فاتن فلحوط، شاعرة أينعها دفء المفردة – غرز الدين جازي

*”تكوّمت ثلوج حلمك
أمام جرح المسافة ..
الدواء مزلاج ليل ووتر كمان
وشمعة تذوب على قوافي القصيدة”
*تتوهج مفردات عشقها في غالبية نصوصها الشعرية بوعي أدبي يجعلها نسيجاً متراصاً يثير في القارئ المتعة والعذوبة، ويمنح النص غنىً وبهاءً أدبياً مبهجاً في كل لحظاته الوجدانية ..
*شاعرة، لا مفر من وهجها .. تداعب الليل أن يهبها هدوء صوته، هي التي تكابد ثقل الصراخ :
“كم عليّ أن أبقى في لجّة العتمة
وسرد كوابيس ملوّنة على مسامع النائمين؟
أعرّج بقصتي على أهداب الساهرين العاشقين
مكابدة ثقل الصراخ”
*تتمنى ضم عتمتها لتغوص بأعماق الحلم حتى تدرك الضوء :
“ليتني ضممت عتمتي
وأسررت لها بقصتي مع رجل المطر”
ويكتفي جسدها من الهطل والبلل :
“هناك حيث اكتفى جسدي
من الهطل والبلل”
*حسّها العاطفي كشاعرة يتجلى واضحاً في تشكيل مفرداتها، وتهذيبها مع حالة النبض الشعري المتغلغل في ذائقة القارئ المُقاد طوعاً لفسحة صورها وبيانها الشعري المداعب لأوتار مشاعره، وما يترتب على ذلك من دلالات في سرد نصها الشعري غير المستقل عن كيان القارئ العاشق :
“أنا نسغُ عود روحك
وشاله الأخضر
أنا عذق نخيلك
حين ينحني
العرجون من الرطب
أنا شهقة الربيع
في تاج قلبك
فكيف نبض أَبْهَرك يتصحر ؟”
*يدهشها الليل .. تشدّ على جراحها كلما اشتعل الجوع في دمها .. تدعوه وترشده بذاكرة العطر لعنوان دارها .. ومن اليقين سيأتي إليها الوجود :
“حينما يدهشني الليل
يتغاوى ظلّي تحت القمر”
“يا سيدي
مادامت ذاكرة العطر يقظة
سترشدك لعنوان داري
ستأتي رغم الريح”
وبحنين الإصرار :
“ستأتي .. ستأتي
ويأتي إليّ الوجود”
*ضاق عليها صبرها، فارتقت صعوداً في الحب، تتأبط ندى الكلمات كمّادات حمّى شوقها:
“فكل خطايا الأرض لأجلك أحملها
وأصنع كمّادات لحمّى الشوق
من ندى كلمات نتراشقها
قبل نضوج الغسق”
*ترسم صورها الشعرية بأرستقراطية المفردة وبلاغتها، وتتبلور مُثُلها الإنسانية في الحب أخلاقاً وجمالاً بأناقة عباراتها وتعبيرها عن العواطف الإنسانية العامة واحترام تقاليدها دون أن تطغى على إحساسها الذاتي ومشاعرها .
*أتعبها لهاث العقل فحملت لأجله كل خطايا الأرض دون أن تلعن البعد، ولا تلغي حروف التمني :
“كم يتعبني لهاث العقل
خلف حماقاتي”
“لن ألغي البعد
لن ألغي حروف التمني
فالحب أشهى بعد الشقاء والعناء”
*تتمرد على المفردة حين يفيض شوقها ويتأجج سعير صورها بترادف متلاحق يسبق نبض مشاعر القارئ وألق تخيّلاته، فيثمر وتينع ثمرات فراغه الروحي برمزية عميقة تعبّر عن مكنوناته العاطفية وحتى العقلانية :
“ابنة قلبك في الطريق إليك
تتنفس لهيب الصيف
وأذرع الشمس طويلة
لوّنت تفّاح خديها”
*سحابة موعدها هطلت قلبها .. أهدته بسند تمليك .. هو سيد القلب وعنفوانه، ولا مناص من منحه حق الامتلاك .. هو ذا الحب الذي لم تَخَفْ يوماً من الوقوع بشركه :
“فأنت سيد هذا القلب
وأنا أمنحك حق الامتلاك”
*تختال بين زوايا القارئ، ترشق رؤيا صورها الشعرية، بتلقفها أفقاً عاطفياً يسبح في مشاعره التي تفيض لعذوبة بيانها الشعري، ويغرق في أتون خيالاته المكبوتة :
“أشعل لهفتي
فيهجع الثلج في بحيرة أنفاسي
أقتفي آثار خطانا
فأجد جسر أحلامنا قد تصدّع
هكذا اتخذت أوهامي مسكناً لها
في مخيلتي
بتّ أتمادى في البوح
بما لا يباح ..”
*فاتن فلحوط،شاعرة تخرج بكل ما أوتيت من شاعرية عن النصوص التقليدية لعملية الإبداع، فتتميز بالنقاء الذاتي المتكئ على مخزونها اللغوي الثر الذي توظفه بقوة وبكل أخلاقية النص الجميل المتفاعل مع أفق القارئ الرحب وآهاته المكنونة .



