قصة فنان:غويا – علي نفنوف

يعد فرانسيسكو_غويا واحدا من اهم الفنانين في تاريخ الفن الاوروبي الحديث لما مثله من انتقال جذري من الفن الكلاسيكي القائم على التزيين والتمجيد الى فن نقدي انساني يكشف العنف والظلم والجنون الكامن في المجتمعات والسلطات ولد غويا في اسبانيا في بيئه متواضعه ونشأ قريبا من الناس البسطاء وهو ما انعكس لاحقا في نظرته الحاده للواقع الاجتماعي والسياسي المحيط به منذ بداياته لم يكن فنه منفصلا عن الحياه بل كان مرآه صادقه لها
في شبابه سافر غويا الى ايطاليا حيث تعرف على الفنون الكبرى لعصر النهضه لكنه عاد الى بلاده حاملا قناعه فكريه مختلفه مفادها ان الفن ليس تقليدا للجمال فقط بل وسيله للمعرفه وكشف الحقيقه مع مرور الوقت استطاع ان يدخل البلاط الملكي الاسباني ويصبح رساما رسميا للعائله الحاكمه الا ان قربه من السلطه لم يفقده نظرته النقديه بل زادها عمقا فقد رسم الملوك والنبلاء بواقعيه قاسيه كاشفا الفراغ والضعف خلف المظاهر الفاخره
شكل المرض الذي اصاب غويا في منتصف عمره نقطه تحول حاسمه في مسيرته الفنيه حيث فقد سمعه نهائيا ودخل في عزله نفسيه طويله هذا الصمم لم يكن حدثا جسديا فقط بل كان بوابه الى عالم داخلي مظلم مليء بالهواجس والكوابيس من هنا بدأ غويا يرسم الانسان كما هو في ضعفه وخوفه وجنونه وظهرت اعماله النقديه التي هاجم فيها الخرافه والفساد الديني والاجتماعي
من اهم هذه الاعمال سلسلة الكبريتشوس التي قدم فيها نقدا لاذعا للمجتمع الاسباني مصورا البشر في اشكال مشوهه ونفسيات منحرفه حيث اصبح العقل الغائب سببا لظهور الوحوش هذه الاعمال جلبت له مراقبه شديده من السلطات ومحاكم التفتيش ورغم انه لم يسجن ولم يعدم الا انه عاش تحت ضغط سياسي وخوف دائم من القمع
عندما اندلعت الحروب في اسبانيا نتيجة الغزو الفرنسي تحول غويا الى شاهد بصري على الماساه الانسانيه فرسم سلسلة كوارث الحرب التي تعد من اخطر الوثائق الفنيه في التاريخ حيث صور الاعدامات والعنف ضد المدنيين والتشويه الجسدي دون تمجيد او بطوله هذه الاعمال لم تنشر في حياته بسبب خطورتها لكنها تركت اثرا عميقا في الفكر الانساني والفن السياسي العالمي
في اواخر حياته عاش غويا منعزلا في منزله المعروف ببيت الاصم وهناك رسم على جدرانه ما عرف لاحقا باللوحات السوداء وهي اعمال قاتمه مليئه بالرعب والياس تعكس صراعا داخليا مع الموت والزمن والسلطه من اشهرها لوحة زحل يلتهم ابنه والتي فسرت بوصفها رمزا للسلطه التي تلتهم شعوبها
هرب غويا في سنواته الاخيره الى فرنسا خوفا من القمع السياسي وعاش في منفاه حتى وفاته دفن هناك وبعد سنوات عند نقل رفاته الى اسبانيا اكتشف ان جمجمته مفقوده ويعتقد انها سرقت لاغراض علميه وهكذا د فن جسده بلا راس في مفارقه تاريخيه عميقه الدلاله لفنان فقد سمعه في الحياه وفقد راسه بعد الممات
رغم ذلك بقي غويا حاضرا بقوه في تاريخ الفن العالمي فقد اثر في التعبيريه والسرياليه والفن المناهض للحرب ورسخ فكره ان الفن ليس جمالا فقط بل موقف اخلاقي وشهاده على العصر لقد صرخ غويا بفنه نيابه عن الانسان المقموع والمهمش وما زال صوته البصري حتى اليوم شاهدا على ان الفن الحقيقي لا يموت ولا يصمت
هذا المقال يقدم غويا بوصفه فنانا انسانيا لا ضحيه مقصله بل ضحيه عصر حول الالم والخوف الى لغه بصريه خالده جعلت منه مرجعا اساسيا في الدراسات الفنيه والفلسفيه والانسانية المعاصره
حكاية لوحة
الثالث من مايو 1808
تعد لوحة الثالث من مايو 1808 اهم اعمال فرانسيسكو غويا واكثرها تاثيرا في تاريخ الفن الانساني اذ تجسد لحظة اعدام جماعي للمدنيين الاسبان على يد الجنود الفرنسيين عقب انتفاضة مدريد ضد الاحتلال لم يرسم غويا نصرا ولا بطولة بل نقل مشهد الجريمة كما رآها بعين شاهد صامت
تصور اللوحة مجموعة من الجنود بوجوه مخفية واسلحة مصوبة نحو مدنيين عزل تتجسد في وجوههم مشاعر الخوف والياس وفي مركز المشهد يقف رجل بقميص ابيض رافعا ذراعيه في وضعية تشبه الصلب ليصبح رمزا انسانيا عالميا للضحية البريئة الضوء الصادر من فانوس ارضي يعمق الماساة ويؤكد غياب العدالة الالهية امام عنف السلطة
بهذه اللوحة كسر غويا تقاليد الرسم الكلاسيكي وقدم اول تصوير فني صريح للاعدام السياسي مما جعل العمل مرجعا عالميا في الفن المناهض للحرب وحقوق الانسان ومصدر الهام لاحق لفنانين مثل بيكاسو في لوحة غيرنيكا
معلومات عن اللوحة
اسم اللوحة
الثالث من مايو 1808
الفنان
فرانسيسكو غويا
سنة التنفيذ
1814
الخامة
زيت على قماش
المكان الحالي
متحف برادو الوطني
مدريد اسبانيا
قياس اللوحة
268 سنتيمتر طولا
347 سنتيمتر عرض





