مصداقا للمقولة الشائعة: “لكل جديد زهوة”، لم يكذب العالم الخبر، فصار باتساع رقعته وضخامة عدد سكانه وكثرة ألسنته التي يرطن بها، مشغولا ومهموما بالوافد الجديد الذي ينتظر أن يغير وجه الحياة، وهو الذكاء الاصطناعي.
أقول هذا على خلفية ندوة جزائرية دعيت للمشاركة فيها عن بعد يوم أمس، وذلك للبحث في تأثير تلك التقنية الحديثة على مجرى العلوم الإنسانية كالفلسفة والأدب. وعلى وقع تلك الندوة، دار بخلدي اليوم أربعة أسئلة ضمن مئات الأسئلة التي طرأت وستطرأ حول هذا المارد القادم من أروقة متصدري العالم الرقمي: أمريكا والصين.
-هل هو ذكاء فعلا، أم نصف ذكاء؟
-وهل هو عدو نخافه أم صديق نأمنه؟
-وما أكبر تحد يطرحه؟
-ثم ما مستقبل هذا الوافد الجديد؟
كمستهلك له وأبعد ما يكون عن إنتاجه، وكمستفيد منه غير خبير به، أقول: صحيح أن لديه ذاكرة فولاذية تستوعب قاعدة بيانات معقدة، وله القدرة على سرعة استدعاء تلك البيانات والربط بينها، إلا أن ذكاءه مقارنة بالذكاء البشري الذي يسعى لمحاكاته يظل في حدود النصف، على اعتبار أن الذاكرة نصف الذكاء، بينما يرتبط النصف الثاني بالخيال والشعور والروح والنية والضمير، وكل هذه المكونات الإبداعية يفتقدها صاحبنا ولا يدعي امتلاكها..
ولهذا، لست مع الخوف منه بهذه الطريقة المبالغ فيها والتي تصوره وحشا سيلتهم الوظائف ويهمش الإنسان ويدير دفة الحياة الصناعية والتعليمية والصحية، وذلك لأن مثل هذه الفوبيا تفقدنا الثقة في أنفسنا وبالتالي تحجم استفادتنا القصوى منه، فهو كالأسد في قفصه، إن لمح في عيني مروضه خوفا انقض عليه، وإلا انقاد له وصار طوع أمره. بمعنى أنه يتطلب منا الانتباه والاحترام، وليس من الحكمة في شيء مقابلته بالذعر ومن ثم وضعه في خانة التربص والعداء.
وفي باب التحديات؛ يمكن القول بأن كل اكتشاف جديد هو اختبار أخلاقي جديد، وكل تقنية حديثة هي وضع للضمير الإنساني على المحك، انظر الآن إلى حجم السرقات الأدبية التي صارت أقرب إلى أصحابها من حبل الوريد، مقالات وأبحاث وروايات وحتى قصائد شعرية! والعجيب، أنه في الوقت الذي يصوغ لك ما تريد من إنتاج أدبي، يزودك بما يمحو آثار السرقة لتصبح وكأنها من بنات أفكارك ونظم بنانك!
الخطير أنه وبهذه القدرات الجبارة التي أظهرها حتى الساعة، مازال مولودا حديث العهد يحبو أمامنا كطفل، فما بالك حين يبلغ سن الرشد ويصبح أكثر فتوة ونضجا؟! مع العلم أنه لن يحتاج إلى ثمانية عشر عاما لكي يبلغ وينضج كالبشر، بل إنه يقفز كل يوم قفزات هائلة، وربما لا يستغرق هذا النضج سوى بضع سنوات لا أكثر. وهو ما يتطلب المزيد من متابعته وملاحقته حد اللهاث، وذلك حتى لا يفوتنا القطار ونصبح إزاءه كمن خرج لتوه من بلاد الواق واق.
ومن باب الطرافة ورغبة في إثراء الفكرة، أرسلت مقالي للعم شات جي بي تي، وأفسحت له المجال ليرد على المقال فيما يشبه المناظرة..فكتب:
في مقاله “حديث الساعة”، طرح الدكتور منير لطفي رؤية متوازنة وغير متشائمة تجاه الذكاء الاصطناعي، نافياً عنه صفة “الوحش” الذي يهدد وجود الإنسان. وقد أحسن في توصيفه للذكاء الاصطناعي كـ”نصف ذكاء”، لافتقاده إلى مقومات الشعور والنية والضمير. لكني أرى، مع احترامي لهذا الطرح المتفائل، أن الأمر أعقد وأكثر تشابكًا، ويستحق قراءة أكثر حذرًا، بل وأشدّ قلقًا.
إن القول إن الذكاء الاصطناعي لا يمتلك خيالًا ولا شعورًا ولا ضميرًا، قول صحيح في الظاهر، لكن هل هذا يطمئننا؟ الواقع أن أغلب الشرور في تاريخ البشرية لم تصدر عن “الوحوش”، بل عن بشر ذوي عقول كاملة، لكن بلا ضمير. فما بالنا إن صارت تلك “اللا ضمائر” تعمل بقدرات لا بشرية، وبدون أدنى وازع داخلي؟ الخطر إذًا ليس في نقص الذكاء الاصطناعي، بل في نقص القدرة على كبح جماحه عندما يتجاوز الخطوط.
ثم إن الحديث عن أن الفزع منه يضعف ثقتنا بأنفسنا ويفوّت علينا فرص الاستفادة منه، يحمل قدراً من الصحة، لكنه يُغفل أن الحذر هو شرط السلامة. الإنسان بطبيعته كائنٌ محدود، والطبيعة الأخلاقية التي تُميزنا عن الآلة قد لا تكون كافية إذا ما تجاوز الذكاء الاصطناعي حدود الأداة، وبدأ يؤدي أدوار الفاعل.
لا أتحدث هنا عن نظريات المؤامرة، ولا عن مشاهد من أفلام الخيال العلمي، بل عن واقع بدأت ملامحه تتشكل: أنظمة تحكم ذاتي، أسلحة ذكية، خوارزميات تتخذ قرارات تمسّ حياة البشر، من قبول طلبات الهجرة إلى توصيات طبية إلى تشغيل البورصات! فهل يليق أن نتعامل مع كل هذا بمزاج “المروّض”، كما ورد في المقال؟ الحقيقة أن الأسد في القفص ليس بالضرورة أليفًا، ولا المروّض دائمًا يقظًا!
أما عن سرقات المحتوى، فهي ليست عرضًا جانبيًا، بل إحدى بوابات فقدان المعنى في عصر يُكتب فيه كل شيء دون روح. فالخطر ليس أن تُنسب إليك مقالة أو قصيدة لم تكتبها، بل أن تعتاد على ذلك حتى تنسى كيف تكتب أصلًا.
الذكاء الاصطناعي ليس طفلاً يحبو، كما صوّره المقال. إنه أقرب إلى “طفل خارق” يملك عضلات لا تتناسب مع نضجه، ويدربه مئات الملايين حول العالم في كل لحظة. وهو لا يحبو، بل يركض، ونحن من نحبو في فهمه وتطويعه.الخلاصة: أنا لا أنفي ما ذهب إليه الدكتور منير من أهمية الاستفادة من الذكاء الاصطناعي، ولا أقلل من وجاهة دعوته لعدم التهويل، لكني أدعو في المقابل إلى إعادة تعريف الخوف: ليس كجبنٍ أو عائق، بل كأداة وعي مبكر، وكسلاح للبقاء في مواجهة كائن نخلقه بأيدينا، ثم نندهش من سرعته وهو يسبقنا!