مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات اجتماعية

نعمة الأحفاد- د. منير لطفي

رسم توضيحي لرجل يحمل سماعة طبية، يبتسم ويرتدي قميصًا بألوان دافئة، مع شعار ACJ في الزاوية.

الأحفاد للأجداد كالأعياد للأيام؛ فهم شمسنا التي تشرق قرب الغروب، والوردة التي تتفتح في بستاننا الآخذ في الذبول، والحب الوليد في قلب يوشك أن يغلق أبوابه.

وصحيح أنهم ثالث النعم بعد الزوجة والولد، إذ لا حفيد بلا ابن ولا ابن بلا زوجة، ولكن لمجيئهم مذاقا خاصا خلّدته الأمثال العامية بقولها: أعزّ من الوِلْد وِلْد الوِلْد…

ولكن ما دليلنا على أنهم نعمة؟

ولماذا يفرح الأجداد بالأحفاد؟

وما الذي أهداه الأجداد للأحفاد، وأسداه الأحفاد للأجداد؟

الدليل جاء صريحا في قوله تعالى في سورة النعم المعروفة بسورة النحل، فيقول سبحانه: “والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله هم يكفرون” النحل ٧٢..ومَن يتأمل اجتماع الزوج والولد والحفيد مع الطيّبات من الرزق في سياق واحد، سيتّسع مفهوم الرزق لديه ولن يقتصر على المال كما يظن أغلب الناس.

وسرّ الفرح بهم إلى حد الهيام:

  • أنهم أكسبونا لقبا جديدا بعد لقب الأب والأم، وهو لقب الجَدّ والجدة.
  • ثم إنهم جاءوا في طورٍ يحتاج فيه الأجداد إلى أنيس متفرّغ، فكانوا هم ذلك المؤنس الذي لا يضنّ بوقته الفارغ أصلا.
  • أو لأنهم عكّاز جديد قد تعوّض ضعفا لاحت بوادره في الأفق، وما سُمّي الحفيد كذلك إلّا لأنه يَحفِد أي يعين ويخدم.
  • علاوة على أن هذا الجدّ الذي سيودّع الحياة عما قريب، قد ضمن لذكره جيلا جديدا بعد جيل أبنائه، فمهما بلغ المرء من العمر عتيّا، سيرحل وينصهر ذكره برحيل أحفاده الذين رآهم ورأوه ولاعَبهم ولاعبوه، اللهم إلا إذا كان من ذوي الصدقات الجارية والعلم النافع اللّذيْن يمدّان في ذكره إلى أمدٍ يطول ويقصر.
  • وربما -أيضا- لأن الأجداد ينتظرون من هؤلاء الأحفاد إحراز ما لم يحرزه أولادهم من أمنيات وأمجاد.

ولا تظننّ أن علاقة الحبّ هذه من طرف واحد هو الجدّ والجدّة، أبدا، فقد أشارت الدراسات النفسية إلى أنها من الطرفين، وإلّا لَما كان لها هذا الزخم، فكما أنّ الأحفاد هم بمثابة مكافأة نهاية الخدمة للأجداد، فإن هؤلاء الأجداد رئة عاطفية ثالثة للأحفاد بعد رئتَي الأب والأم، بل إنها رئة متفرّدة قد يجدون فيها ما يفتقدونه في الرئتين الأُخْريين.

ما أهداه الأجداد للأحفاد كثير ولا يحتاج إلى دليل وإحصاء؛ ومن ذلك ما قاله فضيلة الشيخ الدكتور سعيد عبد العظيم رحمه الله عن مكتبة جدّه التي تربّى عليها وكانت نواة لمكتبته الفخمة التي ملأت الجدران بعد ذلك..

ولو أعرت سمعك للأدباء، لاعترف لك غير واحد منهم بأنه استلهم من حكايات جدّته أثناء الطفولة ما كان سببا في اختراقه عالم القصة والرواية..

وما جدّة المتنبّي التي ربّته بعد يُتمه وقامت على تنشئته، ورثاها بقصيدة خالدة، سوى قطرة في بحر عطاء الجَدّات وتفانيهنّ..

وإن شئت النموذج الأكمل، فدونك ما أغدقه النبي صلى الله عليه وسلم من حب ورحمة على أحفاده من بنتيْه فاطمة وزينب رضي الله عنهم أجمعين.

أمّا ما أسداه الأحفاد للأجداد؛ فيشهد به في القديم، كتاب “المسودة في أصول الفقه”، والذي بدأ بتصنيفه الجدُّ مجد الدين عبدالسلام بن تيميَّة، ثم أكمله الحفيد شيخ الإسلام أحمد بن تيمية..

وفي العصر الحديث؛ ضرب أحفاد الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله طرازا فريدا في الوفاء؛ فالحفيد مجاهد له اليد الطولى في الحفاظ على تراث الجد، وذلك عبر إصدار كتبه التي تركها مخطوطة حبيسة الأدراج، ثم إعادة طبع مؤلفاته القديمة في حلة قشيبة بعد مراجعتها وتصحيحها، إضافة إلى توثيقه لما خفي من سيرته الذاتية في كتاب له بعنوان (علي الطنطاوي أديب الفقهاء وفقيه الأدباء). ومثل هذا الوفاء تجده عند الحفيدة عابدة التي سطّرت في حبه كتابها “هكذا ربانا جدي علي الطنطاوي”. وكذلك الحفيد مؤمن الذي وثق علاقته به في كتابه “صور من الذاكرة مع جدي علي الطنطاوي وخواطر بين يديه”، وحدّثني حفظه الله قبل نحو عامين، أن العنوان مستوحًى من عنوان أحد كتب الجدّ العزيزة عليه وهو “صور وخواطر”، وأنه في طريقه لإنجاز دراسة موسَّعة ومعمَّقة تتناول تفاصيل حياته.

بارك الله أحفادَكم، ودعواتكم لحفيديّ حمزة ويحيى بالهداية والتوفيق.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading