مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات اجتماعية

ثنائية الصفات – وليد أبو عواد – الأردن

صورة مائية لرجل مبتسم، يظهر تفاصيل وجهه بوضوح مع خلفية من الألوان الزرقاء والرمادية.

     هل يمكننا القول أننا نستطيع تحديد سمات الشخصية للفرد منذ الصغر والعمل على معالجة التشوهات النفسية كمعالجتنا للتشوهات الخلقية؟ وكيف يمكن تفسير حديث الرسول صلى الله عليه وسلم (ما من مولود إلا يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه )  سؤال يطرح نفسه .

     إن غموض الشخصية التي تتحكم في جميع جوانب حياتنا، والتي نعتمد عليها في فهم العالم من حولنا ، ورسم علاقاتنا مع الآخرين والأشياء ، واتخاذ القرارات وتحديد الاختيارات وتوقع الفعل ورد الفعل لهو جانب مستعصي على الفهم. ولمحاولة الإجابة على الأسئلة المطروحة علينا محاولة الإجابة على أسئلة تشكل لبنة الأساس لمحاولة الفهم . كيف تنشأ الشخصية ؟ ، كيف تتطور؟ ما الذي يجعل الفرد فريدًا بين الآخرين؟ هل من سبيل لتحليلها، وتشكيلها، ومعرفة آلياتها، وعلاج اضطراباتها؟

     بينت العلوم الحديثة أن السمات الجسدية للفرد هي نتاج تأثيرات جينية وبيئية. تشمل هذه السمات السلوك، والتشريح، والوظائف الحيوية، والشخصية، وغيرها. وتتشكل هذه السمات حسب تعريف ” التأثيرات البيئية” ” بأنها كل ما يحيط بنا في العالم الذي نعيش فيه، والذي يؤثر على الفرد خلال حياته، حتى في الرحم.

     إن التأثيرات البيئية حسب التعريف العلمي تبدأ من مرحلة التكوين في رحم الأم. و توضح أن السمات الجسدية ناتجة عن عوامل وراثية يحملها الأب والأم وما يتضمنه ذلك من تأثيرات خارجية . كما توضح أن السمات الشخصية أيضا تبدأ في مرحلة التكوين في الرحم وأي تأثيرات خارجية ، قد تحمل علامات فارقة في شخصية الجنين. هذا الطرح مقنع من وجهة نظر علمية . ولكن ، هل يوجد سمات نفسية ثابتة يحملها الفرد قبل بدء تأثير البيئة ؟

     ماذا لو افترضنا أن الإنسان في مرحلة التكوين يحمل نوعين من السمات والخصائص الثابتة نسبيا كلبنة أساس وقت بدء التخلق وقبل تدخل البيئة وعواملها ، الأول بيولوجي والثاني نفسي. فالسمات البيولوجية يمكن التعرف عليها بعد الولادة بشكل قابل للعيان . ولكن ماذا عن الجانب  النفسي هل تحمل الجينات أيضا عوامل نفسية ، ولنأخذ مثلا مستوى ذكاء الفرد المتوارث عن والديه .

      إن الجينات وما تحمله من خارطة كاملة للصفات الجسدية ، وما ظهر في عمليات الاستنساخ، تحمل أيضا خارطة كاملة للبنية النفسية للفرد والتي يمكن التحكم بها ومحاولة تعديل تشوهاتها قبل الولادة .

     تحمل الجينات منظومة كاملة لجميع الصفات النفسية الموجودة في الحياة ضمن ثنائيات بين الصفة وضدها . على سبيل المثال ( صواب – خطأ ، شر – خير ، كرم – بخل ، صدق – كذب …. إلخ )  حيث أن في مرحلة التكوين يكون أحد الجانبين مفعلا والآخر خاملا . ولمعرفة السمات المفعلة في لحظة التكوين علينا بدراسة السمات المفعلة لدى الأب والأم في لحظة عملية الإخصاب . فلو افترضنا أن الصفة المفعلة لأحد الآباء لحظة التخصيب كانت الكرم ، الوفاء ، الكذب ، الشجاعة . والصفات المفعلة لدى إحدى الأمهات كانت العطف ، الجبن ، البخل. فإن الجنين سوف يحمل جزءا من الصفات المفعلة لدى الأب ، و جزءا  من الصفات المفعلة لدى الأم في تلك اللحظة وهي لحظة التخصيب وتكون باقي الصفات خاملة .

     أي بمعنى ، أن  جميع السمات المُفعّلة وغير المُفعّلة تنتقل في تلك اللحظة إلى الطفل الجديد، الذي بدوره يُفعّل أو يُعطّل بعض هذه السمات الثنائية وفقًا لتجاربه الحياتية لاحقا. وهذا يُفسّر الاختلافات بين الإخوة، وكذلك الاختلافات بين التوائم المتطابقة.

     وعودا لذي بدء ، فإن التحكم في هذه الصفات قد يكون ممكنا منطقيا في حال تم تفعيل الصفات الجيدة والمرغوبة لدى الأب والأم قبل التزاوج ويبقى عامل المجتمع عاملا حاسما في تشكيل الفرد وتعزيز الصفات المرغوبة . وهذا ما يفسر حديث النبي صلى الله عليه وسلم (ما من مولود إلا يولد على الفطرة ) وهي فطرة الله تعالى في خلق سيدنا آدم عليه السلام حيث كانت صفات الخير السليمة ( الفطرة السليمة )جميعها مفعله.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading