مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
سينما ومسرح

المهمة – نجيب محفوظ

23771e2e6cb45fefcf698c52e3c3e317 237x300 1

(بقعةٌ صحراوية خالية، تقوم في وسطها هضبةٌ صخرية، أمام الهضبة يتمشى شاب جيئة وذهابًا وهو ينظر في ساعته من آنٍ لآنٍ. الوقت أصيل، الشاب أنيق بدرجةٍ ملحوظة، والجو يوحي بأنه ينتظر موعدًا غراميًّا.

يترامى من الخارج وقْع أقدامٍ ثقيلة، الشاب يرهف السمع في قلق، وباقتراب الأقدام يتجهَّم وجهه، ويتوقف عن المشي، فيلزم مكانه أمام الهضبة.

يدخل رجل في الخمسين، مهمل الهندام، ولكنه قوي البنية، يلقي على الشاب نظرةً عابرة، ثم يمضي إلى يسار الهضبة فيقف متطلعًا إلى الخلاء.

الشاب ينظر صوب الرجل مقطِّبًا، ولكن الآخر يبدو وكأنه لا يشعر له بوجود، يقترب منه خطوة.)

الشاب (مخاطبًا الرجل بصوتٍ مرتفع لا يخلو من تحدٍّ وغضب) ماذا تريد؟ (يظل الرجل رانيًا إلى الخلاء كأنما يسمع صوتًا)، (بصوتٍ أشد ارتفاعًا) إني أسألك عما تريد؟ (الرجل يبدو مستغرقًا في الأفق، ويترنم مغنيًا). والله زمان، زمان والله. (بحدة حانقة). لماذا تتبعني؟ (الرجل يواصل ترنُّمه في هيمان) إنني أخاطبك وأنت تعلم ذلك، لا أحد سوانا في هذا الخلاء.

الرجل (ملتفتًا في دهشة) حضرتك تخاطبني؟

الشاب دون سواك!

الرجل معذرة، ماذا قلت؟

الشاب إني أسألك عما تريد مني!

الرجل (متظاهرًا بالدهشة) أنا؟

الشاب أنت، أنت دون سواك.

الرجل عجيبٌ سؤالك يا سيدي، أنا لا أريد منك أي شيء.

الشاب لم إذن تتبعني بإصرار؟

الرجل أتبعك! إني أراك لأول مرة في حياتي.

الشاب (بعناد) إنك تتبعني منذ الصباح الباكر، ولم تكُفَّ عن تتبُّعي حتى هذه اللحظة من الأصيل.

الرجل أنت مخطئ في ظنك فأنا لم أرك؛ وبالتالي لم أتبعك.

الشاب لم أذهب إلى مكان إلا رأيتك قادمًا في أثري.

الرجل لا يحق لي أن أكذِّبك، ولكني لم أرك، ولم أتبعك.

الشاب (بنبرة لا تخلو من تهكم) أهي مجرد مصادفة؟

الرجل سمِّها كيفما شئت.

(صمت، يعود الرجل إلى النظر صوب الأفق، أما الشاب فلا يبرح مكانه، ولا يكفُّ عن النظر إليه.)

الشاب هل تتفضَّل بإخباري عن الجهة التي تنوي الذهاب إليها بعد هذه الوقفة؟

الرجل (ملتفتًا نحوه في دهشة) بأي حق تسألني هذا السؤال الغريب؟

الشاب معذرة، أودُّ التخلص من فكرة اتباعك لي.

الرجل أنا لا أعرفك، لم أتبعك، وفي هذا الكفاية!

الشاب ألم توجد في ميدان القلعة صباحًا؟

الرجل بلى.

الشاب ألم تتناول فطورك في مطعم .. فلافل .. بشارع محمد علي؟

الرجل بلى.

الشاب ألم تذهب بعد ذلك إلى مقهى الشمس؟

الرجل بلى.

الشاب ألم تقم بزيارةٍ قصيرة لدار الآثار؟

الرجل بلى.

الشاب ألم تشهد مزادًا بصالة المعروضات بالدقي؟

الرجل بلى.

الشاب ألم تذهب بعد ذلك إلى عيادة الدكتور عرنوسي طبيب الأسنان؟

الرجل بلى.

الشاب ألم …

الرجل (مقاطعًا) أكنتَ تتبعني يا سيدي؟

الشاب (ضاحكًا ضحكةً جافة) أنا؟

الرجل أليس من الغريب أن تعرف تحركاتي طيلة اليوم بهذه الدقة؟

الشاب ولكنك كنت، لا مؤاخذة، كأنك كنت تتبعني!

الرجل لقد شغلتَ نفسك بي أكثر مما يُتصور.

الشاب في كل مكان رأيتك قادمًا في أثري، حتى في هذه المنطقة النائية الخالية!

الرجل عجيب أنني لم أرك ولا مرةً واحدة.

الشاب الحق أن عينَينا التقتا أكثر من مرة.

الرجل لا يرى الإنسان جميع ما تقع عليه عيناه من أشياء.

الشاب إذن فأنت لا تتبعني؟

الرجل ولِمَ أتبعك؟

الشاب لعلك تعذرني.

الرجل لك العذر.

الشاب مصادفةٌ عجيبة.

الرجل هي بالقياس إليَّ لا شيء. (الشاب يضحك ضحكةً عصبية، ثم يسود الصمت، وعندما يهمُّ الشاب بالابتعاد يتكلم الرجل) آسفٌ جدًّا لأني أزعجتك بغير قصد.

الشاب أن تصدق أن شخصًا ما يتبعك أمرٌ مزعج حقًّا.

الرجل ليس في جميع الأحوال.

الشاب أعني إذا كنت تجهله وتجهل مقصده بالتالي.

الرجل ولكنك شابٌّ مهذبٌ بريء الساحة.

الشاب لا يكفي هذا لإسكات وساوسك ما دمتَ تجهله وتجهل مقصده.

الرجل (باسمًا) أيهما أبعث على الخوف؛ المجهول أم المعروف؟

الشاب الأمر يتوقف على السبب وعلاقته بنا.

الرجل الحق أننا نخاف أكثر مما ينبغي. (الشاب يصمت متجهِّمًا) أكرر الأسف.

الشاب (بعصبية) الحق أنك أفسدت عليَّ يومي كله!

الرجل عجيب أن نرتكب جريمة ونحن لا ندري.

الشاب وجئت إلى هذه البقعة الخالية النائية لأكتشفك وأحرجك!

الرجل لعل مجيئي يقطع ببراءتي.

الشاب ترى ما الذي دعاك إلى المجيء إلى هنا؟

الرجل إنها أحد الأماكن المختارة التي أشهد فيها الغروب.

الشاب أتحب الغروب؟

الرجل إنه أحب ساعات اليوم إلى نفسي.

الشاب ألم يزعجك أن تجدني هنا؟

الرجل أنا أحب الناس.

الشاب (بعد تردد واضح) هلا أخبرتني عن خطواتك التالية؟

الرجل أما زلت على ريبٍ مني؟

الشاب كلا، ولكني أودُّ أن أمتحن دهاء المصادفة.

الرجل الواقع أني سرت طيلة اليوم على غير هدًى وبلا خطةٍ موضوعة، إنه يوم عطلتي.

الشاب لا بد من فكرة تقودك في يوم عطلتك.

الرجل من طول خضوعي للتخطيط على مدى الأسبوع فإني أتحرر يوم العطلة من أي قيد.

الشاب أما أنا فسأبقى هنا بعض الوقت ثم أذهب إلى حانة «الأحمر والأبيض.»

الرجل (بحماسٍ مفاجئ) حانة النبيذ الفاخر والسلطة الخضراء .. ما أجملها!

الشاب هل تقرر الذهاب إليها؟

الرجل أعترف بأنك ذكَّرتني بمكانٍ أُحب الجلوس فيه.

الشاب وبعد ذلك سأمضي إلى بيتي.

الرجل من يدري، ربما توثقت العلاقة بيننا في «الأحمر والأبيض» فنمضي إلى البيت معًا.

(يضحكان معًا، ثم يسود الصمت، يلتفت الشاب إلى الناحية الأخرى فيعود الرجل إلى التطلع صوب الأفق، الشاب يتمشى غير خالٍ من القلق، يختلس إلى ظهر الرجل النظرات، ينظر في ساعته، يتضاعف قلقه. تدخل فتاةٌ جميلةٌ متأنقة، ما إن ترى الشاب حتى تهرع نحوه مُتهلِّلة، ولكنها تنتبه إلى وجود رجلٍ غريب؛ فتتمالك مشاعرها وتلوح في وجهها خيبة، الشاب يمضي بها إلى يمين الهضبة، يتبادلان قبلة.)

الشاب لسنا وحدنا.

الفتاة ماذا يفعل؟

الشاب ينتظر الغروب!

الفتاة الغروب؟

الشاب (متهكمًا) أَحب ساعات اليوم إليه.

الفتاة هل تعرفه؟

الشاب كلا.

الفتاة هل حادثتَه؟

الشاب نعم.

الفتاة لِمَ؟

الشاب الواقع أنه لم يفارقني منذ الصباح الباكر.

الفتاة (بدهشة) كيف؟

الشاب ظننته يتبعني.

الفتاة ما دام لم يفارقك طوال اليوم.

الشاب ولكنه أكد لي أنه لم يرني.

الفتاة وهل صدَّقته؟

الشاب لم أكذبه.

