء.
الممثل : ولكنك تنتقلين هذه المرة إلى نعش.
الممثلة (للآخرين) : أسكتوا هذا الحيوان الأعمى.
الناقد (ضاربًا جبينه بيده) : لقد حلَّت بمسرحنا اللعنة.
الممثلة (بصوتٍ مرتفع) : لن تحلَّ بمسرحنا اللعنة.
المخرج : سوء فهم واضح، واضح البراءة.
الناقد (مخاطبًا المؤلف) : بوسعك أن تحسم سوء الظن بكلمة.
(المؤلف يلزم الصمت في كبرياء.)
المخرج (للممثلة) : لديكِ بلا شكٍّ ما تدافعين به عن نفسك.
الممثلة : إني أرفض أن أقف موقف الاتهام.
الممثل : لقد رأيناهما متلبسَين!
المخرج : يجب أن تخجلَ من نفسك.
الناقد : حتى إن سوء الظن أمرٌ مخجل.
المخرج (للمؤلف) : تكلم يا أستاذ. (ثم للممثلة). تكلمي أنت، علينا أن ننتهي من سوء التفاهم ونصفِّيه بسرعة لنستأنف مناقشة المشروع الجديد.
الممثل (للمخرج) : يا للغرابة! إنك تتكلم عن أعمق العلاقات البشرية كما لو كانت عبث أطفال.
المخرج (للممثل) : لقد وجدتني ذات يوم في مثل موقفك، وكانت حيال خيانةٍ حقيقية لا مجرد سوء تفاهم بريء، وكان غريمي وقتذاك صديقنا الناقد، كيف تصرفت؟ كظمت غضبي وواصلت تدريباتي للمسرحية الجديدة.
الممثل : أنت جبان.
المخرج : أنت حيوان.
(الممثل يوجه لكمة لرأس المخرج؛ المخرج يترنَّح واضعًا يده على موضع الضربة، يمضي إلى الكنبة ويرتمي عليها، يسند رأسه إلى مسندها ويمد ساقَيه في إعياء. الممثلة تثور وتلطم الممثل على خده فيعميه الغضب ويوجه لطمة إلى رأسها فتقع إلى جانب المخرج، الناقد يسرع إلى إجلاسها، ويهجم على الممثل، يتبادلان الضرب حتى يسقطا متتابعين. يقومان مترنحَين ويلوذ كلٌّ منهما بمقعد حول الكنبة. الأربعة جالسون متقاربين وفي حالة إعياءٍ شديد تقارب الإغماء. وطيلة الوقت لزم المؤلف موقفه وهو يراقب ما يحدث ببرود.)
(صمت.)
(يُفتح الباب فيدخل السكرتير، يتجه نحو المؤلف دون أن ينتبه إلى الآخرين.)
السكرتير : مندوب مجلة إيزيس.
(يدخل مندوب المجلة، السكرتير يغادر الحجرة، المندوب يمضي إلى المؤلف فيصافحه، يتحول إلى الجالسين ولكنه يتوقف في ذهول، يردد بصره بينهم وبين المؤلف، يتراجع إلى قريب من المؤلف.)
المندوب : آسف على مجيئي دون موعدٍ سابق.
المؤلف : إنها مفاجأة ولكنها سارَّة.
المندوب (مشيرًا إلى الجالسين) : ماذا حصل لهم؟
المؤلف : فرغوا لتوِّهم من تدريبات الرواية الجديدة.
المندوب : حقًّا! مجرد تدريبات؟
المؤلف : مجرد تدريبات.
المندوب : إنها روايةٌ عنيفة فيما أرى؟
المؤلف : لا تخلو من عنف.
المندوب : إني أرى آثار كدمات، وألمس إعياءً واضحًا على وجوههم، كأنما هي رواية من روايات رعاة البقر!
المؤلف : لا تخلو من حيوانات.
المندوب : حتى فنانتنا الكبيرة تطرح رأسها في شبه إغماء، إنه لأمر غير معقول!
المؤلف : لا تخلو من جنون.
المندوب : إن عرض مسرحية بذاك العنف شهورًا متواصلة يجب أن يُعدَّ معجزة!
المؤلف : وهي لا تخلو من معجزات.
المندوب (مشيرًا إلى الممثلة) : هل أصيبت وهي تدافع عن شرفها؟
المؤلف : أصيبت وهي تدافع عن شرف البطل.
المندوب : ولكن المعتاد أن البطل يَذود عن شرف الآخرين بالإضافة إلى شرفه هو؟
المؤلف : هي لا تخلو من طرافة وجدَّة!
المندوب : لعل المسرحية تميل إلى التشاؤم؟
المؤلف : لا تخلو من تشاؤم.
المندوب : ولكن موقف البطلة يدعو للتفاؤل فيما أعتقد؟
المؤلف : لا يخلو من تفاؤل.
المندوب : كيف تجمع مسرحية بين التشاؤم والتفاؤل وهما نقيضان؟
المؤلف : لا تخلو من تناقض.
المندوب : معذرة يا عميد المؤلفين ألا يعتبر ذلك ضعفًا؟
المؤلف : لا تخلو من ضعف.
المندوب : ولِمَ لَم تبلغ بها الكمال المعهود منك؟
المؤلف : الكمال للموت وحده.
(المندوب يضحك عاليًا، ثم يعقب ذلك صمت.)
المندوب : جميع المسارح تتساءل عن عرضكم القادم، وقد بلغت المنافسة بينها ذروة المرارة، المؤامرات تدبر في الظلام، المرتزقة يُستأجرون لإحداث الشغب، ألا يمكن أن يسود السلام بين المسارح؟ (صمت). كثيرون من العقلاء يعقدون عليك الآمال بوصفك عميد المؤلفين لتقوم بخطوةٍ حاسمة في هذا السبيل؟
المؤلف : لا وقت عندي إلا للعمل.
المندوب : هلا كرَّست لذلك يوم راحتك الأسبوعي؟
المؤلف : يوم الراحة للراحة.
المندوب : إنهم يحلمون بأن تجمع المسارح في وحدةٍ متعاونة يسودها السلام الذي يسود مسرحك.
المؤلف : لن أجد في سني هذه من يمكنه التفاهم معي.
(المندوب يبتسم وهو يشدُّ على ذراع المؤلف إعجابًا وتقديرًا.)
المندوب : أعلم أنك لا تحب الحديث عن روايةٍ جديدة قبل عرضها، ولكن لديَّ بعض أسئلةٍ تقليدية يتابعها الجمهور عادة بشغف. (المؤلف يهزُّ رأسه بالموافقة صامتًا) كم من الوقت استغرقت في كتابتها؟
المؤلف (حاسرًا كُمَّ الجاكتة عن معصمه اليسرى) : أنا لا أستعمل الساعات.
المندوب : ممَّ استلهمت فكرتها العامة؟
المؤلف : شرعتُ في كتابتها عقب تفكيرٍ طويل في المغص.
المندوب (ضاحكًا) : هل يمكن إرجاعها إلى تجربةٍ شخصية مرَّت بك في حياتك العامرة؟
المؤلف : ربما أمكن إرجاعها إلى علاقةٍ قديمة قد قامت بيني وبين مطربٍ أخرس.
المندوب : مطربٌ أخرس؟
المؤلف : نعم.
المندوب : وكيف أمكنك معرفة تطريبه؟
المؤلف : هذا ما ستُجيب عنه المسرحية.
(المندوب يضحك عاليًا، يصافح المؤلف. يذهب. المؤلف يلقي نظرة على الجالسين، يسوِّي ربطة عنقه ومنديل جيب الصدر تأهبًا للذهاب. الممثلة تنظر نحوه، تقاوم ضعفها فتعتدل في جلستها.)
الممثلة : انتظر. (تُدلِّك رأسها، تقوم بصعوبة، تمضي إلى أقرب المقعدين المتقابلين أمام المكتب لتعتمد عليه) متى نجتمع لنقرأ النص الجديد؟ (صمت) لا تهجرنا. (صمت) لقد وعدت بألا تهجرنا. (صمت) (مشيرة إلى الجالسين) ما وقع بيننا ليس الأول من نوعه، ولن يكون الأخير. (صمت) سوف تعود المياه إلى مجاريها. (صمت) (مشيرة إلى الممثل) سيكون أول من يعتذر، إني خير من يعرفه. (صمت) (يتبادلان نظرةً طويلة، هي متطلعة في لهفة، وهو لا ينمُّ وجهه عن شيء، فيتصافحان ثم يمضي على مهل إلى الخارج ويرد الباب وراءه. الممثلة تتابعه بعينَيها ثم تظل رانية إلى الباب.)



