📰 آخر الأخبار
In the Dream/Latifa Harbaoui - Algeriaمن أين جاءت مقولة (كلنا خرجنا من معطف غوغول) - جودت هوشيارنشرة طقس لفصول الخيبة/منذر ابو حاتم هوِّن عليك/ أسامة محمد صالح زاملالمُزَاحِ والكًذِبُ المُقَنَّع/ملفينا توفيق ابو مرادقراءة في سردية القصيدة العربية القديمة/جواد عامر-المغربرُلى براق:شعرية التركيب والاستبدال/اسماعيل ابراهيم عبدAT The Edge Of A Field By Salim Elias MadaloIn the darkness of the night/Marjeta Shatro Rrapaj - Albania حين تتذكر الأرواح/عارف عبد الرحمنقناع الكاتب الجاهز للعرض/سعيدة بركاتي/ تونسVandalism in the Name of Cleanliness/Bahtiyar Hidayet Azerbaijanهل نحن ضحاياها أم صانعوها ؟ ياسين احمد خلف يحيى اوغلولو/ تغريد نديم عمران - سوريا   الدمع يخذلني /سالم الياس مدالوانبثاقُ الضوء/آدم دانيال هومهأملٌ على ضفاف المورافا/بيليانا بيتكوفيتشThe Song of God /Seok Yeon-gyeongالنافخ والمنفوخ/يوسف علاريلقاء مع الشاعرة والناقدة ليلى عطاء الله من تونس-حوار:الإعلامية شمس الأصيل العابدDid Einstein Believe in God? His “Cosmic Religion” Explained/written by Scott Mclaughlan, PhD Sociologyحين بكف الإلهام/عبد الرزاق الصغيردستور … يا سيدة/يوسف إدريسالعملية الكبرى/يوسف إدريسالنقطة/يوسف إدريس
In the Dream/Latifa Harbaoui - Algeriaمن أين جاءت مقولة (كلنا خرجنا من معطف غوغول) - جودت هوشيارنشرة طقس لفصول الخيبة/منذر ابو حاتم هوِّن عليك/ أسامة محمد صالح زاملالمُزَاحِ والكًذِبُ المُقَنَّع/ملفينا توفيق ابو مرادقراءة في سردية القصيدة العربية القديمة/جواد عامر-المغربرُلى براق:شعرية التركيب والاستبدال/اسماعيل ابراهيم عبدAT The Edge Of A Field By Salim Elias MadaloIn the darkness of the night/Marjeta Shatro Rrapaj - Albania حين تتذكر الأرواح/عارف عبد الرحمنقناع الكاتب الجاهز للعرض/سعيدة بركاتي/ تونسVandalism in the Name of Cleanliness/Bahtiyar Hidayet Azerbaijanهل نحن ضحاياها أم صانعوها ؟ ياسين احمد خلف يحيى اوغلولو/ تغريد نديم عمران - سوريا   الدمع يخذلني /سالم الياس مدالوانبثاقُ الضوء/آدم دانيال هومهأملٌ على ضفاف المورافا/بيليانا بيتكوفيتشThe Song of God /Seok Yeon-gyeongالنافخ والمنفوخ/يوسف علاريلقاء مع الشاعرة والناقدة ليلى عطاء الله من تونس-حوار:الإعلامية شمس الأصيل العابدDid Einstein Believe in God? His “Cosmic Religion” Explained/written by Scott Mclaughlan, PhD Sociologyحين بكف الإلهام/عبد الرزاق الصغيردستور … يا سيدة/يوسف إدريسالعملية الكبرى/يوسف إدريسالنقطة/يوسف إدريس

 مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
غير مصنف

جَـلَّ عِطْـرُ النَهْرِ/ جواني عبدال

خيرو: حسناً ولماذا ..؟ ألا يأتي هو ؟.

 نوران: إنه ناكف، أو قل متكاسل متمارض.

خيرو: هل لي أن أعرف لماذا ..؟

نوران: ستعرف في حينه.

خيرو: وما هو المشوار..؟

نوران: لقد رأيت كوزاً، جرة بين شتلات كرمتنا، وأود أن نذهب لنطلع عليه.

خيرو: جرة! لقد شوقـتِني، فعلاً.

نوران: ليكن هذا سرّاً بيننا..

خيرو: حسناً، وهذا من دون شكّ.

نوران: فلا تخبر أحداً.

خيرو: أعوذ بالله أخبر من؟

(يلتف إلى فهمي الذي يدخل الآن حاملاً إبريق الوضوء) ألا تساعدنا! (مستدركاً) تساعدنا في حلب النعاج. هي.. ترّر هوء~هوء.

نوران: إنه ما يزال مستنكفاً.

فهمي: ليس بعد.. تحكين عني.. ياهذه.

خيرو: ما هذا يا عمتي، أمر عجيب غريب. هي ترّ تـُش.

فهمي: هيا للحلب، خيرو خُذْ نورا معك.

نوران: صحيح سأفعل، اسمع: مرة أعيا أحد الأمراء من الصمت الذي يكابده صدره.. مما شاهد من ملكه، ويا هول ما رأى، وإن أفشى السر فسيقطع الملك رأسه حتماً، تورَّم وتضخَّم ومرض، وليبقْ هذه الغصة ويرتاح، حفر جورة في أرض الدار ووضع فمه بين يديه وفضض وباح فيها بكل ما يعرف، وبعد مدة طلع نبتٌ مكان الجورة وطال كشجرة لبلاب متشابكة فوق صدره، وهو أنتَ الخالق الناطق.

فهمي: بذر وسماد هه! اذهب معها يا خيرو، انظر، الجرة هناك فيها ذهب وعظام وحرباوات.

.

