مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
سينما ومسرح

المهمة – نجيب محفوظ

الرجل لا يمكن أن أبقى هنا إلى ما شاء الله، ولكني سأُتَلْفن للإسعاف في طريق العودة. (الشاب يرمقه بنظرةٍ صامتةٍ متألمة) سأفعل من أجلك ما لا تنتظره من رجل لا تعرفه ولا يعرفك.

الشاب (بحياء) حدثتني عن رغبتك في الصداقة وأمامك فرصة لربطنا برباط المودة إلى الأبد.

الرجل (بشيء من الجفاف) ولكنك رفضت يدي!

الشاب اغفر لي غضبي الأحمق!

الرجل الحق أنك كرهتني طوال الوقت.

الشاب الإنسان عدو ما يجهله، ولكني سأعرفك من خلال سلوكك النبيل.

الرجل (بنبرة لم يعد بها أثر من الرقَّة القديمة) لا أقبل اصطياد صداقة تحت وطأة ظروفٍ قاهرة.

الشاب (بضراعة) ولكنك إنسانٌ كبير القلب.

الرجل أول كلمةٍ طيبة أسمعها منك.

(صمت.)

الشاب ماذا تنوي أن تفعل؟

الرجل سأشاهد المغيب ثم أذهب.

الشاب وتتركني عاجزًا للخلاء والليل؟

الرجل لا حيلة لي في ذلك.

الشاب سيكون سلوكك غير إنساني.

الرجل لم ألقَ من السير وراء الناس إلا الصدَّ والاتهام واللعنة! (الشاب يتأوَّه) أأنا الذي خلقت النحس حقًّا؟! (الشاب يتأوه) كيف تعاملون التُّربي؟ .. إنه يواري جثتكم في التراب، يصون كرامتكم، يعرض نفسه لألوانٍ شتى من المخاطر، ويستحق في أحاديثكم التقليدية الجنة بغير حساب، ولكنه لا يسعد في حياته بصديقٍ واحد، ويمضي وحيدًا كالوباء.

الشاب الوقت يمرُّ والحال تزداد سوءًا.

الرجل كم صددتني! كم أهنتني! ولم تصدق أنني إنسان إلا بعد إصابتك وقبيل الغروب.

الشاب يا لسوء حظي!

الرجل ها أنت تعود إلى اتهامي.

الشاب لم أقصد هذا ألبتة.

الرجل ألستُ النحس الذي سلبك المال والحب والصحة؟

الشاب سيدي!

الرجل أين فتاتك؟

الشاب لا سبيل إليها الآن.

الرجل أليست هي أوْلَى بتمريضك مني؟

الشاب إنها لا تعلم بما حلَّ بي.

الرجل زهدت لوجودي في وصالك نفسه.

الشاب (متأوهًا) أريد إسعافًا.

الرجل سأُتلفِنُ للإسعاف في طريق العودة.

الشاب لا تتركني.

الرجل (متأففًا) إنك مزعج في مرضك كما كنت مزعجًا في صحتك.

الشاب ألا ترى كم أنهكني المرض؟

الرجل ألا ترى كم أنهكني السير؟

(صمت.)

الشاب أليس لك خبرة بالإسعافات الأولية؟

الرجل لا خبرة لي بشيء.

الشاب ولكنك في سن الحكمة والخبرة.

الرجل أعرف كيف أسير على غير هدًى، وأعرف كيف أسير في أعقاب إنسانٍ أحمق، وأعرف كيف آمل دوامًا في علاقة لا تتحقق أبدًا.

الشاب (بضراعة متأوِّهة) لا تذهب.

الرجل سأذهب عندما يجب الذهاب.

الشاب لا تذهب.

الرجل اعتدت أن يقال لي اذهب عندما أرغب في البقاء، وأن يقال لي لا تذهب عندما يجب الذهاب.

(الشاب يتأُوَّه، جو المغيب يهبط فيغطي الخلاء، الرجل يمضي إلى يسار الهضبة ليتطلع إلى الشمس الغاربة.)

الشاب لا تبتعد عن إنسان يتألم لتشاهد شمسًا تغرب.

الرجل صه، لا تكدر صفو الساعة؛ الساعة الفريدة، الوحيدة التي تلمس فيها حركة الشمس، الوحيدة التي تنظر فيها إلى الشمس دون أن تصاب بالعمى، الوحيدة التي يرى فيها الظلام وهو يزحف، الوحيدة التي أسمع فيها التوسلات بدلًا من اللعنات، ها هي الشمس تختفي تمامًا.

(الرجل يتحول عن موقفه متجهًا نحو الشاب ويرنو إليه دقيقة.)

الرجل الوداع.

(ثم يسير على مهل نحو الخارج.)

الشاب لا تذهب (يواصل السير غير ملتفت إليه) أستحلفك بالله. (يواصل سيره) انتظر! انتظر! (الرجل يختفي) عليك اللعنة! (الشاب ينظر فيما حوله بخوف، الظلام يهبط رويدًا رويدًا حتى يختفي كل شيء)، (تمرُّ فترةٌ قصيرة على تلك الحال)(ثم تترامى أضواء من وراء الهضبة، ويُسمَع وقع أقدامٍ قادمة. من يمين الهضبة ومن يسارها يجيء رجلان حاملَين مشعلَين، يرتدي كلٌّ منهما سروالًا وصدارًا أحمرَين، يقفان على مبعدة من الشاب إلى اليمين وإلى اليسار، ويلازمان الصمت طوال الوقت. يبدو الشاب على ضوء المشعلَين مستغرقًا في النوم، ثم يتبعهما رجلان في أرديةٍ سوداء يحمل كلٌّ منهما سوطًا وحبلًا معقودًا، يقفان عن يمين الشاب ويساره وهما يحملقان في وجهه، يوثقان يدَيه وقدمَيه بإحكام، ثم يعودان إلى وقفتهما ممعنَين فيه النظر، الشاب يفتح عينَيه، ينظر إلى الأمام في ذهول. يهمُّ بالحركة فيدرك أنه مُكبَّل بالحبال، ثم ينتبه إلى وجود الرجال الأربعة، يردد عينَيه بينهم في دهشة ووجل) من أنتم؟ وماذا تريدون؟

الرجل ١ (للرجل رقم ٢ في تهكُّم) إنه لا يعرفنا!

الرجل ٢ (في تهكُّم أيضًا) طبعًا. إنه يرانا لأول مرة.

الرجل ١ (للشاب) أليس كذلك أيها المخادع المارق!

الرجل ٢ أنت لا تعرفنا، هه؟

الشاب آسف، لم أكن أفقتُ من النوم بعد.

(يركلانه بقدمَيهما فيصرخ.)

الشاب الرحمة.

الرجل ١ (ضاحكًا) ابن الأبالسة يطلب الرحمة!

الشاب لا تحكموا عليَّ بالظواهر، أنا بريء …

الرجل ٢ نفس الكلمات، لا جديد، نفس الأكاذيب العفنة!

الشاب كنت دائمًا حسن النية، ولكن الزمن عنيد.

الرجل ١ الزمن، الزمن، ذلك المتهم الوهمي.

الشاب الرحمة.

الرجل ٢ الرحمة؟

الشاب العدل.

الرجل ١ لا يدري ماذا يطلب!

الشاب الرحمة والعدل.

الرجل ٢ قلت الرحمة ثم العدل، فماذا تطلب الرحمة أم العدل؟

الشاب الرحمة والعدل.

الرجل ١ لا تكن طماعًا.

الرجل ٢ نحن لا نعطي عادة إلا الموت.

الرجل ١ والرحمة والعدل لا يجتمعان.

الشاب ولم لا يجتمعان؟

(يركلانه مرةً ثانية فيصرخ.)

الرجل ١ هذا التأديب عدل لأنك تستحقه، فكيف يمكن أن تعامَل بالرحمة في الوقت نفسه؟!

الرجل ٢ حدِّد أفكارك عما تريد، العدل أم الرحمة؟

الرجل ١ (بحدة) العدل أم الرحمة؟

الشاب الرحمة، لعل الرحمة هي ما أريد.

الرجل ١ ألست على يقين مما تريد؟

الشاب لستُ على يقين من شيء، لقد أنهكني التعب.

الرجل ٢ ألم تبدِّد الوقت بغير حساب؟

الشاب يلزمني شيء من الراحة لأحسن الإجابة، فكُّوا قيودي لأحظى ببعض الحرية.

الرجل ١ (ضاحكًا) ها هو ينادي بالحرية كمطلبٍ جديد!

الرجل ٢ الحرية بعد العدل والرحمة!

الشاب أليست جميعها أخوات لا يفترقن؟

الرجل ١ ابن الأبالسة عقد بينها أواصر القُربى ليطالب بالدنيا والآخرة!

الرجل ٢ استمر في الطلب إلى غير نهاية، وبلا حياء، ماذا تريد أيضًا؟ ثورة؟ صحة؟ جاه؟ ما رأيك في الحب؟ الذرية؟ طاقية الاختفاء؟ جناحَين للطيران؟ هرمونات لتجديد الشباب؟ مهضِّمات ومليِّنات ومسهِّلات؟ فاتحات شهية؟ جواز سفر إلى جميع البلدان؟ ماذا تريد أيضًا؟

الشاب بعض الرفق، نحن إخوة.

الرجل ١ إخوة! من ناحية الأب أم من ناحية الأم؟!

الشاب أعني أننا جميعًا بشر.

الرجل ١ تريد أن تستغلنا باسم البشرية، هه؟ ولأنك تتكون من نفس العناصر التي يتكون منها الكون فسوف تحاول استغفال الكون كله، ماذا تريد أيضًا؟

الشاب إني متألم فكُّوا قيودي.

الرجل ٢ تريد الحرية؟

الرجل ١ إن كنت تريد الحرية فاختر بنفسك الوسيلة التي نقتلك بها.

الشاب لا تسخروا مني، لا تعارض يا سادة بين الحرية والعدل والرحمة!

الرجل ١ كذبت، كل واحدة منها تستورد من بلد غير البلد التي تستورد منه الأخرى.

الرجل ٢ ويؤدَّى ثمنها الباهظ بالعملة الصعبة.

الشاب إني متألم لحد العجز.

الرجل ١ الحرية، أم العدل، أم الرحمة؟

الرجل ٢ نريد جوابًا صريحًا غير متردد.

الرجل ١ جوابٌ صريح لا رجعة فيه.

الرجل ٢ إن أردتَ الرحمة قتلناك بلا تحقيق، وإن أردت العدل قتلناك بعد تحقيق، وإن أردت الحرية فاقتل نفسك بالوسيلة التي تفضلها!

الرجل ١ ماذا تريد؟ تكلم بوضوح وصراحة، العدل أم هرمونات تجديد الشباب؟ الرحمة أم جواز سفر إلى جميع البلدان؟ الحرية أم أملاح الفواكه الفوارة؟ ما طريقة القتل المفضلة لديك؟ ألك وصية بما يتعلق بجثتك؟ .. أترغب في دفنها؟ في حرقها؟ في تركها في الخلاء؟ في شحنها إلى بلدٍ معين؟

الرجل ٢ ماذا تريدنا على أن نفعل بالذرات التي يتكون منها جسدك؟ أن نتركها للديدان؟ أن نهبها للجمعية الطبية؟ أن نصنع منها قنابل مدمرة؟

الشاب لا سبيل إلى التفاهم فيما بيننا.

(يركلانه فيصرخ.)

الرجل ١ لقد بدَّدتَ وقتنا سُدًى، ألهذا أرسلناك؟

الشاب أرسلتموني؟ متى كان ذلك؟ لم يرسلني أحد!

الرجل ٢ يا لك من كذابٍ مخادع!

(يركلانه فيصرخ.)

الرجل ١ أحقًّا لم يرسلك أحد؟

الشاب معذرة، ضعفت ذاكرتي من المرض والإنهاك، معذرة.

الرجل ٢ أم تريد أن تتنصل من المهمة التي كُلِّفت بها؟

الشاب المهمة؟

الرجل ٢ المهمة التي كُلِّفتَ بها!

الشاب أي مهمة؟

الرجل ٢ يا لك من كذاب مخادع!

(يضربه بالسوط؛ الشاب يصرخ.)

الرجل ١ وإلا فلماذا أرسلناك؟

الشاب أنتم صادقون وأنا معذور؛ الزحام هناك شديد، والأصوات مزعجة، وعملي اليومي استغرق جُلَّ وقتي.

الرجل ١ وما عملك اليومي؟

الشاب مدرس تاريخ.

الرجل ٢ حدثنا عن دروسك، ماذا فعل الإنسان القديم؟

الشاب اكتشف الزراعة، صنع التقويم، بنى الأهرام، هزم وانهزم …

الرجل ١ ألم يذكرك شيء من ذلك بمهمتك؟

الشاب كنت مستغرقًا طوال الوقت.

الرجل ١ ألم تخطر بذاكرتك ولو كالهمس؟

(الشاب يصمت، الرجل ١ يضربه بالسوط فيصرخ متوجعًا.)

الرجل ٢ اعترف.

الشاب اللعنة على ذاكرة لا تسعف صاحبها بما يجب أن يتذكره.

الرجل ١ كذَّاب!

الرجل ٢ اعترف بأنك تجنبتَ ذكر ما يجرُّ عليك المتاعب.

الرجل ١ مخادعٌ جبان.

الشاب جرِّبوني مرةً أخرى!

الرجل ١ لتعبث بنا مرةً أخرى.

الشاب أعطوني رسالةً مكتوبة كي لا أنسى.

الرجل ٢ وكيف نحيط بالظروف المتقلبة التي تواجهك؟

الشاب الزحام هناك شديد وهو خليق بأن يُشتِّت الذاكرة.

(الرجل ٢ يضربه بالسوط، الشاب يصرخ.)

الرجل ١ ماذا فعلتَ بيومك الطويل؟ لم قصدتَ ميدان القلعة؟

الشاب كنت أسير على غير هدًى.

الرجل ١ تسير على غير هدًى وأنت لم تُرسل إلى هناك إلا لمهمة؟

الشاب كان اليوم عطلة.

الرجل ٢ ألم تقل لك القلعة شيئًا يذكرك بمهمتك؟

الشاب زلَّت قدمي فوقعتُ على ركبتي.

(الرجل ٢ يضربه بالسوط فيصرخ الشاب.)

الرجل ٢ ألم يوحِ المطعم لك بشيء؟ ولا المقهى؟ ولا دار الآثار؟ ولا صالة المزاد؟ ولا عيادة الطبيب؟

(الشاب يصمت في يأس.)

الرجل ٢ وماذا جاء بك إلى الخلاء؟

الشاب فتاة.

الرجل ٢ ولِمَ اخترتَ للِّقاء مكانًا هو أصلح لدفن الموتى؟ (صمت) لم يُذكِّرك اللقاء بشيء عن مهمتك؟

الشاب ثمة رجلٌ كريه كان يتبعني طول الوقت فشتَّت فكري.

الرجل ١ حتى ذلك الرجل لم يذكِّرك بشيء!

الشاب هو النحس نفسه، وقد أفسد كل شيء.

(الرجل ١ يضربه بالسوط فيصرخ الشاب.)

الرجل ١ ضيعت وقتك ووقتنا يا جبان.

الرجل ٢ وكانت الفرص تناديك من كل جانب يا أعمى.

الرجل ١ ولَمْ نبخل عليك بالتحذير تلو التحذير.

الشاب ما تلقيت تحذيرًا قط.

الرجل ١ كذاب، غبي، أعمى.

الشاب الرحمة!

الرجل ٢ الرحمة أم العدل أم الحرية؟

الرجل ١ أم فاتحات الشهية، أم هرمونات الشباب؟

(يضربان معًا بالسوط وهو يصرخ متوجعًا.)

(الرجل ١ يشير إشارةً خاصة إلى الرجلَين حاملَي المشعلَين، الرجل ١ والرجل ٢ يذهبان إلى مكانهما الأول وراء الهضبة.)

حامل المشعل (مخاطبًا الشاب) لِمَ تحنُّ أسراب الطيور المهاجرة إلى أعشاشها التي تركتها في الجبل؟ (يحمل الشاب بين يديه ثم يقول له) تذكر أن الطفل يبكي حين تنحيه أمه عن ثديها الأيمن، ولكنه يجد في اللحظة التالية سلوه في ثديها الأيسر. (يمضي حامل المشعلين في مشيةٍ متمهلة، والآخر يتبعه حاملًا الشاب بين يديه.)

(ستار)

الصفحة السابقة 1 2 3
زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading