الشعر العمودي
مجموعة ( في محراب الذات)ج1/بهيجة مصري إدلبي

الإهداء
إليّ
أقيم في الرؤيا صلاتي
في محراب الذات
قرأت صلاة الريح لحنا موقعا
لأسمعها وجدا يصلي وتسمعا
فمن يقرأ الأسرار في أوج وجده
تُخلي له الأسرار في الغيب موضعا
ليعرف مايُخفي الهوى في مقامه
ويدرك ما يخفي المقام وينزعا
رأيت .. وكان الحب يغشى قصائدي
لأبدعه صمتا جليلا ويبدعا
أنا الغيب تغويني مرايا غموضه
لأصبح للمرآة سحرا ومرجعا
كمالي بأن أتلو تراتيل وحدتي
كمعتمر حالت به الحال إذ سعى
تنسكت في ذاتي لتصفو بي الرؤى
كفاني طويت العمر قلبا مصدعا
وحلما إذا أولته كان خدعة
خدعت به نفسي صلاة وأدمعا
وحبا طوى ليلي فلما تسهدت
به الروح ألقى كل حبل ليخدعا
سأخلع أيامي وآثام رحلتي
وأترع كاساتي بصمت ترفّعا
سلام على ذاتي حروفا توضأت
بأسرارها حتى هواها توزعا
كهف الرؤى
صوتي صداي وما بينا سعى الحرفُ
ويقلق الروح في ترتيلها الكشفُ
كأن منفاي تأويلات ذاكرتي
ينزاح بالوصف عن تأويلها الوصفُ
ما أحرف الوجد بي إلا فيوض دمي
سقف أنا للرؤى ما بعده سقفُ
أُبدي وأُخفي وما أُبديه خافيتي
أخفيتُ فيها إشاراتي لكي أصفو
آلَ المساء حنينا من غياهبه
إليّ أنجمه قد قضها النزفُ
إني رأيت .. ولا تأويل أدركه
أهفو وبئر وجودي لم يكن يهفو
وقفت أقرأ رملا كاد يقرؤني
والرمل ينبئ عن إغوائه الوقفُ
تطفو على الروح آلاء تجاذبني
في سرها غرقٌ ما شئت أن أطفو
تجادل الحال في حالي فكان رؤى
أسريت في عطفه ما مدّني العطفُ
وسرتُ إذ أدركتني حيرة كشفت
حالي فقلت سلاما أيها الحرفُ
فطاف مؤتلفا بي حول حيرته
وطاف مكتملا من حولنا اللطفُ
فقلت هيت بسري كي يؤولني
فقال ها منزل الرؤيا دنا القطفُ
ها يسدل الصمت في مسراي عتمته
والنفس يوقظها من غِيّها الضعفُ
حالٌ من الشوق يقفو وحدتي أرقا
حتى وجدت دمي وجدَ الهوى يقفو
خوفا وبعض الهوى خوف يؤوله
– ما يملك النفس إن فاضت به – الخوفُ
وبعضه غامض نسعى إليه كما
يسعى إلى سرنا من غيبه الحتفُ
أغفو كأني سرير للرؤى عصفت
بي صحوة الماء في الأسرار كي تغفو
يؤول الحبُّ أطيافي فيُسلمني
طيفٌ لطيفٍ كأني في الهوى طيفُ
أوسّعُ الصمت كي ترتدَّ لي صحفي
ما ارتد لي – كي أرى من طرفه – الطرفُ
بيني وبيني مسافات معلقة
في غامض ما انجلى عن بوحه الكهفُ
على هيئة الصمت
على هيئة الصمت اكتملتُ بظلي
لأفتتح المعنى بدهشة طفلِ
وأكتنه الأحلام في برزخ الرؤى
وأطوي كتابا جاوز الشوق مثلي
حملت حروف الوجد مذ كان وجدها
لينهض وجد الحرف بالوجد حولي
عرفت الهوى تأويل ما فاض من دمي
فزدت به جهلا، وحرت بجهلي
كأن غموض الحب تأويل غامضي
وكشف سبيل القلب شطحة رملِ
مشيت بما في الروح من حيرة الهوى
أفسرّ نص الحب في غيب عقلي
فبتُّ على صمت أفسر صمته
وبات على حلم يبعثر كلّي
فلا هو أعطاني مفاتح غيبه
ولا أنا أسلمت الغياهب وصلي
صلاة
هكذا نحنُ للوجودِ أتَيْنَا
نعبرُ الوقتَ .. والسرابَ جَنَيْنَا
حَمَلَتْنَا رياحُنَا للأماني
ورَمَيْنَا كأنَّنَا ما رَمَيْنَا
نَزَغَ الوهمُ بيننا فطوانا
وعلى الوهم ِ هائمينَ انطويْنَا
سرُّنا في الوجودِ كانَ سؤالاً
ما اهتدينا لكشفهِ ما اهتديْنَا
قلقُ الحُلْم ِ قدْ دعانَا إليهِ
ورَمَانَا بِحَيْرَةٍ فَسَرَيْنَا
وشَرِبْنَا من السرابِ كؤوساً
وعلى خدعةِ السرابِ انحَنَيْنَا
إنَّمَا السرُّ أن نفيضَ كمعنىً
كلَّمَا ضاقتِ اللغاتُ علَيْنَا
نحن في الحرفِ كشفُنَا ورُؤَانَا
وهَوَانَا إذا المدى طافَ بَيْنَا
نحمل النونَ كي نعانقَ فيها
رحلةَ الوجدِ كي نرى ما لدَيْنَا
هكذا طافت الحروفُ حنيناً
فاحتوانَا حَنينُهَا واحتَوَيْنَا
إنَّمَا الغيبُ في الغيابِ كشوفٌ
إن سعينا إليهِ يسعى إلينا
ما لبسنا رؤى الطريقِ فراغاً
إنَّمَا في رؤى الطريق مَشَيْنَا
فإذا العمرُ رحلةٌ ووصولٌ
وخلودٌ على المدى إن سَعَيْنَا
هُوَ في الغيبِ يحتفي بِخُطَانَا
وخطى الدربِ من رؤاهُ اصطفَيْنَا
نحن للوصلِ لا نوفِّرُ حُلْمَاً
إنَّمَا الوصلُ أنْ يقالَ مَضَيْنَا
وَرَأَيْنَا مشارفَ السرِّ فينا
نبلغُ السرَّ في الرؤى إن رَأَيْنَا
نُوجِزُ البوحَ في اتساعِ المعاني
لنرى النهرَ في المسافاتِ عَيْنَا
كلَّمَا حِرتُ في سؤالِ وجودي
سألَ الشعرُ أينَ سريَ أيْنَا
قلتُ في الصمتِ للقصيدةِ بوحٌ
يستوي في صلاتِنَا فاستَوَيْنَا
حيرة الحبر
نسلتُ خيوط الوقت من فجوة السرِّ
فجاز مقام الصمت في لحظة السكرِ
كأني أنا المرآة والماء كشفها
وحين تفيض الذات أحتار في أمري
توسدت حلم الماء والماء معبد
تنزل بالآلاء من أول الدهر
فأشرق لي من زرقة الماء سره
وأوشكت أن أمشي على الماء بالشعر
لبست قميص النهر يمتد وجده
فآنست سر الوجد في بردة النهر
وأسدلت من غيم الهوى لهفة الندى
فحل على قلبي سحاب من العطر
هو الحب ؟ لا أدري ولكنَ أحرفي
تماوجُ من حالي على ضفة السطر
وليلي سقاني من كؤوس أظنّها
كؤوس خيال لا كؤوسا من الخمر
قرأت كتاب العشق حتى وجدتني
على غير ما فيه من الوصل والهجر
كأني وأنتَ الحرفُ شكّلتني به
أحبكَ تجلو لي رؤىً حيرةَ الحبر
غموض
يده من غمامة وغياب ِ
وله السرُّ في ارتجال السرابِ
تنهض الروح إن أشار إليه
بين صمت ودهشة باضطرابِ
هو كالحب غامضٌ وغريبٌ
يلمس الروح دون أي حجابِ
فكرةٌ من برودة ويقين
وسؤالٌ يفيض دون جوابِ
هو كالظل في إهابِ خيال
وخيالٌ يمرُّ مرَّ السحابِ
يُوسِعُ الحرفَ إن تجلّى عليه
فنرى الوقت أحرفا في كتابِ
ويخلّي سبيلَ كل المعاني
لاحتمالات سرّها في الضباب
إن طوتنا شغافه حملتنا
رغبةُ الوصل في غياب الغيابِ
وإذا طاف بالذهول علينا
يتولانا برزخُ الاقتراب
هو كالحلْم إنما ليس حلْما
يُوقظ الصمتَ في أنين التراب
يُمسك الوقتَ من زفير الثواني
ثم يُلقي غمامةً كالغراب
يُوجز العمرَ حين يسعى إلينا
هكذا الموتُ في مجاز الخطابِ
انمياث
ويسألني: أيربكني انخطافي
بحبي وانبهاتي واعترافي
وليلي عندما ينماثُ قلبي
كملح الحرف في ماء القوافي
ويسأل :كيف أمطرت انشغافا
وكيف كشفت عن عتق انشغافِي
وكيف حملت أحلامي طوافا
لأغشى غبَّ غاشية الطوافِ
وحولي ألف صحراء تناهت
تشير إلى مواعيدٍ عجاف
وقفت وآيتي في الحب وقفٌ
أرتل ما تسارر في الخوافي
أعتق وجهه في عتم عيني
ليأتلف انشداها بإتلافي
سأنبئ هدهدَ الأشواق أني
مؤلفةٌ تجاذبني اختلافي
أسارره ليحملني كتابا
أُعرّي في صحائفه انخطافي
بوسع الماء
بوسع الماء ترتيلي سحابا
وتأويلي بأحرفه كتابا
وتنزيلي على صمتي كلاما
لتنسكب الرؤى منه انسكابا
إذا أيقظت آيته سؤالا
وأيقظ بي قصائده جوابا
بوسع الماء أن يجلو اضطرابي
وأن يلقي على الروح اضطرابا
وأن يغفو على قلقي يقينا
إذا ما ذبت من وجد وذابا
لأني فيه ألفيت المعاني
فغبت به مع المعنى وغابا
أنا في وجده وجد وهُوْ في
صلاتي مدَّ في الغيب الغيابا
إذا اقترب الهوى مني دعاني
لعلي أصطفي منه الشرابا
أخاطبه كمرآة لروحي
فترسل لي مراياه الخطابا
لأقرأ كشفها في كشف صمتي
وتكشف لي عن الصمت الحجابا
وتفتح لي إلى ذاتي سبيلا
فأدرك فيها للأسرار بابا
لقد أسرفت في تأويل ذاتي
لأن الوقت آل بي اغترابا
وبلل رحلتي سربا فسربا
وأورثني البريقُ به السرابا
وآلَ الحلمُ عرجونا قديما
ومالَ الوهمُ بي والسرُّ خابا
بوسع الماء أن يتلو صلاتي
وأن أتلوه في روحي سحابا