اللوحة الرابعة

(الزمان: ليلة قمرية، المكان: خلاء بجانب البيت، هناك الباب الموارب والنافذة المنورة)

خيرو: دبيب الأفكار يتسرب من الظلمات، وينفخ في هواجسي الصامتة، ثم ينبع الدم ويتدفق من ثقوب يدي.اللعنة عليّ وعلى فعلتي ونفسي الأمارة بالسوء.

ماذا قلتُ؟ ماذا فعلتُ؟ لقد أصابني العمى من عمتي، لقد قالت لي بأنها رأت في حقلهم جرة وتعتقد بأنها ملأى بالذهب أو ما شابه، ولي نصيب فيها إذا ذهبنا معاً وجلبناها من هناك، لذا أتينا معاً قبيل غروب الشمس بقليل، ولما دلتني على مكانها من بعيد بالإشارة، حتى لا تثير انتباه أحد، وأعلمتني بحرص وحذر على اتفاق بيننا أن نرجع معاً بعد خلو الناس من الحارة، ونأتي لها بها، وهكذا كان فلما ذهبت إلى البيت وسوس الشيطان لي وزين لي حب الاستطلاع لأعرف ماذا فيها، أو أخذها لنفسي، قررت ولمَ لا ؟.

العمى على ما رمى، وحين ذهابي خفية وإتياني بها، وكان هناك أز ووز كثير، وعند فتحها والكشف عن محتوياتها.. وإذا بها دبابير صفراء وزنابير حمراء تهجم عليّ، محمومة مهيجة مستنفرة من إقلاق صمتها، العمى، أكانت عمتي تعرف ما بداخلها ولم تقل لألدغ وأشرب مقلباً منها ومن زوجها، أم لم تكن تدري بالأصل أم إنها كانت صادقة ولم تخمن ما بها، والفعلة كانت من زوجها.. هه. أم أنهما كانا يمتحنان وفائي..

العمى.. لقد لدغني عدد منها، وهاهي عيني ورمة منتفخة، مع تنامي ألم ينتشر مع كل نبضة أو دفقة دم في وريدي وشرياني، لقد سكبتُ ماء بارداً على مكان لدغها، وعملت مساجاً وفركتها ليزول الألم أو يخفف، ولكن لا فائدة ترجى، فلففت كنزها في صرة وهاهي تحت إبطي. همهم…

العمى، ولأن الأمر كذلك.. جئت بهدوء وسأرمي الجرة بما فيها من الدبابير والزنابير على أم رأسهما، من الطاقة التي في السقف والتي تستعمل لتهوية دخان الموقد، ولإدخال نور القمر، وسأصيح على عمتي وزوجها التنبل لأبرر الموقف بمزحة ثقيلة، هه.. هكذا، دعني اقترب بحذر وأسير على رؤوس أصابعي.

خيرو: يا عمتي يا عمتي.. أين أنتما ؟.

نوران: (تصيح من الداخل) هل أتيت، انتظر سنذهب معاً بعد أن أركن الطفلة إلى والدها..

خيرو: لا يا عمتي لا داعي.. هذه هي الجرة، لقد ذهبت دونك حتى لا أعذبك في المشوار، وأتيت بها لك، فخذيها بما فيها…

نوران: ألا ادخل لأفهم منك..

خيرو: لا داعي فأنا فوق السطح، هاهي فخذيها، رغم الدخان الذي يحبس أنفاسي، سأرميها من فوق حتى تسمعا رنينها وتستلذا بحلاوتها.

نوران: ألا انتظر وخذ لك حصة..

خير: (يسعل وهو ممسك بأنفه) أنا لا أريد منها شيئاً، حلال عليكما ما فيها.

نوران: (فرحة مبتهجة) ماذا هاها، ما أراه أنها تطير من فوق وتهطل للأسفل، مدورات صفراء حمراء، تعال يا رجل وأبعدهم عني، هيا هيا.. إنها تطير على رأسي ووجهي.آي آي.

فهمي: (يُسمع صوته) ما هذا، آه آه..

خيرو: (مستمتعاً مستلذاً) لابد أن الدبابير تطير هائجة الآن بعد رميي للجرة بصرتها، وبالتأكيد كُسرت وخروجت من قمقمها في عتمة المكان ودخان الموقد، وبدأت تلدغ الاثنين معاً بسمّها المركز المكتنز من أيام وأيام، إنهما يستأهلان أكثر.. آه إني أسمع أصوات تكرز وتلهج من الألم، هيا أيها الدبابير الدغي دون رحمة فقد حجزت عليهما الباب حتى لا يخرجا ويهربا، فليبقيا محجوزين إلى أمد..

آه آه، هكذا أحسن، فليُشفَ غليلي منهما، وبالأخص التنبل زوج عمتي، الذي اعتاد أن يخلق لي مقالب ويستهزئ بي.. ذلكم الأبله الفكه.

(تخرج المرأة ويتبعها الرجل وهما مبتهجان)           . نوران: ذَهَبْ، ذَهَبٌ حقيقي، لقد صدق حدسك وحقق مرادك يا فهمي، فالمقسوم مقدر ومكتوب، وسيناله المعني حتى لو كان كسيحاً أعمى، تنبلاً.

فهمي: ذهب، ذهب حقيقي ..!.

خيرو: إنها مزحة سمجة، (لنفسه) إنهما يدعيان العكس حتى يغيظاني.

نوران: لا إنها حقيقة.. فانظر وشاهد بعينك لمعانها، واسمع بأذنك رنينها.

خيرو: ماذا، ذهب، العمى ذهب حقيقي يلمع من خلال عتمته!، (يهجس لنفسه) نعم إنه بعض ذهبهما أخرجاه من عبهما، ليوهماني بعكس ذلك، ويريدان أن يخدعاني.