الفتاة ألا ترى أنه يحسن بنا أن نذهب؟

الشاب إني ضنين باللقاء.

الفتاة ولكن قلبي غير مطمئن.

الشاب لعله ينتظر صديقة.

الفتاة ليتها تجيء لتحل المشكلة من أساسها. (يتبادلان قبلةً طويلة)، (مشيرة إلى الناحية الأخرى من الهضبة) لم يفارقك طوال اليوم؟

الشاب بلى.

الفتاة لنذهب!

الشاب لماذا يتبعني؟

الفتاة (بقلقٍ واضح) ترى هل يتعلق الأمر بي؟

الشاب هل سبق لكِ أن رأيتِه؟

الفتاة لا لم ألمح إلا ظهره، وبسرعةٍ عابرة، لم يذكرني بأحد أعرفه.

الشاب لا داعي لكثرة الظنون.

الفتاة أرى أنه يحسن بنا أن نذهب.

الشاب لننتظر فإني ضنين باللقاء.

الفتاة أعترف بأنني بتُّ أكرهه بقدر ما أخافه.

الشاب كيف تخافينه وأنت لم ترَيْ إلا ظهره!

الفتاة إنه ذو قصةٍ مريبة تدعو للانزعاج.

الشاب بوسعنا أن ننساه تمامًا ونعبث بنواياه.

الفتاة نواياه؟!

الشاب أعني إن كان ثمة نوايا يضمرها حقًّا.

الفتاة ولكن كيف؟

الشاب (وهو يجذبها نحو صدره) هكذا.

(يتعانقان وهما يتبادلان قبلةً طويلة، يواصلان العناق والقُبل كأنما قد نسيا الآخر تمامًا، في أثناء ذلك يجلس الآخر على الأرض كأنما أتعبته الوقفة، يمدُّ ساقَيه ويسند رأسه إلى حافة الهضبة، صوت غراب ينعق، الشاب والفتاة يفيقان من سكرة الحب، يتبادلان النظر في دهشة.)

الفتاة كم مضى من الوقت؟

الشاب لا أدري، ولن أنظر في الساعة؛ فما أحب أن أكدِّر صفونا بالزمن.

الفتاة (مشيرة إلى الناحية الأخرى) تُرى هل ذهب؟

الشاب سيَّان عندي أن يذهب أو أن يبقى. لا يندُّ عنه صوت، لعله مات. (صمت يتخلله تبادل قُبَل) من الحماقة أن أخافه.

الفتاة ولكنك تجهله.

الشاب هو على أي حال كهل وبوسعي أن أصرعه بلكمةٍ واحدة.

الفتاة ولكني وجدتك قلقًا لدى حضوري.

الشاب لم أكن أفقت من فكرة مطاردته لي.

الفتاة لعله … (وقبل أن تتم كلامها يترامى إليهما شخيرٌ منتظم من ناحية الرجل؛ يتبادلان نظرةً ذاهلة) نام؟

الشاب لعله شخير رجلٍ آخر.

(الشاب يمضي في حذرٍ شديد نحو الرجل، تتبعه الفتاة، يلقيان عليه نظرةً داهشة، الرجل يستيقظ لدى وقوع نظرتهما عليه كأنما رُمي بطوبة، ينهض بسرعة ويحدق فيهما بانزعاج وتحدٍّ معًا.)

الرجل (متجهمًا) من أنتما؟ .. ماذا تبغيان؟

الشاب لا مؤاخذة لم نقصد إزعاجك!

الرجل (مستعيدًا تذكره وهدوءه) آه .. أنت .. (صمت وارتباك والرجل يردد بصره بينهما) (باسمًا) وقعت أحداثٌ جديدة في أثناء غفوتي!

الشاب أي أحداث؟

الرجل (ناظرًا إلى الفتاة) كنتَ وحدكَ فيما أذكر!

الشاب ثم لحقت بي خطيبتي.

الرجل (مبديًا دهشةً سمجة) خطيبتك!

الشاب (بحدة) نعم خطيبتي.

الرجل (بقحة) وكيف تجيء بخطيبتك إلى هذه البقعة النائية المهجورة؟

الشاب (غاضبًا) بأي حق تحاسبني على ما أفعل؟

الرجل (متراجعًا) معذرة. لم أسترد تفكيري السليم بعدُ. (يهم الفتى والفتاة بالذهاب، ولكن الرجل يسارع باعتراض سبيلهما). متى نذهب إلى حانة «الأحمر والأبيض»؟

الشاب نذهب؟

الرجل ألم نتفق على ذلك؟

الشاب كلا .. قلتُ لك إني ذاهب لا إننا ذاهبان، وقد عدَلتُ عن قراري.

الرجل يا للخسارة!

الشاب اذهب أنت إذا شئت.

1 2 3الصفحة التالية
زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading