ضفائر الشعر بين الجمال والروح في الفلكلور الكردي-علي نفنوف

ليست ضفائر الشعر مجرد تسريحة انثوية او عادة جمالية متوارثة بل هي واحدة من اقدم الرموز الانسانية التي جمعت بين الجسد والروح والذاكرة الثقافية في آن واحد فمنذ فجر الحضارات ارتبط الشعر بالقوة والحياة والهوية وكانت طريقة جمعه وتضفيره فعلا يتجاوز الشكل الى المعنى ويتجاوز الزينة الى الطقس
في الثقافة الكردية تحتل الضفيرة مكانة خاصة وعميقة فهي ليست مجرد تقليد شعبي بل ممارسة روحية رمزية تحمل دلالات وجودية فالمرأة الكردية حين تضفر شعرها لا تفعل ذلك فقط لترتيبه او تجميله بل تمارس فعلا طقوسيا صامتا يشبه الصلاة اليومية او التامل الداخلي حيث تتحول الضفيرة الى لغة غير منطوقة بين الجسد والكون
في الفلكلور الكردي تمثل الضفيرة الخطوط الثلاثة الاساسية في كيان الانسان الجسد والعقل والروح وهذه الثلاثية ليست عشوائية بل تعكس فلسفة عميقة في فهم الذات فالجسد هو المادة الظاهرة والعقل هو الوعي المفكر والروح هي الجوهر الخفي والضفيرة هي فعل الجمع بين هذه الابعاد الثلاثة في شكل واحد متماسك كان المراة تعيد ترتيب وجودها كل صباح عبر خيوط شعرها
ولهذا السبب كثيرا ما ارتبطت الضفائر في الاغاني الكردية الشعبية بالحب والفقد والانتظار والحنين فهي ليست تفصيلا شكليا بل عنصر سردي حاضر في الذاكرة الجمعية فالضفيرة الطويلة السوداء في المخيال الكردي ليست فقط علامة جمال بل رمز الصبر والوفاء والارتباط بالارض والجبل والهوية
وفي طقوس الزواج الكردية تحتل الضفيرة دورا محوريا حيث تزين بالشرائط والاقمشة والخرز في اشارة الى الانتقال من مرحلة الى اخرى من الطفولة الى الانوثة ومن الفرد الى الشراكة ومن الذات الى المصير المشترك وكان الضفيرة هنا تصبح جسرا بين الزمنين الماضي والمستقبل
حتى في الحداد والفقد كانت الضفيرة تحمل معنى خاصا ففي بعض المناطق الكردية كانت المراة تفك ضفيرتها في لحظات الحزن الكبرى وكانها تعلن تفكك النظام الداخلي او انهيار التوازن بين الجسد والعقل والروح فالضفيرة حين تفك لا تعني فقط شعرا منفلتا بل روحا خرجت عن انتظامها الكوني
ان الضفيرة في الثقافة الكردية ليست زينة بل نص بصري صامت يكتب على الجسد لغة الوجود وهي واحدة من اجمل اشكال الفلكلور غير المكتوب حيث تتحول المراة نفسها الى مخطوطة حية يحمل جسدها ذاكرة شعب وفلسفة حياة كاملة دون ان تنطق بكلمة واحدة
هكذا تصبح ضفائر الشعر في الفلكلور الكردي فعلا روحيا قبل ان تكون مظهرا جماليا وتمرين يوميا على اعادة التوازن بين الداخل والخارج بين الفوضى والنظام بين الانسان وذاته وبين الانسان والعالم
معلومة تاريخية:
ان كنت تظن ان ضفيرة الشعر او ما تُعرف بالجديلة ، حديثة العهد
فارجع بالزمن الاف السنين الى الوراء حيث بلاد الرافدين ، سترى الضفيرة منحوتة بشكل واضح لتمثال يصور الهة مقدسة وعلى الأرجح انها الالهة عشتار فهي تلبس رداء عشتار و تضع على راسها تاج الالوهية ونجد القرنين يرافقان التاج اعلى رأسها .
نلاحظ بوضوح جدائل الشعر و الضفائر الجميلة. ولذلك التقليد العراقي لعمل الضفائر ، هو ذو اصول رافدينية موغلة بالقدم
يعود هذا التمثال الى بلاد ما بين النهرين ، الفترة البابلية القديمة في عام ( 2003-1595 ) قبل الميلاد.
التمثال محفوظ في متحف السليمانية _ العراق.