نوران: ما بك، كأنك لم ترَ ذهباً طوال حياتك، بالتأكيد لك منه حصة.

خيرو: (لنفسه) هذا مقلب مدبر منهما سأجاريهما واحدة بواحدة، (لنورا) أنا لا أريد منه شيئاً، فأول فالي معه كانت دبابير وزنابير تلدغني، إنما هذا مال حرام، فهو يتحول إلى أفاعٍ وحيّات، أنا أستغني عنه لك، ولا مطمح لي فيه ولو بواحدة، إني مكتفٍ بعالمي ولا أريد شيئاً.

نوران: اعلمْ يا خيرو أن هذا سر فلا تفشيه.

خيرو: أعوذ بالله، أنا لا رأيت ولا سمعت ولا أعرف شيئاً.

نوران: أرى على وجهك انتفاخاً وورماً، يا بن أخي.. فمن ماذا هذا ..؟.

خيرو: لدغتي الدبابير، عفواً يا عمتي، أما كيف حدث هذا، فلقد سبقتك إلى الكرمة لآتي لك بالجرة، وإذا بها دبابير تطير وتلدغ، تهجم كأنها تحامي عن كنزها، فخمنت بأن الجرة مليئة بها.

نوران: آه.. إنه كان بجانب الحفرة الموجودة فيها الجرة عش هوام وكانت تعشش فيها خلية دبابير، ويبدو أنكَ هيجتها بأن دعست عليها على طرف أو ضربت على عشها بعصاك، وجاءت الضربة في بؤبؤ عشها.. فهيجت وهاجمتك.

خيرو: لا، صحيح.. العمى لست أدري.

نوران: تعال وخذ كمشة يد، واكتم الأمر بيننا، وإلا فهناك سين وجيم وبهدلة ما لها أول ولا آخر، أم انك أخذت لك حصة ورميت الباقي علينا؟.

خيرو: لا، صدقاً هذا ما حدث، ومع ذلك أنا لا أصدق فهذا ملعوب منكما! لقد رأيت بعيني ما فيها -الجرة- وأعرف بأنها مليئة بالدبابير، وقد لدغتني بما فيه الكفاية.. إني أهرب منكما، فلا رأيت ولا سمعت ولا أعرف شيئاً. (بتصميم) كفاية.. أنا لا أريد دبابيركما.. لا أريد شيئاً.

نوران: إن كان هناك شيء مخالف فسيظهر على محياك، فإن أكلت دهناً فسيظهر ملتمعاً على شفتيك وشاربيك، وإذا أكلت نباتاً فسيظهر لون أخضر على أصابعك..

خيرو: أنا لا دخل لي.. أفهمتِ.. أنا لا دخل لي. (يدير ظهر ويتهيا للخروج) هيا، ترّ.. هوءهوء.. يريدان أن يضحكا علي.. أنا الذي يضحك على الجني، فهما لا يعرفاني جيداً. هِهوو! (يخرج هارباً)

نوران: حسناً.. تعال فقط لكلمة ….

فهمي: (مقاطعا) دعيه يا امرأة..

نوران: تعالَ نفكر لبعض الوقت، بعد هذا يلزمنا الكتمان والحرص في العمل، يلزمنا صمت تام، فالحذر واجب عن أي تسريبات، أو تلميحات، أو تعليقات لأحد، فأموركم كتمانكم.

فهمي: ألم اقلْ لك أنا رأيتُ وأنا أعرف، بتّ أعرف العاقبة بأنها ستأتي وحدها إلى عقر دارنا, لا بل إلى حضننا وملء كفينا، إن حدسي لا يخيب، فاكتمي الأمر وتعالي نعدها ونفرح لِحَظنا المخملي، ثم نعدّ لها مكاناً أميناً.

نوران: صدقتَ والله، وصدقت الأحدوثة.

فهمي: حتى تؤمني بي، وأن لي كرامات.

نوران: إذا المرء طلب فليطلب الكثير.. كمثل ذينك الرجلين اللذين كانا، أحدهما متعبد قانع، والآخر خيّال جامح- فقد خُيّرا أن يستجاب طلبهما من الله ما يشاءان، فطلب الأول على قدر بسطة سجادته أرضاً ولقمة خبز، وطلب الآخر-وكان راكباً حصانه- قائلاً: سأسوق حصاني جريداً من الآن على نَفس واحد، وعلى قدر جريه ليعطني الله أرضاً وخيرات.. والمعطي هو الله فليعطِ كما أشتهي.. وهكذا كان.

فهمي: المعطي هو الله فليعطِ كما أشتهي.

.

اللوحة الخامسة

(الزمان: صباح اليوم التالي، المكان نفسه، الرجل ممدد في الفراش على ظهره لافاً رِجْلاً على رِجْل، وأحياناً يقوم ويتكئ على مرفقه ويحدث نفسه)

فهمي: هي العتمة حولي، والنور في قلبي يتراقص، وقوس قزح أبيض يتلألأ مني وإلي، وموسيقا تزهر حمائم وعصافير.. ينفتح قلبي على شيء أراه ماثلاً كالإله كالضوء، يكسر الجليد وإذ بالصمت الجليل فيه يدفعه إلى معترك النبع فيجري إلى النهر في عراء الورود.

نوران: آه، وبعد يا رجل البيت..

فهمي: ماذا ؟ أنا أجتر هواجسي وأحلامي.

نوران: قم إلى عملك، هيا اعمل لك همة فالصباح مشرق علينا.. واليوم يحتاج للهمة.

فهمي: لماذا أنتِ مستعجلة هكذا، إنه مجاب ولن يهرب العمل.. يجب أن نتصرف بصمت وهدوء.

نوران: كان شيئاً لم يحدث.. وبعد ..؟

فهمي: الصحيح وبعد الذي صار وفتح علينا الله خيراته، سنتكالب على العمل. هه..!. 

نوران: نعم، يلزمنا مدة للتظاهر وعدم كشف أوراقنا أمام الناس، وإذا أظهرنا المقسوم فسيكتشف الناس سرنا ويحدسون الأمر.

فهمي: هه.. المقسوم، وهل سنشمه ونلمسه مغمضين أم نلحسه مطبقي الشفاه ؟

نوران: لا هذا ولا ذاك، إن علموا فسيخبرون الأمير به، وسيصادره هذا منا على أنه من أملاك الماضي وهو أولى به، بادعاء بان له جميع ما تحت الأرض، حتى لو سمع الآغا أو البيك فسيأخذاه منا.. لذا من المفضل أن نكون كعهدنا السابق تحت الغطاء.

فهمي: إيه، حسناً سنتظاهر، وماذا نفعل، ماهي الاقتراحات الممكنة للمباشرة بعمل ما ؟..

نوران: سنفكر بها في أوانه، الآن سنبقى كعهدنا.. بالنسبة إلى نعجاتنا وإلى حقلنا.. نرعى ونفلح كالسابق.

فهمي: إيه، حسناً.. وما العمل ؟..

نوران: لقد أرسلتها إلى الرعي على أن يرعاها خيرو، أما بالنسبة إلى الحقل وأشجار الكرمة سنحتفظ بها للتمويه، على أن نمر بين الفينة والأخرى ونعمل بها ونرعى حرمتها.

فهمي: بالمناسبة، هل بحثت في أرضنا في زواياها، هنا وهنا، عن جرة أخرى، عن آثارٍ وعاديات أخرى، يا ليتنا عملنا مسحاً متأنياً آخر، من كان يصدق بأن أرضنا المحجرة تطلع مكتنزة عن كنز من الذهب الوفير؟

أم إن الأمر كان ما حزرت، ألم أخبرك بأني رأيت وأعرف أن لنا قسمة كبيرة، لست ادري لماذا أنت لا تؤمنين بيّ؟! ألانك ترين عريي وتلهفي وشبقي فقط، ولم تلاحظي حدسي وتأملي ونبوءتي، أنتِ تستصغرينني دائماً.. لأن عشب الدار مر.

نوران: حقيقة لا أعرف شعوري لقد تلخبطت الأمور بعضها مع بعض، وعلى الرغم مما حصل لست مصدقة إلى اللحظة هذه ما حصل!

فهمي: صدِّقي.. هاهو الأمر بين يديك..

نوران:هل سأعيش “خاتونة” ذات خدم وحشم، أم ستهجرني وتستعرّ مني، وتذهب إلى أخرى؟.

فهمي: كيف لي أن أتخلى عنك..

نوران: لا أمان للرجال، أنا طموحة بطبعي وأصبو إلى شيء لا أعرف ما هو كنهه.

فهمي: تستأهلين بالتأكيد، وسأسعى إلى ذلك بكل جهدي، وما تهوين وتريدين فسيكون بين يديك الآن فوراً..

نوران: وسرنا هذا.. إلى متى يبقى سراً.

فهمي: بالنسبة إلى خيرو أعتقد بأنه لن يكشف أمرنا، وقد التبس عليه الأمر، فهو على بركة، على براءة قلبه، أما أنا وأنت فهو مالنا..

نوران: ولكن أنت هل ستبقى وفياً لي.

فهمي: ما هذا الكلام؟.. إن الطبيعة تجود بكل مكوناتها، فنحن منها وهي لا تبخل على أبنائها، وأنا لن أخون نصفي أبداً.

نوران: آمل ذلك، لقد تغير شيء ما لا أعرف كنهه، شيء يقود إلى المجهول.

فهمي: تغير فينا أليس كذلك ؟

نوران: ولكن أنتَ، هل ستبقى هكذا دون عمل أو دون همة؟. إن الزمن يمرُّ متناقض الأبعاد، فالذي لا يعمل، أو لم يُلهِ نفسه بشيء معين، ويكون عاطلاً يصبح رأسه مصنعاً للشيطان، ويبدأ بالتفاهات وبالمنازعات والأنانية المفرطة... فالأفكار الساكنة تبقبق في بحر من الهواجس، ثم تؤدي بالمرء إلى الغرق في الأنانية المقيتة، فتثير في نفسه النفور والاستكانة.

فهمي: هم~هم.. صبراً يا امرأة.

 نوران: من يجتر الصبر يقتنصه الوقت أسيرا، فينتقل من حد إلى حد فيعصر الفراغ عناقيده في دنانه صبراً مر.

فهمي: هم~هم.. الصّبر ولا شيء آخر هو دواؤنا.

نوران: العمل.. العمل ينشط الدم في العضلات ويعطي القوة وينشط العقل ويزيد الذاكرة، أما الكسل فيعني السكون أي الضمور والموت المبكر.

فهمي: وماذا أعمل وماذا أنتج، أنا لا أملك البراعة الكافية في الأعمال.

نوران: مدارات الوقت المسكون بالضوء يأخذك إلى الكسل.. ليس المهم نتائج العمل، وإنما المهم هو أن تقوم بعمل من حيث أنه واجب وشيء أخلاقي ومسؤولية يحث عليه المجتمع للتكامل والتكافل.. فهي الإرادة الطيبة.

فهمي: وبعد! الجسد والنفس تطالبان الراحة وتتلذذان بالخمول.

نوران: وهل ننقاد لهما، ألا بئس ما ترجو، بل أقول: إنك قليل الحيلة، ويلزمك الطموح، فالحياة دونها ودون مشتقاتها – الجد والأمل- لن تساوي بصلة أو تقدَّر بنكلة، أي لا آفاق لها، فأفقْ من جمودك.. فلا تتـكاسل أكثر. (ترفعه من الفراش) وهيا جدّ للعمل والكد.. هيا قم.

فهمي: دعيني.. أنا لا أحبذ الكسل ولكن أريد عملاً شريفاً، محدد الدوام، وخفيف الوطأة، لقد تخشبت كفاي، وانحنى ظهري، وتشققت قدماي، من هذا العمل القاسي غير المروض، فمن طلوع الشمس إلى مغربها نكد في الصخر الأصم ولا منفذ.. كلنا نسعى إلى لقمة عيش هنية غير مغمسة بالتعب المجهد، وليس من راحة إلا في النوم الذي نذهب إليه متخشبين كالأموات في انتظار انبلاج الفجر، لنقوم ونتابع كأننا ننام ونرتاح فقط لمتابعة العمل الذي يبدو لا نهاية له ولا يأتي آخره.

نوران: أنت مرعوب منه وتخاف أن يلتهمك، نعم، إن أحداً لم يمت من جهد العمل وتعبه، ولم يستعر أحد من عرقه ووساخته.

فهمي: أنا لا أرهبُ العمل، ولكن أسأل اللطف فيه، تصوري؛ أنا أعمل من بزوغ الشمس إلى منتصف الليل دون توقف حتى أني لا أجد فرصة لراحة، لهواية، لجحيم.

أنا لا أطالب بالبطالة إنما اطلب اللطف في العمل والاكتفاء بدوام محدد منتظم.

نوران: من هذا وذاك فالعمل شرف واكتفاء، يقول المثل بما معناه: “حين تعمل تكون محبوب الناس” أو “اليد المكدّة تمسد البطن الملآن”..

فهمي: أوف، كفى، والآن بعد أن تهدأ نفوسنا وتستقر الأحوال، ماذا سنعمل بثروتنا التي هطلت علينا، على بُور يدينا ؟..

(بعد تمعن) أعتقد بأننا لن نجرؤ أن نعلن عنها ولن نستطيع العمل بها أيضاً، فالظاهر هي نعمة من جهة وهي نقمة من جهة أخرى.. ففي واقع الأمر كأننا لم نجد شيئا، بل هو بلاء مبين.

نوران: سيأتي الوقت الجميل، وكل شيء في وقته جيد.

فهمي: والآن هاتيها، لنتمتع برؤيتها، بملمسها.. بلونها، برائحتها.. هاتي لنعدَّها ونرى لها مكاناً أكثر أمناً..

نوران: رغم وسع المكان فقد ضاق علينا وسعه، فلم نجد زاوية مطمئنة نخبئها ونداريها، نضعها هنا، ثم نغير رأينا ونأخذها إلى هناك، الزوايا باتت مفتوحة مفضوحة، فيا ويلي.

فهمي: ما رأيك أن نعمل لها بخوراً ونقرأ عليها رقية، نبعد الأرواح الشريرة عنا وعنها.

نوران: حسناً.. والعمل ..؟!.

فهمي: وسنكون أمناء.. حقيقة لا رغبة لي في العمل الآن، بعد أن شاهدت ما شاهدت، وبعد اللقيا التي أتت إلى يدي، ولكنني خائف قلق.

نوران: العمى في مال لا يأتي للمرء بالراحة بين جدرانه، ولا يجلب الطمأنينة لقلبه.

فهمي: إيه.. أنت ترمينني بالحجارة، فكفي عني البيض الفاسد هذا.

نوران: (غاضبة) أنت أمرضتني بلامبالاتك، ببرودتك وعدم إحساسك، كأنك قُدِدْتَ من حجر، ألا تفكر. إلى متى باستطاعتي تحملك؟

فهمي: (محتداً) إلى الموت.

نوران: (ترد عليه أيضاً) الموت في عينك.

فهمي: (يتهيأ لضربها) في عينك وعين أبيك يا قليلة المروءة.

نوران: هكذا إذن. لن أقعد لك ثانية، وهأنذا، أذهب وأتركك في وسخ عنجهيتك، ولتذهب المواشي والكروم في ستين داهية.

فهمي: إلى الجحيم ….

نوران: سنرى يا فهقو كيف ستكون..

فهمي: سنرى ما نرى يا نورقا، كيف أكون ، “الباب الذي يسد ما يرد” و”الدرب الذي يودي لا يعدي ” .. العمى فيما رمى.

نوران: اسمع: سأل أحد ما وقيل له، لو أُعطيت كوكباً في السماء أرضاً ومملكة خالصة لك، فيها كل شيء أكل وفواكه ونساء، فما هو أول شيء تفعله ؟

أجاب بصفاقة: سأبول على الأرض التي تحتي.. على ناسها وخضارها، العمى وهذا أنتَ!

(تخرج غاضبة)

.

اللوحة السادسة

(الزمان: صباح اليوم التالي، فهمي وحيداً في المكان نفسه جالساً، يقف أمام المرآة، يسير جيئة وذهاباً)

فهمي: حقيقة لست أدري ماذا أريد، كنت أدَّعي أن ما ينقصني ويحفزني للعمل هو المال، والآن هاهو الذهب” أبو المال” بين يدي، ولا أعرف ماذا أفعل به، وكنت أعتقد أن السعي من أجله وهو لقمة الخبز، وكنت أمقت من يتكالب عليه، بقولي: هي لقمة خبز فلماذا الصراع والمنازعات.

(فترة صمت) كان هذا يكدرني ويتعبني، أن نكون في مجتمع قروي متآلف في كل شيء إلا في المال، يسعى الجميع إلى جمعه، رغم أنه في غير حاجة آنية إليه، إنما السعي من أجله شيء يُعتقد بأنه فعل سامٍ نبيل، وهو بذا يعطي معنى للوجود، وبأن الحياة ليست اعتباطية عبثية وجهداً ضائعاً.. وباطل الأباطيل هي.

– إن الفعل الأكثر إثارة هو أنه يعطي الحياة معنى مركباً، لذا يجدّ الناس صغيراً وكبيراً دون هوادة لجمعه، والكل محتاج إليه للسير في آفاقه، فحين يدَّعي البعض أن الله خلق الإنسان وعليه أن يعيِّشه؛ أي يطعمه ليعيش، صحيح. إن لقمة العيش موجودة، وهذه ليست ذات أهمية، إنما الجد في سبيلها هو الأكثر شرفاً ومجداً عزة وسؤدداً، وقد قيل: “من طلب العلا سهر الليالي” و “من جدَّ وجد”.. وليس السعي إلى المال هواية، إنما العمل يرفع شأو المرء بين الناس ويعلي قدره.

– والآن أنا خالي الوفاض من شيء، خاوي الفؤاد، كثرت عليّ التهيؤات وأضغاث الأحلام والرؤى الخبيثة والكوابيس الثقيلة، وبت أسمع أصواتاً مهلوسة، وأتكلم مع نفسي وخيالاتها وتصاويرها.

– ومن كثرة الراحة الزائدة بت أتوجع في كل جسمي، وأتألم من جراء عدم الحركة والبطالة والكسل فأصبت بعسر الهضم و.. لأن كل تفكيري اتجه إلى نمنمات جسمي وحركاته، من كل نبضة وكل عضلة سرى الوسواس فيّ.

– ونمت الرغبات الأنانية لدي، وبت أسعى لأمتِّع نفسي أكلاً وشهوةً، وهما في جوهرهما واحد، فأي لقمة بعد تحسس اللسان تنزل كما كل شيء، فقط هي لذيذة وشهية حين تكون مقرونة براحة البال، بشرف وعرق الجبين، كما الأخرى الشهوة، فكلهن لهن طعم واحد، إنما التآلف والود والحب يزيدها ألقاً وسمواً.

– المال في حدوده الدنيا يخدم المرء، ولكن من بعد كثرته يصبح وبالاً إن لم يقنن، أي يحوّل صاحبه مقتراً بخيلاً، يصيره حارساً مكدودا، أما عند الاكتفاء من الحاجات الضرورية فيصبح امتلاكه وجمعه استكمالاً لمشوار الحياة بموازاة الوجود، يعطيه قيمة.. لفكره وجهده وجده. آه، ولكن على أن لا يتم جمعه دون تعب من مسالك سهلة بطرق معوجة كما في حالتنا.

(يسرح قليلاً ويكمل) آه.. لقد بت أحرس ما لي، وأنا أكره أن أكون حارساً مجانياً، “بتّ كالحمار الظمآن والماء على ظهر”، آه؛ لقد حرمني هذا النوم والراحة، من كثرة التفكير به والخوف منه وعليه.

– آه.. من هذا البلاء، وما لم أقله وما حدث لي من تطورات في بيتي ومع زوجتي نورا، فقد حدث جفاء ونكد من كثرة نقّها على رأسي، فكثر الخلاف والشجار بيننا إلى أن طردتها بعدما تلاسنَّا، وبعد رفع الأيدي والتطبيش، لقد ذهبتْ أو قلْ حردت.. منذ البارحة وأنا في غم وكرب غير معهود إلى الآن، فقد فقدت نصفي ومحرضي وأناي الحقيقية.

– طردتها على سبيل الكلمة وليس فعلها، يعني مباهاة الرجولة، وإذ بها تطبقها بحذافيرها، لا احم ولا دستور، ذهبت باكية شاكية، ذهبت وتركتني في “حيص بيص”، وأنا من عزة نفسي وسورة غضبي لن أسترحمها ولن أغالط نفسي قيد أنملة، أنا الرجل ولي كلمة فيجب أن تطاع، وسأذبحها إن نطقت بكلمة “هيك هيك” بحقي أو بحق أي شيء ثانٍ، لقد أرخيت لها الحبل كثيراً، ولكن دون تطاول عليّ.

– ذهبت وأخذت الطفلة معها، لقد وسع عليّ الجو وفضّي المكان، وساد الهدوء الذي أود وأهوى، ولكن دونها لاشيء بهي في ذاتي.

– وعلى الرغم من هذا أحس بالغم والكرب، ولكنْ قَسَماً لن أتزحزح قيد أنملة، ولن أذهب إليها لاسترجاعها، وسأفكر بزوجة ثانية أربيها على يدي مطواعة خطوة خطوة، ولتذهب نورا إلى الجحيم.. نعم هذا قرار حكيم، يجب أن نريهم العين الحمراء، ولا نقف عندهن كثيراً..

(فترة صمت، يسمع صوت نورا فينتفض جالساً، ودون أن ينظر إليها يكلمها بضمير الغائب) ماذا بعد! هي ماذا تريد؟

(لأنهما متخاصمان لا يُكلم أحدهما الآخر وجهاً لوجه، فكل واحد منهما يوجه حديثه للآخر بطريقة غير مباشرة)

نوران: قل له: ألا يشتط ويثور.. ويهيج دون سبب .

فهمي: قل لها: لست متهيجاً.. أقول وماذا بعد؟.

نوران: أيها المعتوه لاشيء، قل له: جئت لآخذ بعض حوائجي، ولست قادمة لشيء آخر.

فهمي: قل لها: ليس لها شيء عندي.

نوران: قل له: تركت له كل شيء، ولا داعي لأطالبه بشيء، فهو مع كل شيء لاشيء.

فهمي: أوعى هه، أحذرك..؟!

نوران: قل له: وماذا ستفعل من بعد .؟.

فهمي: لاشيء، ولتذهب من حيثما أتت..

نوران: قل له لم أكن في مكان بعيد، كنت في القسم الثاني من البيت مختبئة، قضيت ليلة ليلاء وحدي في غم وكدر وجوع، وهو لم يسأل عني..

فهمي: آه هُهم (بنبرة أخرى وبطريقة مباشرة) نورا تعوذي من الشيطان، وتعالي إلى حدّ بيننا، ماذا جرى لك، أنا طول عمري هكذا، منذ خمس عشرة سنة وأنت تحتمليني، والآن، وأنا أمر بفترة عصيبة في هذا الخريف المغبر لم تعودي تحتمليني، قد لا أكون ذا طموح كبير، بعدما هدأت كل الطموحات وأجهضت، من كثرة العراقيل والعصي في دواليبنا، حتى بتّ لا أعرف الخيط الأبيض من الأسود ..

نوران: قل له: ألا يحدثني وليترك بيننا مسافة، فأنا غاضبة منه، وأنا مقاطعة الكلام معه.

فهمي: أواه نورا أنا أيضاً غاضب ومقهور، مشتت و.. الحياة ليست لها قيمة من دونك.

نوران: من دوني، أو من دون منازعات ومنغصات على حسابي.. أي تتمرجل عليّ.

فهمي: العمى على الذي كان السبب، هي هذه اللقيا السبب.. وهذا هو فهمي لها.

نوران: هذه اللقيا.. هذا الذهب.!

فهمي: صدقيني أنا أطالب بكفاف يومي، ولا أطلب المزيد الذي يفيض.

نوران: العمى في مال لا يرفع صاحبه ويهبه جاهاً ووجاهة، العمى في مال لا يأتي للمرء بوجاهة بين أقرانه، وجاهة اجتماعية وليست وجاهة أنانية مقيتة.

(فترة صمت يتبادلان فيها نظرات خجلة)

فهمي:إن اكتناز المال لأجل المال مصيبة، ومرض يصيب المرء حتى لا يستطيع الفكاك منه، بعد أن تلتف خيوطه حول عنقه..

نوران: لأن اكتناز المال يجب أن يكون لهدف نبيل، لا لبطالة واتكال وعمى …

فهمي: اسمعي قراري وماذا قررت، هذه الزنابير كما قال “خيرو” التي اكتنزناها، سأطلق إسارها، بدأت تلدغنا، كنت بانتظار لقمة هنية وراحة مؤقتة، فإذا بها تأتي براحة سرمدية لا أتحمَّلها، وأنا كنت أعبر عنها بقولي: أنا رأيت وأنا أعرف، كنت أقول عن لقمة عن سترة.. وليس عن كنزٍ لا يشترى ويباع، حملاً لا يرفع، قمراً لايخبو نوره، او شمساً لا يخبأ.

نوران: وبعد..؟!

فهمي: أنا قبل هذه اللقيا كنت أفكر بعمل هادئ بما تدره علينا مواشينا من أغنام وماعز وأبقار، وما تدره أرضنا المزروعة بأشجار الكرمة والجوز واللوز والتين والزيتون إلخ، ولكن كنت أتذمر وأناكف، ولكن الآن وبرغم كل شيء أصبحت مهملاً طرطوراً.. مشتتاً كدراً.

نوران: لم أفهم شيئاً، وأنت تلف وتدور كثيراً حول وتد غير معلوف؟

فهمي: بكلمة: هذا مال لم نتعب في جنيه..!

نوران: هذا نصيبنا ولا شيء سواه.

فهمي: هذه اللقيا قد لخبطتنا، وهاهي تفرز سمها بيننا، ولا نعرف لها تصريفاً، ولا حلاً لمشكلة، إنها لقيا فوق طاقتنا، إنها لقيا الشيطان، لأنها جاءت بدون تعب، وهذا مر طعمه أو لأنها باهتة دون طعم أو لون.

نوران: إيه وبعد، إنك دائماً تعادي المستجد، لأنك دقة قديمة واتكالي دون أفق.

فهمي: اسمعيني دون تعليق، ودون تجريح، إن كنت تريدين العودة إلى سابق عهدنا، لقمة وكدّ، وتذمر من صروف الزمن وقدره الأهوج..

نوران: كيف، عمَّ تفتق عقلك.؟

فهمي: لقد عانينا من هذه اللقيا بما فيه الكفاية، وكان السبب تلك المصادفة العمياء، لذا قررت.. نعم قررت التخلص منها.

نوران: قررتَ التخلص منها، لصالح من؟!.

فهمي: لن أردها إلى العش التي لقيتها فيه، ولن أعطيها لأحد لينتفع بها ويتكابر علينا، سأرميها في عين النبع لتلمع وتبرق بين الصخور في قعر الينبوع العميق، الذي لم يصل إلى قاعه أحد أبداً لعمقه وفوران مائه المتدفق إلى الأعلى.. ولن يصل أحد ما إلى قعره أيضاً إن حاول.

سأذهب هذا المساء وأنثرها واحدة واحدة في عين ينبوع اليانوس، وافرشها في أرضيته، بحيث يفيق الناس غداً ويرون نبعهم كيف يتدفق من بين الصخر والكلس والكبريت.. وقد نبتت فيه قطع كثيرة من الذهب المجاني، تلمع نهاراً جهاراً في ضوء الشمس، وتبرق في الليل تحت ضوء القمر، لأن الغبار عادة لا يرسب على قعره أبداً بسبب تجدد وتبقبق مائه الصافي الرقراق، ولن يتجاسر أحد على الخوض فيه لعمقه ونتوءاته الصخرية، سيرون ولن يعرفوا شيئاً، ونحن سنضحك في عبنا وملء شدقينا لأننا نعرف كل شيء، بحيث سيتقول الكثيرون. وكلٌ بشكل مغاير.

نوران: يا ويلي.. هكذا إذن، لماذا..؟.

فهمي: حقاً.. لقد أخذت هذه اللقيا بساطتنا، أخذت راحتنا وأقلقتنا، وهذا ثقيل على معدتنا..

نوران: بساطتنا، (تحدث نفسها بامتعاض) كم تبدو فارغاً، كمن ليس له هدف في الحياة، كبعض الناس الذين يكرهون العمل لأنه ليس لهم مآل خاص، فيتحججون بالتفرغ لتحويل المعادن الخسيسة إلى ذهب، وهم في انتظار كسول مهمل، في ترقب معجزة، أو أنهم يحملون آمالاً عريضة وهموماً كبيرة، فهم بانتظار شيء كبير لن يتحقق، وآخرون ينحون إلى العبادة ويتلهون بها آملين من الله بالجنة والخلاص الدنيوي، أما أنت فلا شيء.. لا من هذا ولا من ذاك، اسمع: أنت لا شيء ؟.

فهمي: (يسترسل) هذا النبع بمساحة مئة خطوة طولاً في مئة خطوة عرضاً وأكثر، سأنثر كنزنا وأبذره في قاعه كأياد ممدودة وأفواه مفتوحة.

نوران: لا تستفيد منه ولا تدع أحداً يستفيد.

فهمي: نعم، لنشترِ راحة البال، فكأننا لا رأينا ولا عرفنا شيئاً.

نوران: هذا آخر ما توصلتْ إليه فطنتك، وتفتق عنه ذكاؤك.

فهمي: أتعرفين أن الجميل في هذا، سترين كيف يتبارى الآخرون في تفسير هذه الظاهرة، ملالي وشيوخ يصنعون الرقية والتعاويذ، أدعياء يلقون الخطب والتفاسير، وستسمعين طرائف مسلية، من يقول إنها أسماك ملونة ميتة أو نجوم مطفأة ساقطة، أو أطياف عشاق ولهانين منتحرين نبتت، أو أرواح الأسلاف الهائمة استقرت أخيراً وهدأت الخ.. وسيسيل الماء الذائب من ثلج رؤوس الجبال زلالاً في نهره دون اكتراث.

نوران: ثم يبدؤون بعبادة نبعهم..

فهمي: سيتكالب الكل على شيء لن يطلوه، فلنكن شهوداً على هذه، كم ستتفتق الأذهان عن وسائل وأساليب مبتكرة، كيف يحاولون التقرب لانتشال شيء.. كم سيموتون من أجله غرقاً، كم سيموتون دونه أرقاً، وهم يجاهدون في نيل قطعة أو قطعتين، ولك أن تتصوري كيف سيتم ازدهار الضفاف حوله ويتم البناء فيُرزع بالورد والرياحين والأشجار..

نوران: هذا النبع المهمل سيتحول إلى شيء مقدس، فيغتسلون منه غانجاً، ويشربون زمزماً.

فهمي: ستعمر الهياكل والبيع، وستذبح القرابين، ويبدأ به الحلف والقَسم والنذور.. آواه.. كم سنضحك ملء أشداقنا، كأننا آلهة، كأننا…

نوران: شياطين، هه على مهلك.. فلا تكفر.

فهمي: حقيقة شيء لذيذ النظر من فوق. سنسمع عطر الأماني من الأهالي، وسيفوح النهر برؤى مذهبة وأقاويل وأغان ملونة، ونحن أنا وأنت نعرف كل شيء وسننام ملء دربنا، لأننا رأينا بأعيننا.. وسيتباهى النهر بما فيه، وسيتحسر الناس على ما لا يطولونه، حينئذ ستتدحرج كرة الثلج وتكبر إلى أن تتجمد الأساطير والخرافات وتنصب في الأيدي والقلوب أنصاباً وأزلاماً جديدة.

نوران: نعم، كل شيء يبدأ صغيراً ثم ينتهي مغايراً.. آه، وآمالنا العريضة والغد وأنا وأنت.

فهمي: على الله وما يشاء، على الطبيعة وما تجود به، على الظروف وما تخطه، كله عليّ أنا.

نوران: إذن سنبدأ من الصفر.. والعمل!

فهمي: إننا بحاجة للعمل لا لنقتات ونعيش عليه فحسب، بل لنتعاون فيه للإعمار.. فنمارس وجودنا ونحيّ حيواتنا.

نوران: وبعد ؟! كنزنا أرضنا، أشجارنا، زندنا، آمالنا.. أنا وأنت كنزنا.

فهمي: لن أخذلكِ! كما تخذلنا الدنيا الدوارة.

نوران: (تقول بارتياح) آمل ذلك..

فهمي: من الغد سأكون مجدّاً، ولن يثنيني شيء عن العمل، سنلتم على مواشينا وسنعتني بأرضنا وأشجارنا المثمرة.. فبعد الأمل عمل.

نوران: سنرى، أنت تبدو لي كمثل ذلك الرجل الفلاح حين سُئل: ماذا تزرع ؟.

فأجاب: حين ينمو سترى.

“انتــــــهت”

15~ 22/9/ 2008

الصفحة السابقة 1 2

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
النسخة العربية English Edition

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة