العمى الأصغر/د.منير لطفي

العمى الأكبر تعرفونه، وهو فقدان حاسة البصر، تلك النكبة الكبرى التي تعزلنا عن رؤية العالم، وتتسبب فيها أمراض كثيرة أشهرها مرض العصر (السكري) الذي يصيب بمضاعفاته الشبكية في مقتل، بينما يضغط ارتفاع ضغط العين المسمى بالجلوكوما على العصب البصري فيتلفه، وتعتم المياه البيضاء أو الكتاركت العدسة فتحول بينها وبين الضوء..
ولكن ماذا عن العمى الأصغر؟
ربما يعتقده البعض فقدا جزئيا للبصر، أو فقدا تاما في عين دون عين، ولكنه في الحقيقة لا يرتبط بالفقد من قريب أو بعيد، إنما يرتبط برؤية فئة من الناس نُزع منها القبول في الأرض إمّا لذنب ثقيل اقترفوه، أو خلق ثخين تخلقوا به.
ولمزيد من التوضيح، دعني أسألك..
هل تصادف أن التقاك شخص بوجه عابس مقطب، ثم أثقل عليك بالشكوى من الدنيا والناس والزوجة والأولاد حتى أظلم الهواء وتحول النسيم إلى حميم، فتمنيتَ ساعتها أن ترى العمى ولا تراه؟
وهل تطفل عليك أحد فزارك دون موعد، ثم جلس فأطال، وأضاع وقتك في القيل والقال، ولم يفطن ببلادته لتلميحك بأن رصيده نفد وعليه المغادرة فورا، فقلت في نفسك: ليته غيّب عنّي وجهه إلى الأبد؟
وهل لاحقك أحدهم بطلب يريده، فحاصرك بحضوره اللّزج في كل فج، حتى تمتمْت فدعوت: “ربنا اكشف عنّا العذاب إنا مؤمنون” الدخان ١٢؟
أنا شخصيا ابتُليت بثلاثة من هؤلاء، فماذا عنك؟ وكيف تعاملْتَ معهم؟
هل كنت ممّن يغلبه الحياء فيصبر ويحتسب وفي فمه ماء، أم ممّن يرتفع ضغطه وتتقرّح معدته وتنفجر مرارته فيطرد وينهر ولا يبالي، أم ممن يعتزلهم ماديا أو معنويا كالإمام مسروق بن الأجدع الذي قال: في العزلة السلامة من صحبة الثقيل ومؤونة النظر إليه، فإن ذلك هو العمى الأصغر. وسهل بن هارون الذي أوصى جلساءه قائلا: من ثقّل عليك نفسه، وغمّك سؤالُه؛ فأعِره أذنا صماء، وعينا عمياء.
ومن الدواهي، أن هؤلاء الثقلاء منتشرون كالذباب في كل عصر، ولا يكاد يخلو منهم جنس، وهم من الكثرة بمكان حتى أفرد لهم الأدباء مؤلفات خاصة تهجوهم وتشنّع عليهم، ويبدو أن زميلنا طبيب اليونان الشهير جالينوس قد ابتُلي بهم، فقال: لكل شيء حمّى، وحمى الروح النظر إلى الثقيل.
ومع تطوّر التكنولوجيا، تطوّر هؤلاء أيضا فصار بعضهم يزعجك بمكالمات ورسائل تافهة، والبعض الآخر يتطاول في رده على منشور تبدي فيه رأيا لا يخصه على صفحات التواصل الاجتماعي، ولكن لا بأس، فبالحظر نداويهم.
وقد استحق هؤلاء الثقلاء الجلد من أرباب البيان، كبشار بن برد الذي لم يكن سوطه يفارق عاتقه، وحدث أن استفزّه يوما أحدهم وكأنه أراد أن يعيره بعماه الذي ولد به، فسأله بسماجة: ما أذهب الله كريمتي مؤمن (يقصد العينين) إلا عوضه الله خيرا منهما، فبم عوضك؟ فقصفه في جبهته قائلا: بعدم رؤية الثقلاء مثلك!
وللأعمش أخبار عدة معهم، ومن ذلك أنه لما سئل: مم عمشت عيناك؟ قال: من النظر إلى الثقلاء. وروي أنه نَقش على خاتمه: (أبرمْتَ فقُم)، وإذا استثقل جليسًا ناوله إياه. وكان إذا حضر مجلسه ثقيل، عرّض به وأنشد:
فما الفيل تحمله ميّتا
بأثقل من بعض جلّاسيا
ومن اللطائف التي لا يجيدها سوى من امتاز بحدّة الذكاء وسرعة البديهة وفصل الخطاب، أنّ ثقيلا مر على قوم فسلّم قائلا: السلام عليكم، فردّ عليه أحدهم: وعليك السّلام شهرا.. وكأنه يقول: خذها ولا تعُد إلا بعد ثلاثين يوما، فقد سئمناك ولا نريد رؤيتك ولا لقياك.
جدير بالذكر أن العمى الأصغر قد يطلق مجازا في تعبيرات الأدباء والفلاسفة على المنزل الضيق الذي تتقارب حيطانه فتحد من مدى البصر، وعلى اتباع الهوى الذي يعمي البصيرة فيصبح عمى صغيرا وإن كنت أظنه عظيما ويتخطى العمى الأكبر.



