📰 آخر الأخبار
قل لي / سعاد الصباحقراءة ميثولوجية ميتافيزيقية في رواية «دهليز الوهم» للكاتب حسين بن قرين درمشاكي/الدكتور حسن علي الفقعاويقصائد/ نبيلة الخطيب - الأردنمجموعة ( في محراب الذات)ج1/بهيجة مصري إدلبيظمأى إلى المعنى / بهيجة مصري إدلبيمن أجل هوية/ أحلام مستغانميمن رواية ذاكرة الجسد/أحلام مستغانميصباحي باسم/ صباح الحكيمبوزيد مولود لغلى: من الفقه والقانون إلى ذاكرة الصحراء / محمد عالي الحيرشنغمات الجيتار:جديد الروائي السوري عبد الباقي يوسفالنَّصُّ الصُّوْفِيُّ .. خِطَابُ إشَارَاتٍ أمْ إحْدَاثِيَّاتٌ مَعْرِفِيَّة ؟الدكتور بليغ حمدي إسماعيلفيڤو ( fivo ) و العوانس/سامي عبّاس سليمان / طرطوسكلما دخلت الحمام/ إسراء النمر- مصرهذيان ينتظر صوتك / ديمة محموداشهر الاطباء الفينيقين ( مجس الصيدوني ) النص الاخير من كتابي الفينيقيون في العالم/ملفينا توفيق ابو مراد/ لبنانإنها الخمسون / سناء مصطفى- مصراحبك / عائشة المحرابي- اليمنكيف هذا / القس جوزيف إيليا In My Youth By Salim Elias MadaloTwo Poems By Soran MohammedMy Uncle Jules/Guy de MaupassantSea Level /Bae Jong-Yeongعلى قمة الدنيا وحيدا/ فدوى طوقان- فلسطينالبشرُ يطلُّونَ على الحلمِ عبرَهُما/سوزان عليوان-لبنانإن شاء الله/ نازك الملائكة
قل لي / سعاد الصباحقراءة ميثولوجية ميتافيزيقية في رواية «دهليز الوهم» للكاتب حسين بن قرين درمشاكي/الدكتور حسن علي الفقعاويقصائد/ نبيلة الخطيب - الأردنمجموعة ( في محراب الذات)ج1/بهيجة مصري إدلبيظمأى إلى المعنى / بهيجة مصري إدلبيمن أجل هوية/ أحلام مستغانميمن رواية ذاكرة الجسد/أحلام مستغانميصباحي باسم/ صباح الحكيمبوزيد مولود لغلى: من الفقه والقانون إلى ذاكرة الصحراء / محمد عالي الحيرشنغمات الجيتار:جديد الروائي السوري عبد الباقي يوسفالنَّصُّ الصُّوْفِيُّ .. خِطَابُ إشَارَاتٍ أمْ إحْدَاثِيَّاتٌ مَعْرِفِيَّة ؟الدكتور بليغ حمدي إسماعيلفيڤو ( fivo ) و العوانس/سامي عبّاس سليمان / طرطوسكلما دخلت الحمام/ إسراء النمر- مصرهذيان ينتظر صوتك / ديمة محموداشهر الاطباء الفينيقين ( مجس الصيدوني ) النص الاخير من كتابي الفينيقيون في العالم/ملفينا توفيق ابو مراد/ لبنانإنها الخمسون / سناء مصطفى- مصراحبك / عائشة المحرابي- اليمنكيف هذا / القس جوزيف إيليا In My Youth By Salim Elias MadaloTwo Poems By Soran MohammedMy Uncle Jules/Guy de MaupassantSea Level /Bae Jong-Yeongعلى قمة الدنيا وحيدا/ فدوى طوقان- فلسطينالبشرُ يطلُّونَ على الحلمِ عبرَهُما/سوزان عليوان-لبنانإن شاء الله/ نازك الملائكة

 مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات نقدية

قراءة ميثولوجية ميتافيزيقية في رواية «دهليز الوهم» للكاتب حسين بن قرين درمشاكي/الدكتور حسن علي الفقعاوي

من دهليز الوهم إلى قيامة التراب

collage 6

ليست «دهليز الوهم» رواية قصيرة عن الحرب بالمعنى المباشر، ولا مجرد سرد لتفاصيل النزوح والقمع والفقر وانتهاك الذاكرة؛ إنها، في جوهرها العميق، رحلة أسطورية من ظلمة الوهم إلى نور الحقيقة، ومن اغتراب الإنسان عن أرضه إلى استعادة معنى الانتماء والسيادة والذاكرة. ومن هنا فإن عنوان الرواية لا يحيل إلى مكان مغلق فحسب، بل يؤسس لبنية رمزية كاملة: فالدهليز هو المسافة المظلمة بين الحقيقة والوهم، وبين الإنسان وذاته، وبين الوطن وصورته المشوهة في وعي أبنائه.

وإذا كانت الرواية المعاصرة، وفق تصورات باختين، فضاءً لتعدد الأصوات والخطابات وتجاورها، فإن «دهليز الوهم» تستثمر هذا التعدد بصورة واضحة؛ فصوت أحمد النازح، وفاطمة الأم، ومراد الكاتب، وليلى المقاومة، وعلي الأسير، ومفتاح الهارب، وإبراهيم المهندس، والدكتور عمران، والحاج صالح، ليست أصواتاً منفصلة، وإنما تتحول تدريجياً إلى ضمير جمعي واحد. إنهم شظايا وطن، ثم يتقدم السرد حتى تصبح الشظايا جسداً واحداً.

وتقترب الرواية كذلك من مفهوم «الكرنفالية» عند باختين في انقلاب المواقع الرمزية: فالسلطة التي تبدو في البداية مطلقة ومخيفة تتحول في النهاية إلى سلطة هشة محاصرة داخل «دهليز الوهم»، بينما يكتسب المهمشون والمنفيون والسجناء والكتّاب والنازحون قوة أخلاقية تتجاوز قوة السلاح. وهنا لا يصبح انتصار الرواية انتصاراً عسكرياً بقدر ما يكون انتصاراً للمعنى على القوة.

أما من منظور نورتروب فراي، فإن البناء السردي يستدعي بوضوح النموذج الأسطوري القائم على الموت والانبعاث؛ فالأرض تمر بمحنة شبيهة بالموت، ثم تبدأ رحلة الاستعادة، لتتحول النهاية إلى «قيامة التراب». ولهذا لا يبدو التراب عنصراً جغرافياً محضاً، وإنما يصبح كائناً أسطورياً حياً، يموت ظاهرياً ويحتفظ في أعماقه ببذرة القيامة.

الطين بوصفه ميثولوجيا الأصل

أهم مفاتيح الرواية هو الطين.

فالطين هنا ليس مادة لبناء البيوت والأواني، بل هو استعارة كبرى لأصل الإنسان والوطن. ومن الطين تبدأ الهوية، وإليه يعود الإنسان، ومنه يعيد بناء ما هدمته الحرب.

المزهرية الفخارية المشققة هي أكثر الرموز كثافة في الرواية؛ إنها صورة مصغرة للوطن نفسه. تنكسر، لكنها لا تتحول إلى عدم. تتشقق، لكنها تحتفظ بوظيفتها وذاكرتها. ولذلك فإن الشرخ الذي يصيبها لا يمثل النهاية، وإنما يتحول إلى علامة على الوعي.

ومن هنا يمكن قراءة العبارة المركزية في الرواية: «الشرخ هذا مش نهاية، هذا بداية لوعي جديد»، باعتبارها المفتاح الفلسفي للنص كله.

فالجرح يتحول إلى ذاكرة، والذاكرة تتحول إلى وعي، والوعي يتحول إلى مقاومة، والمقاومة تتحول إلى قيامة.

وهذه البنية تقترب من التصور الأسطوري عند كارل غوستاف يونغ؛ إذ إن الرمز لا يعمل بوصفه علامة سطحية، وإنما يستدعي طبقات عميقة من الذاكرة الجمعية. والفخار هنا يحمل صورة «الأم الأرض»، بينما الشرخ هو جرح الجماعة، والماء هو الحياة، والنار هي الاختبار، ثم يأتي الالتئام بوصفه ولادة جديدة.

«دهليز الوهم» بوصفه متاهة ميتافيزيقية

الميتافيزيقا في الرواية لا تظهر في أسئلة فلسفية مجردة، وإنما تتجسد في سؤال بسيط وعميق:

من يملك الحقيقة؟

هل الحقيقة ما تقوله السلطة؟
أم ما تقوله البنادق؟
أم ما تكتبه البيانات الرسمية؟
أم ما تحفظه ذاكرة الأرض؟

الرواية تجيب بوضوح: الحقيقة تسكن في الإنسان والأرض والذاكرة والحرف.

ولهذا تتكرر في النص مفردات: الأرض، الطين، الرمل، السدر، الماء، الضوء، الزجاج، الحبر، الذاكرة. وهذه ليست مفردات وصفية متجاورة، وإنما تشكل نسقاً ميتافيزيقياً متكاملاً.

فالطين يمثل الأصل، والماء يمثل الحياة، والزجاج يمثل النقاء والرؤية، والحبر يمثل الذاكرة، والتقنية تمثل الوعي الحديث، والضوء يمثل انكشاف الحقيقة.

وعندما تجتمع هذه العناصر في «ليلة الانصهار الكبرى»، لا تكون النتيجة مجرد حدث عجائبي، وإنما يتحول المشهد إلى طقس أسطوري لإعادة تركيب الوطن.

سيرات و«صدى الأحلام»: ولادة الأسطورة داخل الأسطورة

تبلغ الرواية ذروتها الميثولوجية مع أسطورة «سيرات» وقطع الزجاج المسماة «صدى الأحلام».

هنا ينتقل السرد من الواقعي إلى العجائبي، ومن التاريخ إلى الأسطورة، ومن الوثيقة إلى الرمز.

فالزجاج الذي «يعكس مكنونات الروح الحقيقية» يصبح أشبه بمرآة أسطورية للحقيقة. إنه لا يكشف الوجه الخارجي، بل يكشف الباطن؛ أي إنه يملك وظيفة معرفية وأخلاقية.

ومن منظور ميرسيا إلياده، يمكن النظر إلى هذا النوع من التشكيل السردي بوصفه إعادة إنتاج للزمن المقدس داخل الزمن التاريخي؛ إذ تستدعي الرواية زمناً أصيلاً غائراً في الذاكرة لتمنح الحاضر معنى يتجاوز لحظته السياسية.

إن «سيرات» ليست مجرد بلدة قديمة داخل الحكاية، بل تتحول إلى فردوس مفقود للهوية، وإلى نقطة الأصل التي ينبغي العودة إليها روحياً حتى يمكن بناء المستقبل.

وهنا تصبح الأسطورة وسيلة لمقاومة النسيان.

الأرض بوصفها شخصية روائية

من أجمل منجزات الرواية أنها لا تجعل الأرض خلفية للأحداث، وإنما تمنحها حضوراً شبه إنساني.

سرت ليست مدينة فقط.

بنغازي ليست مكاناً فقط.

الحمادة الحمراء ليست صحراء فقط.

وادي السرير ليس جغرافيا محايدة.

السدر ليس شجراً فقط.

كل هذه العناصر تتحول إلى شخصيات رمزية تشارك في صناعة المعنى.

وهذا ما يمنح الرواية بعداً قريباً من مفهوم المكان الوجودي؛ فالمكان ليس شيئاً خارج الإنسان، وإنما هو جزء من هويته. الإنسان هنا لا يقول: «هذه أرضي» فحسب، بل يبدو كأنه يقول: أنا من هذه الأرض، والأرض مني.

ومن ثم فإن السماسرة حين يحاولون السيطرة على الأرض لا يسرقون العقار وحده، وإنما يحاولون اقتلاع الذاكرة والهوية.

مراد: الكاتب بوصفه حارساً للذاكرة

يمثل مراد المركز الفكري للرواية.

إنه ليس بطلاً تقليدياً يحمل بندقية، وإنما يحمل القلم.

وهنا تستعيد الرواية السؤال القديم حول وظيفة الأدب في مواجهة الاستبداد. وفي هذا السياق يقترب النص من تصورات إدوارد سعيد حول علاقة المثقف بالسلطة، حيث لا تكون مهمة المثقف ترديد الخطاب السائد، بل كشف المسكوت عنه ومقاومة الروايات التي تفرضها القوة.

مراد ينزل إلى القبو، لكن نزوله ليس هروباً من العالم؛ إنه نزول إلى باطن الذاكرة. القبو يتحول إلى رحم معرفي، ومنه تولد الكتابة.

وهذه صورة ميثولوجية بالغة الدلالة: النص يولد من الظلام كما يولد الفجر من رحم الليل.

ولهذا يصبح الحبر في الرواية مقابلاً للرصاصة.

الرصاصة تقتل جسداً.

أما الحرف فيستعيد إنساناً.

الرصاصة تمحو أثراً.

أما الكتابة فتحفظه.

وهنا تتجلى فلسفة الرواية في عبارتها الدالة: «الحرف أطول عمراً من الرصاصة».

ليلى: أنثى الذاكرة والمقاومة

لا تظهر ليلى بوصفها شخصية ثانوية، وإنما باعتبارها تجسيداً لأنوثة الوطن الجريحة والقادرة على الاستمرار.

دفترها الذي يحمل أسماء المعتقلين يتحول إلى سجل للذاكرة المضادة. إنها تقاوم النسيان، والنسيان في الرواية أخطر من الموت؛ لأن من يُنسى يمكن أن يُمحى مرتين.

ولهذا فإن إصابتها بالرصاصة لا تسقط رمزيتها، بل تزيدها قوة؛ فالدم يتحول إلى حبر، والجرح يتحول إلى شهادة.

إن ليلى، بهذا المعنى، تستعيد النموذج الأسطوري للأنثى الحارسة: المرأة التي تحمل الذاكرة حين يحاول الرجال المسلحون مصادرتها.

أحمد وفاطمة: ملحمة الإنسان العادي

أما أحمد وفاطمة ويوسف، فيمثلون الطبقة الإنسانية التي لا تدخل الحرب رغبةً فيها، لكنها تدفع أثمانها كاملة.

إنهم لا يملكون تنظيراً سياسياً، ولا أجهزة تقنية، ولا مخطوطات نادرة، لكنهم يحملون الوطن في تفاصيل الحياة اليومية.

بيتهم المهدوم، شجرة الطلح، المزهرية، الطفل، الماء، الطريق، كلها تتحول إلى وحدات سردية صغيرة تختزن المأساة الكبرى.

ومن هنا تكتسب الرواية قوتها الإنسانية؛ فهي لا تختزل الوطن في الخطب، بل تراه في أم تحاول حماية طفلها، وأب يحاول الوصول إلى مكان آمن، وإنسان يحتفظ بقطعة فخار من بيته المهدوم.

التكنولوجيا: انتقال الأسطورة من النار إلى الشاشة

اللافت أن الرواية لا تقع في فخ الحنين إلى الماضي وحده.

إنها تجمع بين المخطوط والفلاش ميموري، القلم والكمبيوتر، الطين والتقنية، الأسطورة والبيانات.

وهذا الجمع يمنح الرواية حداثتها.

فإبراهيم لا يمثل التكنولوجيا بوصفها آلة، بل بوصفها امتداداً جديداً للوعي. والتردد 415 يتحول من موجة تقنية إلى «عصب وطني» يصل الشرق بالغرب والجنوب.

وهنا تصبح التكنولوجيا في الرواية أداة لتحرير الحقيقة من الاحتكار.

إنها تنقل المعرفة من الغرفة المغلقة إلى الفضاء العام.

