فنون تشكيلية

ربا قرقوط حين يتحول اللون الى سيرة داخلية للروح-علي نفنوف

مجموعة من اللوحات الفنية الملونة، تشمل مناظر طبيعية وشخصيات، مع صورة لامرأة تقف أمام إحدى اللوحات.

ربا قرقوط فنانة تشكيلية سورية تنتمي الى جيل اشتغل على الفن بوصفه حالة وجودية لا مجرد ممارسة تقنية هي خريجة كلية الفنون الجميلة جامعة دمشق قسم الاتصالات البصرية عام 2003 نشأت بين الكويت وسوريا في بيئة قريبة من الفن حيث كان جدها خطاطا وخالها رسام كاريكاتير ما جعل علاقتها بالرسم تبدأ مبكرا كحاجة داخلية لا كهواية عابرة انخرطت لاحقا في المشهد التشكيلي السوري عضوا في اتحاد الفنانين التشكيليين السوريين وعملت ايضا في تدريس الفنون ما منح تجربتها بعدا معرفيا وتربويا الى جانب بعدها الابداعي

تقوم تجربة ربا قرقوط على اشتباك واضح بين التعبيرية والتجريد اللوني حيث لا تسعى الى نقل الواقع كما هو بل الى تفكيكه واعادة بنائه عبر اللون والملمس والحركة في السطح التشكيلي اعمالها لا تعتمد على الموضوع المباشر بقدر ما تشتغل على الحالة النفسية والانفعالية للانسان فاللوحة عندها ليست مشهدا بل شعورا واللون ليس اداة بل لغة كاملة تقول بها ما تعجز الكلمات عن قوله لذلك تبدو لوحاتها وكأنها مساحات بوح داخلي تتقاطع فيها الرغبة مع القلق والهدوء مع التوتر والحنين مع الاسئلة الوجودية

في كثير من مراحلها ركزت على الوجوه البشرية لكن ليس بوصفها بورتريها تقليديا بل كمساحات تعبيرية مفتوحة على الاحساس حيث تتحول الملامح الى اشارات لونية ويغيب التفصيل لصالح الجو العام وكأن الوجه عندها هو خريطة شعورية لا ملامح فيزيائية وفي مراحل اخرى اتجهت الى التجريد الصريح حيث تختفي الاشكال تماما لصالح حركة اللون والخط والملمس فتغدو اللوحة اقرب الى موسيقى بصرية تقوم على الايقاع الداخلي لا على الموضوع الخارجي

من حيث التقنيات تعتمد ربا قرقوط على الزيتي والاكريليك والمائي وتشتغل كثيرا على بناء السطح عبر الطبقات والملامس الخشنة ما يمنح لوحاتها حضورا ماديا قويا يكاد يقترب من النحت داخل اللوحة هذا الاشتغال على الملمس يجعل اللون عندها ليس مسطحا بل عميقا متحركا نابضا بالحياة ويعكس اهتمامها بما يسمى النص اللوني حيث لا تكون اللوحة مجرد صورة بل نص بصري مفتوح على التأويل

شاركت ربا قرقوط في عدد كبير من المعارض الفردية والمشتركة داخل سوريا وخارجها من ابرز معارضها الفردية معرض امواج من بوح الذي قدمت فيه تجربة انسانية قائمة على تشبيه الحالة النفسية بحركة البحر والمد والجزر ومعرض سكون في دمشق الذي اشتغلت فيه على جماليات الصمت والهدوء الداخلي من خلال وجوه نسائية حالمة كما شاركت في معارض جماعية في سوريا وتركيا والعراق ومصر الى جانب مشاركاتها في معارض الربيع والخريف التي تقيمها المؤسسات الفنية السورية

في تصريحاتها ترى ربا قرقوط ان الرسم ليس فعلا تقنيا بل حالة روحية وانها لا تستطيع ان ترسم في مزاج سيئ لان اللوحة بالنسبة لها امتداد للحالة الداخلية لا انفصال عنها وتؤكد ان اهم ما في العمل الفني هو الصدق لا الجمال الشكلي وان اللوحة التي لا تحمل تجربة شعورية حقيقية تبقى مجرد تمرين بصري كما تشير الى تأثرها بعدد من رواد الفن السوري مثل فاتح المدرس ولؤي كيالي ونذير نبعة اضافة الى تأثرها بمرحلة بيكاسو الزرقاء من حيث الحس الانساني واللون العاطفي

نقديا ينظر الى تجربة ربا قرقوط بوصفها تجربة قائمة على البحث لا على التكرار حيث يرى نقاد تشكيليون ان اعمالها تمثل مشروعا ثقافيا اكثر منها انتاجا جماليا فقط لانها تشتغل على تطوير العلاقة بين اللون والسطح والحالة النفسية وتحاول تحويل اللوحة من مشهد بصري الى تجربة شعورية كاملة كما يرى بعض النقاد ان هدوء اعمالها هو احد عناصر قوتها لانها لا تصرخ ولا تستعرض بل تهمس وتدع المتلقي يدخل اليها بهدوء دون صدمة بصرية او رمزية مفتعلة

تجربة ربا قرقوط في مجملها يمكن قراءتها كسيرة داخلية مكتوبة باللون لا بالكلمات حيث تتحول اللوحة الى مرآة للروح واللون الى لغة للذات والسطح التشكيلي الى مساحة اعتراف صامت وفي مشهد فني يميل في كثير من الاحيان الى الاستعراض او المباشرة تحتفظ ربا قرقوط بمسافة شاعرية خاصة تجعل اعمالها اقرب الى حالات تأملية طويلة العمر لا الى لحظات استهلاكية عابرة وهي بذلك تمثل نموذجا للفنان الذي يرى في الفن فعلا وجوديا لا مهنة وفي اللوحة حياة اخرى موازية للحياة اليومية اكثر صدقا وعمقا وهدوءا

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading