الشعر العمودي
مجموعة ( في محراب الذات)ج1/بهيجة مصري إدلبي
تأويل الصمت
وللصمت إغواء إذا اشتد عتمهُ
وللعتم إبداء إذا امتد يمهُ
يعلقني غيما يلوذ بمائه
ويتركني والحرف يخفيه غيمهُ
فمن شهقة في الغيب ينسل غامضا
غموض الهوى كفُّ الغياب تلمهُ
هو الشوق لا يلقي مراياه كلها
ويطويه في كهف الغوايات نومهُ
أرى فيه مالا تستطيعه أحرفي
فأجمل ما في الغيب في الغيب كتمهُ
وأجمل مافي الصمت تأويل صمته
وأجملُه كالشعر إن غاب فهمهُ
إذا حرت يُرقيني فأزداد حيرة
يسدده في عتمة البوح سهمهُ
فصاحتُه أن لافصاحةَ بعده
يعرّي خفاء الأبجديات عتمهُ
أنا الصمت في حبي إذا شاءني الهوى
وإن شئته فالصمت أولى يؤمهُ
لأني ابنة للصمت من قبل مولدي
ومن بعدُ قال الصمت أنني أمهُ
سرّان
تتكامل الأسرار في سري
فأكون حين أكون في شعري
حبر أنا من حيرة ورؤى
ويفيض من تأويله حبري
ماكنتَ إلا كي تكون معي
ولكي أكون سحابة العطر
ولكي تؤولنا خطيئتنا
حين امتثلت مولها أمري
تسعى إليّ فأصطفيك هوى
وإذا سعيتُ تذوب في خمري
سرّان ما اكتملا سوى بهما
عرفا فهاما في مدى السر
لما هبطنا خلف أدمعنا
قلت احتمي بي في دمي مرّي
فأزحتُ عن عينيك خوفهما
وقرأتَ في عيني ما يغري
وكتبتَ لي كالماء أغنية
شكلتها لي من رؤى الفجر
وسألتَني … ما كنتُ خائفة
وسكرت من ولهي ومن سكري
فكأننا كنا لنعرفنا
ونعيد فردوسا من السحر
وشيت للماء
أحاول الحلم والأحلام تنكمشُ
كوردة وحدها في الصمت ترتعشُ
يعرّش البرد ظلا خلف نافذتي
وفي الضلوع ظلال البرد تعترشُ
عطشى أبلل بالصحراء أغنيتي
كأنها عطشٌ من حوله عطشُ
كل الأحبة مروا هكذا ومضوا
والروح بعدهم بالهمس تنخدشُ
يطوي الحنين فراشاتي ويحرقها
وفي ظلال رماد الحزن أنكمشُ
هل أستجير بهم منهم وقد رحلوا
وظلهم في مرايا الروح قد نقشوا
حينا أعلل بالنسيان ذاكرتي
ودهشتي في مرايا الرمل تندهشُ
لم تنجلي حكمة لي بعدُ أحملها
كأنما عين أسراري بها عمشُ
أمشي وكل دروبي لا دليل لها
فالريح قد كنست خطو الذين مشوا
والحلم يفرش لي وهما يعللني
والأغنيات سريرَ الوهم تفترشُ
كأن روحي زجاج غامض قلقٌ
من حوله غبش قد لفه غبشُ
آه من الآه في صمتي أرتلها
والآه في خلوات الصمت تنتعشُ
وشيت للماء بي سرا ليقرأني
فقال : قبلك كل الموجعين وشوا
على ضفتي آلائه
وفي خاطري نهر طوى كل خاطرِ
وأرسل سرا سرَّه في السرائر
وأوحى..سعت تمشي على الماء أحرفي
تغشاها فوق الماء إيماءُ ساحر
فطافت وللأسرار فيها رسائلٌ
تؤوّلها في الماء خشعةُ ذاكرِ
أنا النهر موصولٌ إلى أول الهوى
هواه طوى روحي بلهفةِ آسر
أكاد أراني في تواشيح مائه
صلاة تجلّت خلف حيرةِ حائر
هو النهر إخفاء وإن بان مرسلا
ففي غيبه نهر سرى غيرُ ظاهر
يبلل أحلامي فيجلو حروفها
قصائد فاضت من حنين المحابرِ
أرتّله في كل حرف لينجلي
بصيرةَ عرّافٍ سرت في البصائر
أنا فيه مرآةٌ وهُوْ كشفُ ظلها
ورحلة كشفي أربكت كلَّ شاعر
على ضفتي آلائه أصطفي الرؤى
ليصفو على مدِ المسافات ناظري
يعلمني من حكمة الماء حكمة
فيكشف عن صمتي بقدرة قادر
أنا بوحه عذبا فراتا يفيض بي
فأبدي بماء الشعر كل الشعائر
قرأت كتاب سطر الماء بوحه
وكفٌ من الماضي تلملمُ حاضري
أتيت وفي روحي صلاة أقيمها
على الماء حتى تنجلي في خواطري
فنادت علي الريح تُلقي سلامها
وقالت :هنا الأسرار من غير آخر
تراسل
لا أرتدي وجعي لأني كلُهُ
ولأنه ظلي ، وظلي ظلُهُ
في أحرفي صمتٌ كثير ينجلي
بكثيره فيما يشير أقلُهُ
فدم القصيدة يستعير صدى دمي
فكأنما يربو كحزني نخلُهُ
لا تسألوا عن رمل أحلامي فقد
أردى بحلمي في المسافة رملُهُ
مذ أشرفت سحبٌ تنفسني الهوى
وطوى حروفي مذ تنفس هطلُهُ
حاولتُ أستفتي ربيع قصائدي
فعسى …. إذا يوما تآلف شملُهُ
لي أن أترجم بوح روحي كي أرى
والبوح يفصح إن تراسل أهلُهُ
الحب خلخلة
أطفأت في مرآتك المللا
وشربت كأس ظلالها جدلا
ومشيت مثل سحابة هطلت
للحب حين على دمي هطلا
أخفيت ظلك في ظلال يدي
ولمست في عينيك ما اشتعلا
مذ كنت أورثت الهوى جدلي
وطويته بسؤال من سألا
وكشفت ما يخفيه من قلق
وكتمت من معناه ما قتلا
وقرأت في ألواح آيته
لا ينبغي أبدا بأن يصلا
هو هكذا ما شاء يربكنا
يسعى بكاسات الرؤى ثملا
مرآته أن لا نرى أبدا
وسبيله أن نخطئ السبلا
يحتلنا تختل أحرفنا
من حيث لا ندري بنا نزلا
لا ترتبك إن كنت غامضة
فالحب خلف غموضنا ابتهلا
لا شيء إن لم نرتبك شغفا
لم نكتمل أبدا وما اكتملا
فكماله برد يبددنا
ويشق عن أحلامنا الأملا
فالحب ليس قصيدة كتبت
وتكاملت بحنينها غزلا
الحب خلخلة لرحلتنا
أن نصطفي لوجودنا بدلا