وبذلك يلتقي القديم بالجديد: الحبر يحفظ الذاكرة، والتقنية تنشرها.

الرقيب منصور: أسطورة السلطة الوهمية

في المقابل، يمثل الرقيب منصور الوجه المادي للوهم.

هو يملك السلاح، والسجن، والسلطة، لكنه لا يملك الشرعية الوجودية.

إنه يملك المكان مؤقتاً، لكنه لا ينتمي إليه.

ولهذا تتكرر في الرواية فكرة «الطارئ» في مواجهة «الأصيل».

وهنا تتشكل ثنائية ميثولوجية واضحة:

الأصيل / الطارئ
الأرض / السلاح
الحقيقة / الوهم
الذاكرة / المحو
الحبر / الرصاصة
الوعي / القهر
النور / الدهليز

وهذه الثنائيات هي العمود الفقري الدلالي للنص.

ليلة الانصهار: الذروة الطقسية

تصل الرواية إلى ذروتها عندما تلتقي العناصر المتفرقة:

أحمد وفاطمة.

مراد.

ليلى.

علي.

مفتاح.

إبراهيم.

الحاج صالح.

المزهرية.

الزجاج.

الفلاش ميموري.

الطين.

الدم.

النحاس.

الضوء.

وهذا اللقاء ليس مجرد تقاطع في الحبكة، بل هو انصهار للرموز.

إنها لحظة يتحول فيها الوطن من جغرافيا ممزقة إلى وعي واحد.

والشعاع الأزرق الذي ينبثق من التقاء الزجاج بالطين والتقنية يمكن قراءته رمزياً بوصفه نور الحقيقة؛ إنه ليس ضوءاً فيزيائياً بقدر ما هو تجسيد أدبي للحظة انكشاف.

وهنا تتقاطع الرواية مع البنية الأسطورية القديمة: موت، ظلام، اختبار، تضحية، ثم نور وولادة.

لكن الكاتب يعيد إنتاج هذه البنية داخل سياق معاصر؛ فالتنين الأسطوري هنا ليس وحشاً خارقاً، وإنما منظومة فساد وقمع ووهم، والبطل ليس فرداً واحداً، بل وعي جماعي.

«قيامة التراب»: الخاتمة بوصفها خلاصاً وجودياً

الخاتمة ليست مجرد نهاية سعيدة.

إنها تصحيح لفلسفة الرواية.

فالبيت يُبنى من الطين مرة أخرى، والمكتبة تتحول إلى مركز ثقافي وتكنولوجي، والتردد يصبح إذاعة علنية، وإبراهيم يواصل العمل رغم إعاقته، ومراد يكتب، وليلى تحمل ندبتها، ويوسف يحتفظ بقطعة الفخار.

هذه التفاصيل تؤكد أن الخلاص ليس محواً للماضي، بل تحويل الجرح إلى ذاكرة منتجة.

وهنا تبلغ الرواية نضجها الفلسفي: الوطن لا يعود كما كان؛ بل يعود أكثر وعياً بما حدث له.

وهذا هو الفرق بين الحنين والقيامة.

الحنين يريد استعادة الماضي.

أما القيامة فتريد بناء مستقبل يعرف ثمن الماضي.

الرواية بين الواقعية والرمزية

من الناحية الفنية، تتحرك «دهليز الوهم» بين الواقعية السياسية، والواقعية الاجتماعية، والرمزية، والأسطورة، والخيال العجائبي.

وهذا التداخل يمنحها طاقة دلالية واسعة، وإن كان يؤدي أحياناً إلى كثافة وصفية عالية وإلى امتداد بعض المشاهد على حساب الاقتصاد السردي الذي تقتضيه الرواية القصيرة جداً.

لكن هذه الكثافة نفسها تبدو في كثير من المواضع جزءاً من مشروع الكاتب؛ فهو يريد أن يجعل القارئ يشم رائحة الغبار والبارود والبحر والعرق والحبر والطين، لا أن يكتفي بمشاهدة الحدث من بعيد.

وهنا يتجلى أثر الحواس في بناء العالم الروائي؛ فالشم واللمس والرؤية والسمع لا تعمل كزخارف، وإنما تتحول إلى وسائل لإعادة تجسيد الذاكرة.

البعد السياسي والأخلاقي

الرواية تحمل خطاباً سياسياً واضحاً، لكنها لا تنحصر فيه.

فالفساد، والتهريب، والميليشيات، والفقر، والسيولة، والنزوح، والاعتقال، ومصادرة الكتب، كلها علامات على مرض أعمق: اختطاف الإنسان من إنسانيته.

ومن هنا تصبح القضية السياسية قضية أخلاقية ووجودية.

السؤال ليس فقط: من يحكم؟

بل:

أي إنسان نريد أن نكون؟

هل نكون مجرد أجساد خائفة تبحث عن النجاة الفردية؟

أم نتحول إلى جماعة تمتلك ذاكرتها ووعيها وقدرتها على قول «لا»؟

وهذا يقرب الرواية من التصور الذي يجعل الأدب، كما عند جورج لوكاتش في قراءته للرواية، أداة للكشف عن العلاقة بين الفرد والبنية الاجتماعية والتاريخية، لا مجرد تسجيل للحوادث.

جماليات اللغة

لغة حسين بن قرين درمشاكي تقوم على مزج الفصحى بالسرد الحواري الليبي، وهو اختيار يمنح الشخصيات صدقيتها المحلية ويمنح المكان صوته الخاص.

كما أن الكاتب يعتمد بكثافة على التشبيه والاستعارة والتجسيد، خصوصاً في تحويل الجغرافيا إلى كائن حي.

وتتكرر الحقول المعجمية المرتبطة بالنار، والرمل، والطين، والدم، والضوء، والزجاج، والحبر؛ لتشكل شبكة رمزية متماسكة.

وبذلك لا تكون اللغة وعاءً للحكاية فقط، بل تصبح جزءاً من أسطورتها الداخلية.

خلاصة نقدية

«دهليز الوهم» رواية عن وطن يحاول أن يتذكر نفسه.

إنها تبدأ بالركام وتنتهي بالبناء، تبدأ بالخوف وتنتهي بالوعي، تبدأ بالدهليز وتنتهي بالضوء، تبدأ بتشقق الفخار وتنتهي بالتصالح مع الشرخ.

والكاتب حسين بن قرين درمشاكي لا يقدم الحرب باعتبارها مواجهة بين بندقيتين فقط، بل باعتبارها صراعاً بين ذاكرتين: ذاكرة تريد أن تحفظ الإنسان والأرض، وذاكرة زائفة تريد أن تعيد كتابة التاريخ وفق مصالح القوة.

ومن هنا فإن العنوان «دهليز الوهم» يحمل مفارقة عميقة: الوهم له دهليز، أي أن له أبواباً وممرات ومتاهات، لكنه ليس وطناً نهائياً. أما الحقيقة، فليس لها دهليز؛ إنها الأرض التي يقف عليها الإنسان حين يستعيد وعيه.

ولعل أجمل ما تنتهي إليه الرواية أن التراب لا ينتصر لأنه أقوى من السلاح، بل لأنه أعمق منه زمناً.

السلاح عابر.

السلطة عابرة.

السماسرة عابرون.

أما الأرض فتحتفظ بأسماء أبنائها.

والذاكرة، حين تجد من يكتبها، تتحول إلى مقاومة.

والحقيقة، حين تجد من يحملها، تتحول إلى قيامة.

لهذا يمكن القول إن «دهليز الوهم» ليست رواية عن سقوط وطن، بل عن المخاض الروحي لوطن يستعيد نفسه؛ رواية تجعل من الطين ذاكرة، ومن الزجاج بصيرة، ومن الحبر ضميراً، ومن التقنية جسراً، ومن الجرح شاهداً، ومن الإنسان حارساً أخيراً للحقيقة.

إنها، في جوهرها، أسطورة حديثة عن قيامة الإنسان من تحت ركام الوهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
النسخة العربية English Edition

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة