مابعد كورونا – د. منير لطفي/ طبيب وكاتب/ مصر

أتذكرون سيء الذكر ومجهول الأصل فيروس كوفيد ١٩ الذي اجتاح العالم ختام عام ٢٠١٩؟
من يطالع العالم يومها والشوارع أفرغ من الفراغ، والبيوت كالزنازين، والطائرات في مرابضها مشلولة، وأسهم البورصة في انحدار حاد، والمدارس والجامعات والمساجد مغلقة الأبواب، والمستشفيات تصدر الموتى كميناء شحن؛ لقلت أنه طوفان نوح، وخروج يأجوج ومأجوج، ونهاية العالم لا محالة..
ها قد شفي العالم وعادت الحياة سيرتها الأولى، صحيح أننا فقدنا الكثير من الأحبة والأكثر من الأموال، ولكننا كسبنا الكثير، ومن ينكر هذه المكاسب يخشى من اتهامه بالعمش..
نعم، فالأعمش ليس من فقد بعض بصره فقط، ولكنه من ينظر إلى نصف الكوب الفارغ ويهمل نصفه الملآن. وهو أيضا من ينظر إلى المرض بعين الألم لا بعين الأمل، ويرى الابتلاء بمنظور الشر لا بمنظور النعمة والخير.
من الناحية التعليمية دشنت هذه الجائحة نظاما تعليميا بديلا صار اليوم أكثر ثقة واعتمادا، بعد أن كان محل شك وعدم اكتراث، وهو الرقمنة عبر التعليم عن بعد، حتى أن هناك شهادات عليا موثوقة ومعتمدة تمنح الآن من أقاصي الجامعات. وهو ما انسحب على سوق العمل أيضا؛ إذ تخلخل جدار البيروقراطية العقيمة، ونشأ وترعرع ما يسمى بالعمل الهجين الذي اتسم بالمرونة واستفاد من التقنيات الحديثة، فجمع بين العمل من المكتب والعمل من المنزل.
ومن الناحية الطبية، كم من الخبرة اكتسبها الطب في مواجهة الأمراض المعدية، وكم من الأبحاث أجريت في مجال التشخيص والوقاية والعلاج.
ومن الناحية الأخلاقية، كم من زيف تكشف فيما يخص مافيا الأدوية وبخاصة لعبة التطعيمات التي صارت إبانها محل استقطاب سياسي.
وكذلك من الناحية الثقافية؛ فكم من إبداعات أدبية خرجت إلى النور لتكشف عن جوانب خفية في الإنسان وما كانت لتجد طريقها لولا العزلة الإيجابية التي عاشها الأدباء آنئذ..أنا شخصيا أنجزت كتابي (أحسن تأويلا) في زمن قياسي طي تلك الجائحة.
أما من الناحية الإيمانية والاجتماعية والبيئية، فأحيلك إلى ٣٣ فائدة جمعها الداعية جاسم المطوع عبر ما يشبه البحث الميداني بين جيش متابعيه، ومنها أعجبني قول أحدهم: جعلتنى الأزمة أتوقف وأقيم حياتي وأعمالي وأرتب أولوياتي، واكتشفت أنني ضيعت الكثير من الوقت على أهداف تافهة.
وقول آخر: عرفت قيمة وأهمية الوضوء لكل صلاة، والغسل، والاهتمام بالنظافة التي كان يدعو الإسلام لها كثيرا.
أما القول الثالث فألمح إلى استفادة الأشجار والجبال والبحار التي لم تتلوث وقت الأزمة بسبب توقف الطائرات والمصانع وتراجع الانبعاثات الكربونية السامة.
مؤكد أننا الآن، ورغم الألم الباقي في الذاكرة، وفيما بعد كورونا بست سنوات؛ بتنا أكثر وعيا بقيمة العافية، وإدراكا لمعنى الحرية، واحتراما لحقوق الآخر الصحية، ويقينا بأن للكون ربا يحميه بعين لا تغفل ولا تنام.



