الخيل… حين تركض الحرية وكأنها قطعه من الريح✍علي نفنوف

لا أعرف كائناً يشبه الحلم أكثر من الخيل.
كلما رأيت حصاناً يعدو في فضاء مفتوح شعرت أن الحرية وجدت جسداً مؤقتاً لها وأن الريح قررت أن تُرى بالعين المجردة. فبعض الكائنات تُقاس بأحجامها أو بقوتها أو بمنافعها، أما الخيل فلا تُقاس إلا بالأثر الذي تتركه في النفس. إنها من تلك المخلوقات التي تجعل الإنسان يتوقف عن النظر إليهاعلى انها حيواناً، ويبدأ بتأملها بوصفها فكرة.
وربما لهذا السبب رافقت الخيل الإنسان منذ فجر الحضارات لأنها الأسرع دائماً، و لأنها الأقوى دائماً، و لأنها الكائن الذي استطاع أن يمنح الإنسان شعوراً نادراً بالاتساع. فمن فوق ظهرها اتسعت الطرق، وتقاربت المدن، وخفت وطأة المسافات، وكأنها لم تكن تحمل الإنسان فحسب، انما كانت تحمل أحلامه إلى ما وراء الأفق.
ثمة مفارقة تسكن الخيل منذ الأزل فهي مخلوق وُلد للقوة لكنه لم يفقد رقته. تستطيع أن تقتحم ضجيج المعارك، ثم تنصت إلى لمسة يدٍ حانية. تمتلك عضلات المحارب وقلب الشاعر في آن واحد. ولذلك أحبها الملوك والفرسان والشعراء والفلاسفة، فكل واحد منهم رأى فيها شيئاً من نفسه.
ولعل أجمل ما في الخيل أنها لا تمارس استعراض القوة. الأسد يعرف أنه ملك الغابة، والصقر يعرف أنه سيد السماء، أما الحصان فيبدو وكأنه يجهل عظمته. يركض بكامل جماله دون ادعاء، ويقف بكامل هيبته دون أن يطلب الإعجاب. لهذا تبدو الخيل في نظري إحدى الصور النادرة للتواضع النبيل.
ومنذ أن بدأ الإنسان يدوّن تاريخه كان صهيل الخيل حاضراً في هوامش الأحداث الكبرى. من سهول آسيا الوسطى إلى عربات الفراعنة، ومن جيوش الإغريق والرومان إلى الفتوحات العربية والإسلامية، ظلت الخيل شاهدة على انتقال الحضارات وصعود الإمبراطوريات وسقوطها.
ولم تكن الخيل مجرد وسيلة للنقل أو للحرب، كانت شريكاً في صناعة التاريخ. فكثير من القادة الذين حفظت كتب التاريخ أسماءهم ما كانوا ليصلوا إلى ما وصلوا إليه لولا تلك الكائنات النبيلة التي قطعت الصحارى والجبال والأنهار حاملةً أصحابها نحو المجد أو نحو المصير.
وقد منح العرب الخيل منزلة استثنائية. لم يحفظوا أنسابها عبثاً، ولم ينسجوا حولها كل ذلك الشعر مصادفة. كانوا يرون فيها عنواناً للمروءة والعزة والكرامة. لذلك ارتبطت الفروسية لديهم بالأخلاق قبل ارتباطها بالسلاح. وكان الفارس يُعرف من فرسه، كما يُعرف الفرس من فارسه.
وفي القرآن الكريم تتجلى صورة الخيل في واحدة من أكثر الصور رهبةً وجمالاً، في قوله تعالى:
﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾
وكأن النص القرآني لا يصف حركة الخيل فحسب، بل يرسم لوحة كاملة للسرعة والشجاعة والوفاء. كما جاء في الحديث الشريف:
«الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة».
ولم يكن هذا الحضور الديني منفصلاً عن حضورها في الوجدان العربي، حيث كان امتداداً له.
ومن أشهر الخيول التي خلدها التاريخ “السكب” فرس النبي محمد ﷺ، و”دلدل” الذي بقي اسمه حاضراً في الذاكرة الإسلامية، و”بوسيفالوس” الحصان الأسطوري الذي رافق الإسكندر الأكبر في فتوحاته، و”مارنغو” حصان نابليون بونابرت، و”كومانشي” الذي تحول إلى رمز تاريخي في الولايات المتحدة.
ولعل قصة بوسيفالوس من أكثر قصص الخيل إنسانية وإدهاشاً. فقد كان حصاناً عجز الفرسان عن ترويضه، حتى لاحظ الفتى الإسكندر أنه يخاف من ظله. أدار رأسه نحو الشمس، وربت على عنقه، ثم امتطاه. ومنذ تلك اللحظة بدأت واحدة من أشهر الصداقات بين إنسان وحصان في التاريخ. وعندما مات بوسيفالوس بعد سنوات طويلة من الحروب، حزن عليه الإسكندر وأطلق اسمه على مدينة كاملة تخليداً لذكراه.
أما العرب فقد خلدوا خيولهم بالشعر كما خلدوا فرسانهم. ويكفي أن نتذكر قول امرئ القيس:
«مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقبِلٍ مُدبِرٍ معاً كجُلمودِ صخرٍ حطَّه السيلُ من علِ»
حيث تتحول الخيل إلى قوة طبيعية جارفة.
ثم يأتي المتنبي ليجعلها شريكاً في المجد حين يقول:
«الخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفني والسيفُ والرمحُ والقرطاسُ والقلمُ»
ويقول أيضاً:
«أعزُّ مكانٍ في الدنى سرجُ سابحٍ وخيرُ جليسٍ في الزمان كتابُ»
فكأن السرج عنده عرش الفارس، وكأن الحصان جناح الإنسان الأرضي.
ولم يتوقف حضور الخيل عند الشعر. فقد انشغل بها الفنانون عبر القرون. رسمها ليوناردو دافنشي في دراساته الشهيرة، وخصص لها الرسام الإنجليزي جورج ستابس عشرات الأعمال التي جعلت منه أعظم رسام للخيول في التاريخ الأوروبي، بينما جعلها تيودور جيريكو وإدغار ديغا بطلة للعديد من لوحاتهم.
أما الفلاسفة، فقد رأوا فيها أكثر من حيوان. فشبّه أفلاطون النفس البشرية بعربة تجرها الخيول، أحدها يمثل العقل والآخر يمثل الرغبات، بينما ارتبط اسم الفيلسوف نيتشه بحادثة مؤثرة عندما شاهد حصاناً يُجلد في أحد شوارع تورينو، فاحتضنه باكياً في مشهد ظل يلاحقه في كتب الفلسفة والسير.
ولعل سر الخيل لا يكمن في جمالها وحده. فهناك حيوانات جميلة كثيرة، ولا في قوتها وحدها، فهناك مخلوقات أشد بأساً منها. السر يكمن في تلك العلاقة الغامضة التي نشأت بينها وبين الإنسان. علاقة جعلت الملوك يبكون عند موت خيولهم، والشعراء يكتبون عنها كما يكتبون عن الأحبة، والفنانين يلاحقون صورتها جيلاً بعد جيل.
لهذا بقيت الخيل أكبر من مجرد حيوان نبيل. إنها ذاكرة تعدو. وقصيدة كتبتها الطبيعة بلغة العضلات والضوء والريح. وكلما دوّى صهيلها في مكان ما، شعرت البشرية أن شيئاً قديماً يستيقظ في أعماقها؛ شيئاً يشبه الحرية الأولى، والشجاعة الأولى، والحلم الأول بالوصول إلى الأفق.
الأعراس في التراث العربي:
في كثير من مناطق الجزيرة العربية وبلاد الشام والعراق، كانت العروس تُزف أحياناً على فرس مزينة بالأقمشة الملونة والحلي والشراريب، ويسير حولها الرجال والنساء بالأهازيج والزغاريد. وكان الحصان الأبيض يُعد رمزاً للنبل والطهارة والفأل الحسن.
وكان أهل البادية يفاخرون بخيولهم في الأعراس، حتى إن بعض الفرسان كانوا يرافقون موكب العروس باستعراضات الفروسية وإطلاق الأهازيج، وكأنهم يعلنون أن هذه المرأة تدخل بيتاً يحميه الفرسان.
تروي بعض الروايات الشعبية أن العروس كانت تُركب على فرس أبيض ليلة الزفاف، فإذا بقي الحصان هادئاً طوال الطريق عُدّ ذلك بشارة خير للحياة الزوجية، أما إذا نفر أو تعثر فقد يراه الناس نذيراً يستوجب الدعاء وطلب البركة.
ولذلك كان يُختار للحفل أكثر الخيول هدوءاً وأصالة.
في ثقافات أخرى
لم تكن هذه العادة عربية فقط؛ ففي مناطق من الأناضول وآسيا الوسطى والقوقاز كانت العروس تُنقل إلى بيت العريس على ظهر حصان أو في عربة تجرها الخيول، وكانت الخيول تُغطى بالأقمشة الحمراء أو المطرزة، ويُقام موكب احتفالي طويل يرافق العروس إلى منزلها الجديد.
مفارقة تاريخية جميلة
في معظم التقاليد القديمة كان العريس هو الذي يأتي على حصان لأخذ العروس، كما في مواكب الزواج الهندية المعروفة، ثم يعود بها إلى بيته وسط الاحتفال والموسيقى. وفي بعض المجتمعات النادرة كانت العروس نفسها تمتطي الحصان وتقود الموكب إلى بيت العريس، وهو تقليد عُدَّ رمزاً لقوة المرأة ومكانتها.
ومن أجمل ما قيل في معنى هذه الرحلة أن الحصان كان “الجسر الحي” الذي يحمل العروس من حياة إلى حياة، ومن اسم عائلة إلى اسم عائلة، ومن باب الطفولة إلى باب الشراكة والقدر. ولذلك بقيت صورة العروس فوق صهوة جواد أبيض واحدة من أكثر صور الأعراس حضوراً في الذاكرة الشعبية حتى اليوم.
الخيل في قصور الملوك:
كان بعض الملوك يخصصون إسطبلات فاخرة تفوق بيوتها جمالاً بيوت كثير من الناس. وكانت الخيول الأصيلة تُفرش لها الأرض بالرمل النظيف أو القش الجيد، وتُغذى على أجود أنواع الشعير والتمر والبرسيم.
وكان الخلفاء والأمراء العرب يرسلون أطباء بيطريين خاصين لمتابعة خيولهم، ويعرفون أنسابها كما يعرفون أنساب القبائل.
تكريم الخيل بعد المعارك
تروي المصادر أن بعض القادة كانوا يمنحون خيولهم الراحة لأشهر بعد الحملات العسكرية الطويلة، ويمنعون استخدامها في أي عمل شاق.
ومن أشهر الأمثلة فرس القائد القرطاجي هانيبال برقا الذي قطع معه جبال الألب في واحدة من أعظم الحملات العسكرية في التاريخ.
أما الإسكندر الأكبر فقد اشتهر بحبه الشديد لفرسه الشهير بوسيفالوس. وتقول الروايات إنه عندما مات الحصان بعد سنوات من الحروب، أسس الإسكندر مدينة كاملة حملت اسمه تخليداً له.
في العصر الإسلامي كانت الخيول العربية الأصيلة تُشترى بأثمان هائلة. وكان بعض الخلفاء يمنحون أصحاب الخيل النادرة أراضي أو أكياساً من الذهب مقابل فرس متميز.
وقد ذُكر أن هارون الرشيد كان يملك آلاف الخيول في إسطبلاته، وكان يعتني بها عناية استثنائية
أسماؤها ..النسب والأصالة:
من أشهر سلالاتها نذكر .. الكحيلان، الصقلاوي، العبيان، الحمداني، المعنقي، الشويمان، والهدبان. كما اشتهرت أسماء خيول عربية وتاريخية مثل: السكب، المرتجز، اللحيف، الورد، اللزاز، الطرف، المراوح، البحر، الظرب، الأدهم، اليعسوب، الشقراء، الجون، والصموت. وأطلق العرب على الخيل ألقاباً وأوصافاً كثيرة منها: الجواد، العتيق، الصافن، المطهم، السابق، العتاق، الأدهم، الأشقر، الكميت، الأشهب، الأبلق، الأغر، والمحجل، وهي تسميات تصف أصالة الخيل أو ألوانها أو صفاتها. أما عالمياً فقد خلد التاريخ أسماء خيول شهيرة مثل بوسيفالوس حصان الإسكندر الأكبر، ومارينغو حصان نابليون بونابرت، وكوبنهاغن حصان دوق ويلينغتون، وكومانش، وسيكريتاريات، ومان أوف وور، لتبقى الخيول، بأسمائها وألقابها، رمزاً للقوة والوفاء والفروسية في مختلف الحضارات.
وأخيراً:
لهذا نحب الخيل.. لأنها تختصر في حضورها كثيراً مما نبحث عنه في أنفسنا: الحرية، والكبرياء، والوفاء، والقوة التي لا تتخلى عن رقتها. نحبها لأنها تحمل في صهيلها صدى التاريخ، وفي عينيها سكينة البراري، وفي اندفاعها شغف الحياة نفسها. ولهذا بقيت الخيل، على مر العصور، أكثر من حيوان نبيل؛ بقيت رمزاً إنسانياً خالداً يوقظ فينا الحلم كلما مرت أمامنا كأنها قطعة من الريح.





