مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
سينما ومسرح

مشروع للمناقشة – نجيب محفوظ

(يتبادلان النظرات، تمضي الممثلة إلى المكتبة على اليسار وتستند إليها مغمضة العينَين.)

الناقد جثتَين هامدتَين؟

المؤلف نعم.

الناقد وهي النهاية؟

المؤلف ماذا تتوقع بعد ذلك؟

الناقد ولكن ما أسباب الموت؟

المؤلف أي سبب تفترضه، لنقل إنه العناق نفسه!

الممثلة (متقدمة خطوات) الحق أني لم أفهم شيئًا.

المخرج وماذا عن الأخطار المحدقة بهما؟

المؤلف لم أتم دراستي لها بعدُ، ولكن يمكن القول بأنهما قد ينجحان في تحصين مأواهما.

الناقد ستكون نهاية متشائمة.

الممثل وبلا بطولة تخفف من وقعها.

الممثلة دور الحب غني، ولكن النهاية؟

المخرج من حسن الحظ أنه لم ينتهِ من دراسته، وأنه لا بد أن تسبق النهايةَ سلسلةٌ من صراعات شائقة.

المؤلف (متهكمًا) ربما تكون حرًّا في كيفية الوصول إلى النهاية التي أختارها، ولكن لا حرية لك في تغييرها.

المخرج (في شبه ثورة) يمكن أن أُسدل الستار عند لحظة من لحظات النصر.

المؤلف في تلك الحال لن يزعم أحد بأن الرواية روايتي.

الممثل (وهو يهبُّ واقفًا) أنا البطل، أنا الجمهور، وإني أرفض الأدوار الهابطة!

المؤلف قدِّر للسانك قبل النطق موضعه من اللباقة.

الممثل إني ممثلٌ قديم، لعبت أدوارًا خالدة؛ صارعت القدر، صارعت الأبطال، صارعت المجتمع، اليوم يراد مني أن ألعب دور الهارب، وأن أموت مستهلَكًا في عناقٍ حار، خَبِّرني بالله أي نوع من الدراما تكون، تراجيديا؟ ملهاة؟

الناقد أجل .. النوع المسرحي غير واضح.

المؤلف أنا أقدم مسرحيات لا أسماء.

الناقد ولكنها تنكَّبت سبيل الجلال الحق.

المؤلف الجلال الحق، ما زلتم تحنون إلى القدر والأبطال الخرافيين وأسطورة المجتمع، ولكن القدر لم يعد إلا موضةً بالية، والبطولة الخرافية مراهقة، وهل يتمخض المجتمع إلا عن لُعبة يعبث بها أطفالٌ شريرون لم تحسَن تربيتهم؟! إني أعرف عملي تمامًا.

الممثل إني أرفض مسرحيتك.

الممثلة لكنها ما زالت قصة حب.

الممثل إنكِ مخطئة يا عزيزتي، تصوري أن نلتقي في غابة وأن نلوذ بمأوى! لا مجال للمناجاة أو الحب الحقيقي، ستكون أعصابنا متوترة طوال الوقت، الحب لا ينمو في هذا الجو، مجرد عناقٍ عصبي، يروِّح عن نفسه بالشهوة، ثم نقع جثتَين، ستكونين طيلة الوقت محدقة في فزع، مرتعشة الأطراف، مضطربة الأمعاء، دميمة الوجه، مجرد لبؤة ثائرة، ثم جثةً هامدة.

الممثلة كلا .. كلا.

الممثل ولن يبقى لنا من الحوار إلا كلماتٌ متشنجة، واستغاثاتٌ معربدة، وهذيان طويل عن الأخطار المحدقة بنا، ثم نقع جثتَين هامدتَين!

المؤلف (محتدًّا) لستَ إلا ممثلًا فلا تجاوز حدَّك.

الممثل (في غضب وعجرفة) أنا المسرح .. أنا الجمهور!

المؤلف لست إلا ممثلًا.

الممثل (وغضبه في تصاعد) وما أنت؟ كم من الجمهور رأوك؟ وكم ممن يرونك يعرفون من أنت!

المؤلف يا لها من وقاحة!

(الممثل يرمي المؤلف بنظرةٍ متوعدة، الممثلة تقترب منه بسرعة فتضع يدها على ذراعه ملاطفة.)

الممثلة لا يليق بكما الخصام.

الناقد ترى هل تحلُّ بمسرحنا اللعنة؟

المؤلف ليلتزم كلٌّ بحدوده.

المخرج الحلم والهدوء، لا تدفعوني إلى اليأس.

الممثلة عليك بالتماسك، وإلا فشلنا وأعرض عنا الجمهور.

الممثل إن من يسلبني مجدي إنما يسلبني كرامتي وحياتي.

المؤلف لكل زمان مجده الخاص به.

الممثل العبث ببطولتي التي عشقها الجمهور محاولة لقتلي.

المؤلف مجدك الحق أن تلعب دورك بمهارة أيًّا كان دورك.

الممثل ولو كان الهرب والموت بين أحضان امرأة؟

المؤلف ولو كان.

الممثل سينصرف عنكم الجمهور ولن ينفع الندم.

المؤلف الجمهور يودُّ أن يرى نفسه.

الممثل لا كما هي ولكن كما يجب أن تكون.

المؤلف على أساس من واقعها الحقيقي.

الممثل أهذه هي الكلمة الأخيرة في البطولة؟

المؤلف لا يمكن التنبؤ بالمسرحية التالية.

الممثل إذا تجهمني زماني فعليَّ أن أعتزل.

المؤلف (متهكمًا) ها أنت تفكر في الهروب في حياتك رغم ثورتك عليها فوق خشبة المسرح.

الممثل إني أرفض مسرحيتك.

الناقد (للمؤلف) فكرتها طيبة ولكن أعِدِ النظر في النهاية.

المؤلف (بكبرياء) كلام لا يليق أن يوجه إلى مؤلف.

الناقد هل نسيت تاريخك القديم؟ هل نسيت روائعك؟

المؤلف آخر مسرحية خير ما ألَّفت حتى اليوم.

الممثل حتى هذه المسرحية الشاذة؟

المؤلف ستكون خير ما ألفت حتى اليوم.

الممثل (صائحًا في غضب وموجهًا كلامه للجميع) إنه يضمحل وهو لا يدري.

المؤلف (في غضب) لستَ أهلًا لمناقشتي. (الممثل يرميه بنظرةٍ غاضبةٍ متوعدة مرةً أخرى، ولكن الممثلة تأخذه من ذراعه إلى مجلسها السابق فوق الكنبة)، (صمت)، (محادثًا نفسه)، تعب وعذاب وها هي النهاية، من يدري بمتاعب الخلق إلا من يعانيه؟ ثم لا يكفيه ذلك فتتمرد عليه مخلوقاته، وأي تمرد! تعيب خلقه، تعيبه بكل جهل وقِحَة، تذكِّره بعمله القديم كأنه عاجز عن تكرار نفسه، تتهمه بالكسل وهي الخامة العاجزة عن تفهُّم الجديد، وتبيُّن مزاياه، هل يكمل الخلق إذا جاء على هوى المخلوق؟ وقد تدرجت معهم من البسيط إلى المعقد، وها هم ينعتون البسيط بالجلال والمعقد بالتفاهة، عقولٌ قاصرة فكيف يمكن أن يتموا الرحلة الطويلة معي؟

الممثل (مخاطبًا نفسه أيضًا تجنبًا للخصام) الخلق شيءٌ عظيم أما الغرور فلا عظمة له، لسنا مخلوقات ولكننا شركاء، هو يعرف ذلك وإن أنكره حين الغضب، المسرحية لا تحيا وحدها، يلزمها مخرج وممثلون ونقاد وجمهور، ما قيمة النصر بغير هؤلاء؟ هل تبقى الرواية هي هي إذا تغير الممثلون؟ هل تبقى هي هي إذا تغير المخرج؟ الحق أننا خالقون أيضًا، وهو مخلوق لنا بمعنًى من المعاني، وجميعنا معذَّبون بالخلق، والجزاء ليس عادلًا، إننا نعيش فترة ثم نختفي كالفقاعات، أما كلماته فتبقى على مدى الأيام.

(صمت.)

الناقد نريد أن نُصفِّي الجو، وبالاحترام المتبادل نُصفِّيه لا بالتفاخر.

الممثل (آتيًا بحركة تدل على الحسرة) إني أبكي الأيام السعيدة الماضية، أخاف ألا تعود مرةً أخرى، كنت أخطِر على خشبة المسرح رمزًا للإنسان في ذروة نبله ونضاله، وعلى المسرح كانت تتواجه قوى الخير والشر وبينهما تقوم الإرادة الحرة المتوثبة، والخير لم يكن ينهزم وإن حاقت به هزيمة، والشر لا ينتصر وإن أحرز نصرًا، ذلك أن خشبة المسرح لم تكن تخلو من إلهٍ عادل.

الممثلة (تتأثر فتقوم تتمشى وهي تتكلم) أجل، المرأة كانت وحيًا، الحب كان دينًا، النور يهزم جيوش الظلام بنصله اللامع، الأمومة مقدسة، الوفاء مقدس، الرذيلة شيطان، لا شيء لهو ولعب.

الممثل أين الآلهة؟ أين البطولة؟ أين الحب؟ أين الأمل؟ لم تبقَ إلا غابةٌ مليئة بالوحوش، وآدميان هاربان لائذان بكهف، لم يبقَ إلا الخوف والتوجس والهستيريا والموت، أي دور هذا؟ (الممثل يقف منفعلًا ثم يهتف بصوتٍ مرتفع) إني أرفض مسرحيتك.

المؤلف لا تتخطَّ حدودك.

الممثل لم أتخطَّ حدودي.

المؤلف لا تحلم كالمراهقين.

الممثل لا تتخطَّ حدود اللياقة.

(صمت.)

المؤلف هذا هو مشروع روايتي الجديدة، وإني مقتنع به.

الممثل إني أرفضها.

الممثلة (بصوتٍ منخفض) على العين والرأس ولكن …

المخرج عملي يبدأ بعد انتهاء عملك.

الناقد لا أدري هل يبكي المُشاهد أو يضحك؟

المؤلف لم يكن أحد يجادلني فيما مضى.

الممثل كان العمل رائعًا.

المؤلف المؤلف الحق يطالب بالطاعة والإعجاب.

الممثل (متهكمًا) الطاعة والإعجاب؟

المؤلف (منفعلًا بالغضب) وإلا هدمت المسرح على من فيه.

الممثل إني أشهدكم على ما يقول.

المؤلف من حقي أن أقول ما أعتقده.

الممثل تحت شرط ألا تمسَّ كرامة الآخرين.

المؤلف لقد خلقت منكم نجومًا وكواكب، ولن يعجزني أن أخلق غيركم.

الممثل الحق أننا نحن الذين خلقناك.

المؤلف لو تخلَّيتُ عنك لتسولتَ حتى الموت.

الممثل لولاي لما نجحتْ لك رواية واحدة ولبثتَ مؤلفًا ناشئًا! (الممثل يتقدم إلى الممثلة فيأخذ بيدها متجهًا في تحدٍّ إلى المؤلف)، هل نسيت فضل هذه الفنانة؟ أو حسبت أن الجمهور يتدفق علينا من أجلك؟

المخرج (للمؤلف ممتعضًا) وأنا يا أستاذ؟ هل نسيت عروضي الرائعة؟

الناقد (للمؤلف أيضًا) سامحك الله، وقلمي الذي كرَّسته للإشادة بعبقريتك؟ إن الناس لا تثني عليك إلا بكلماتي.

الممثل (غاضبًا) نحن الذين خلقناك.

المؤلف سأعهد بعملي إلى آخرين، اغْرُبوا عن وجهي.

الناقد لكل مسرح رجاله، ونحن رجال هذا المسرح.

المؤلف إذن لن تقدَّم به مسرحيات بعد اليوم.

المخرج سيغلقه الظلام ويدركه العدم.

المؤلف لن أتضوَّر جوعًا، إني رجل لم تُغرِه الحياة الدنيا مثلكم، ولكنكم ستتسولون في مجرًى عام.

الممثل ولكن لن تخلق، وهو ألعن من التسول.

المؤلف حسن، فليمضِ كلٌّ إلى سبيله.

(صمت.)

الناقد لقد حلَّت اللعنة بمسرحنا.

الممثلة قلبي يتمزق.

المؤلف أنتم المسئولون عن ذلك.

الممثل أنت وحدك المسئول.

المخرج مسرحٌ عريق في القدم والنجاح.

الممثلة يئس من اللحاق به الأعداء.

المؤلف وبطرت نعمته أصحابه.

الناقد لا أصدق، لن يهون أمره على أحدٍ منا (ثم موجهًا الخطاب للمؤلف)، وأنت على وجه الخصوص، ليست أول مرة يعصف بك الغضب.

المؤلف (مشيرًا إلى الممثل) جاوز حدود اللياقة باستهانة لا تغتفر.

الناقد ما تزال قابلة للغفران.

المخرج لن يدرك مسرحنا العدم ولو اضطررنا إلى إعادة تقديم الروايات القديمة.

المؤلف هذا هو الإفلاس، ولن يخفى على أحد.

(صمت.)

الناقد لنكن إيجابيين في حوارنا، أصغوا إليَّ، يمكن استخلاص عنصر صراعٍ بطولي من مجرى الرواية.

الممثلة (بلهفة) كيف؟

الناقد الرواية ما زالت مشروعًا، وقد قال الأستاذ إن الرجل والمرأة سيلوذان بكهف، أليس كذلك؟

الممثلة بلى.

الناقد إنه كهفٌ كبير، لاذ به كثيرون. (ينظرون إلى المؤلف مستطلعين فلا يعترض) لدينا كهف وسط غابةٍ مليئة بالوحوش والأخطار المجهولة، وهو في الوقت نفسه مكتظ بالناس، ثمة فرصة لقيام صراع ما بين بطلنا وبين أحد أو أكثر من الآخرين.

الممثل صراعٌ سخيف، غير بطولي! إذا كانت الأخطار تحدق بالكهف من كل جانب، فكيف يجوز أن يقوم صراع بينهم؟!

الممثلة وكيف يطيب الحب في مثل ذلك الجو؟!

الناقد قد يكون صراعًا غير منطقي، ولكنه ممكن إذا قِيس بمقاييس الطبيعة البشرية، وبخاصة إذا توفَّرت أسبابه.

الممثلة أسبابه؟

الناقد المرأة، عدم وفرة الماء والغذاء.

الممثل الصراع الحق هو ما قام بين البطل والوحوش، أو بينه وبين المجهول.

(ينظرون جميعًا إلى المؤلف مستطلعين.)

المؤلف (بفتور) ثمة مجال لصراع في الداخل وآخر في الخارج.

الناقد يسعدني أن نعود إلى المناقشة.

المؤلف لم أفرغ من عملي بعدُ.

الناقد المناقشة تفتح الأبواب.

المؤلف ولكنها تفسح المجال للرغبات الشخصية التي لا تمتُّ إلى الفن بصلة.

الممثلة رغباتي فنية وليست شخصية.

الممثلة (في رقَّةٍ متناهية) النهاية مهمة جدًّا.

المؤلف المؤلف يكتب مسرحياتٍ متتابعة، لكل مسرحية شخصيتها المستقلة، ولكنها في مجموعها مسرحيةٌ كبرى ذات نهاياتٍ متكاملة.

الممثل ما يهمنا الآن هي مسرحية الافتتاح.

المؤلف لم أفرغ من عملي بعدُ.

الممثلة ليكن صراع من أي نوع كان، ولكن يجب أن ينتهي بانتصار الحب.

المخرج كيف يمكن استخلاص إيقاعٍ غرامي من ضجيج الغابة الموحشة؟

الممثلة (بحدَّة) إذن الأفضل ألا يكون للمرأة دور!

الممثل ما أجمل أن ينتهي الصراع في الداخل إلى القضاء على أسبابه، ومن ثم يتجهون جميعًا نحو الخارج.

الناقد وماذا يقع في الخارج؟

الممثل صراعٌ جديد فنصرٌ جديد.

الممثلة وحبٌّ طيلة الوقت!

الناقد حلمٌ جميل ولكن الجمهور لم يعد يستسلم للأحلام طويلًا.

المخرج ثمة مشروعٌ مضاد وهو أن يقضي الصراع على اللائذين بالكهف، ثم تقتحمه الوحوش فتلتهم الأحياء والجثث.

الناقد كئيب أكثر مما تحتمله الأعصاب.

المخرج لم يبقَ إلا أن يستمر الصراع بالداخل والتهديد في الخارج.

الناقد نهايةٌ مفتوحة تدعو للبلبلة.

الممثلة (محتجة) تتكلمون عن الصراع ولا تذكرون الحب بكلمة.

المخرج أيًّا كان الحال فسوف تتخلله لحظات حب وغناء ورقص.

الناقد ولكن هل يتفق ذلك مع مرارة الصراع؟

المخرج هكذا تمضي الحياة، وبذلك نُرضي جميع الأذواق.

(ينظرون إلى المؤلف مستطلعين.)

المؤلف لم أفرغ من عملي بعدُ.

الناقد ما رأيك في الاقتراحات التي عُرضت؟

المؤلف لا رأي لي الآن.

الناقد ولكننا استعرضنا كافة الاقتراحات المحتملة.

المؤلف لا حصر للاحتمالات الممكنة.

الممثل عُدنا على الأقل بصراعٍ بطولي من أي نوع كان؟

الممثلة وبحبٍّ يستحق هذا الاسم؟

المؤلف لا أعدُ بشيء.

الممثل ولكنك حر وبوسعك أن تعد وأن تفي بما تعد.

المؤلف لا تتحدث عني بخير أو شر.

الناقد حذارِ أن يعاودنا الخصام.

المخرج نحن في حاجة إلى استراحةٍ قصيرة، بنا إلى البوفيه لنتناول بعض المرطبات.

(ويذهب الناقد والمخرج والممثل. الممثلة تقف ولكنها لا تبرح مكانها، المؤلف يغادر موقفه عند المكتب ليتمشَّى ذهابًا وجيئة، ثم يعود إلى موقفه مستندًا إلى مكتبه، والممثلة تتابعه بعينَيها طوال الوقت.)

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية
زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading