لوركا سبيتي… حين تصبح الكلمة وطناً✍علي نفنوف-دبي

في مسألة الوعي كثيراً ما تتدخل المصادفات وأحياناً يأخذنا الإصرار إلى أصوات مختلفة أصوات لا تستعير ملامحها من أحد… ولا تشبه إلا ذواتها. أصوات لا تكتفي بأن تقول الأشياء كما تبدو ..أصوات تتحاوز الاعماق .. تذهب إلى ما وراءها.. إلى السر الخفي .. إلى ذلك المكان الذي تلتقي فيه الفكرة بالقلب.. ويلتقي فيه العقل بأسئلته القديمة.
ولست هنا بصدد كتابة قصيدة، ولا أبحث عن إنشاء عابر أو مديح مجاني، بقدر ما أتحدث عن إمكانية هائلة للجمال.. عن حضور يمر كل صباح مثل أعمدة الضوء وكهذا المطر الهاطل فوق يخضور النهر.. وعن طمأنينة نادرة ما زالت قادرة على مقاومة هذا التعب الذي يحيط بنا من كل الجهات.
أتحدث عن امرأة استطاعت أن تجعل من الثقافة سلوكاً ومن الشعر هوية، ومن الفلسفة طريقة خاصة للنظر إلى العالم.
وعندما أفتش عن لوركا… فإنني في الحقيقة أفتش عن شيء يشبهني. شيء انتمي اليه في اللاوعي هذا الانتماء ربما هو وعي قديم
أنتظر مقدماتها الإعلامية لا لأسمع خبراً جديداً أنما لأذهب معها بعيداً نحو مناطق أكثر عمقاً. فهي لا تتوقف عند الشكل الظاهر للفكرة حينما تحاول ان تنفذ إلى ما خلفها، وما قبلها، وما بعدها. تحدثنا عن الجوهر في امتداداته الإنسانية، وعن الإنسان في أسئلته التي لا تنتهي.
لهذا تبدو بالنسبة إلي واحدة من الإعلاميات القليلات اللواتي ما زلن يؤمنّ بأن الكلمة مسؤولية وأن الحوار فعل معرفة ومحاولة استنهاض وأن الشاشة يمكن أن تكون مساحة للتنوير وليس مجرد مساحة للظهور.
أذهب إليها لأصغي إلى لغة الصدق.
وأشعر كلما تابعتها أنني أحاول أن أكون أكثر تفاؤلاً،… وأكثر إيماناً بأن القادم يحمل شيئاً من الجمال، لأن وجود نماذج من هذا النوع يذكرنا بأن الأوطان لا تُقاس فقط بما تتعرض له من انكسارات، بل أيضاً بما تنجبه من أرواح مضيئة.قابلة للخلود
فلا يزال في بلدي شيء جميل…
اسمه لوركا سبيتي.
اقول لا زلا في بلدي شيء جميل وربما جغرافيا هي ابنه الجنوب اللبنانيه وانا ابن الساحل السوري ولكن في جغرافيا القلب هنالك مساحه تتسع لان يكون وطنا مشتركا للابداع لا اكتب عنها بوصفي شاعرا او فنانا تشكيليا او اعلاميا اراد ان يسجل مقالا
اطلاقا انا اكتب من باب الامانة الاخلاقيه للكلمه .. ومن يقرا مقال هذا يعتقد انني على معرفه شخصيه بها ولكن انا لا اعرفها لا من خلال انتاجها وبالطبع لي الشرف والفخر ان التقي بها يوما وان اقدم لها كأهداءنسخه من ديواني: قميص على قصب الخليج.. الذي صدر مؤخرا
إذاً…انا اكتب عن لوركا
الشاعرة…
والكاتبة…
والإعلامية…
والمثقفة ذات الحضور الفلسفي الهادئ…
ابنة الجنوب…
ابنة الشمس…
وحفيدة القمر.
ومن الصعب أن نفصل بين لوركا الشاعرة.. ولوركا الإعلامية، ولوركا الفيلسوف لأن هذه العوالم الثلاثة تبدو وكأنها تنبع من نهر واحد.
في الشعر، لا تنتمي لوركا سبيتي إلى اللغة المتخمة بالزخارف، ولا إلى القصيدة التي تبحث عن دهشتها في الغموض المفتعل، بل إلى ذلك النوع من الكتابة الذي يولد من القلق الإنساني، ومن هشاشة الروح، ومن الأسئلة التي لا تجد أجوبة نهائية. إنها تكتب من منطقة الأرق، ومن ذاكرة القلب، ومن تأملاتها الخاصة في الحب والغياب والإنسان. لذلك تبدو قصائدها أقرب إلى حوار داخلي طويل، تتجاور فيه العاطفة مع الفكر، ويصبح الصمت جزءاً من النص.
أما حضورها الإعلامي، فقد ظل وفياً لفكرة أن الشاشة ليست مسرحاً للاستعراض، انما نافذة للتوضيح. لم تسع يوماً إلى الضجيج، ولم تجعل من حضورها وسيلة لتقديم ذاتها، بل وسيلة لتقديم الفكرة. ولهذا احتفظت، عبر سنوات طويلة على شاشة «الجديد»، بصورة الإعلامية الرصينة التي تعرف كيف تصغي، وكيف تمنح الكلمة وقتها، وكيف تحترم عقل المشاهد.
ولعل ما يميزها أكثر من أي شيء آخر هو ذلك التوازن النادر بين الثقافة والعفوية وبين الثقة والهدوء، وبين الحضور الواثق والابتعاد عن التكلف.
أما الفلسفة، فهي ليست عندها معرفة أكاديمية فحسب، فلسفتها.. أسلوب في الرؤية. ولهذا لا تنظر إلى الأشياء من سطحها، بل من أعماقها، ولا تتعامل مع الأسئلة باعتبارها طريقاً إلى الأجوبة، انما باعتبارها طريقاً إلى المزيد من التأمل.
وربما لهذا السبب، تبدو مقدماتها الإعلامية أقرب إلى نصوص صغيرة مفتوحة على الحكمة، تحمل شيئاً من الشعر، وشيئاً من التأمل، وشيئاً من الإيمان العميق بالإنسان.
لقد استطاعت لوركا سبيتي أن تصالح بين الشعر والفلسفة والإعلام، وأن تمنح هذه العوالم لغة واحدة وهوية واحدة، دون أن يطغى جانب على آخر. ولذلك لم تكن مجرد إعلامية ناجحة، ولا مجرد شاعرة معروفة، بل تحولت إلى حالة ثقافية وإنسانية خاصة في المشهد اللبناني والعربي.
ولعل أجمل ما في تجربتها أنها لم تحاول يوماً أن تكون شبيهة بأحد، فكانت شبيهة بنفسهافقط.
وذلك وحده يكفي لكي تبقى.

لوركا… سيرة ومسار:
ولدت لوركا سبيتي عام 1979 في بلدة كفرصير في جنوب لبنان، ونشأت في بيت عرف الأدب والكلمة، فهي ابنة الشاعر اللبناني مصطفى سبيتي، وشقيقة الشاعر والصحافي فيديل سبيتي. درست الفلسفة في الجامعة اللبنانية، كما تابعت دراستها في التربية البدنية، وكانت في بداياتها عضواً في فرقة كركلا للفنون الاستعراضية.
عملت في الصحافة الثقافية وكتبت في عدد من الصحف اللبنانية والعربية، من بينها «السفير»، و«النهار»، و«القدس العربي»، كما انضمت إلى اتحاد الكتّاب اللبنانيين ونقابة الصحافة اللبنانية.
أصدرت عدداً من الدواوين الشعرية، من أبرزها: «أنت لي الآن تحرر» عام 2004، و«عند أول مرسى» عام 2009، و«ليس سوى الأرق» عام 2010، و«مصحّ عقلي» عام 2016، إضافة إلى «هذا كله قلبك» و«ذهان». كما خاضت تجربة الكتابة للأطفال، ونالت جائزة اتصالات لكتاب الطفل في الشارقة عام 2017.
تنقلت بين العمل الإذاعي والتلفزيوني، وقدمت برامج متعددة ذات طابع اجتماعي وثقافي وإنساني، من بينها «اسأل قلبك»، و«بالحب وبس»، و«مش مزح»، إلى جانب حضورها الطويل والمميز على شاشة «الجديد»، حيث أصبحت واحدة من أكثر الوجوه
الإعلامية اللبنانية ارتباطاً بالثقافة والكلمة الرصينة.
وعلى امتداد مسيرتها، بقي الشعر رفيقاً للإعلام، وبقيت الفلسفة روحاً خفية تسكن تجربتها، فبدت أقرب إلى صورة المثقف الذي يعبر إلى الناس من بوابة المعرفة والمحبة، وإلى صوت هادئ استطاع أن يحافظ على نقائه، وأن يترك أثره في الذاكرة الثقافية اللبنانية والعربية.
وإذا كانت الأوطان تُعرف بما تتركه فينا من ضوء، فإن لبنان، على الرغم من كل ما مر به، ما زال يمتلك أصواتاً تمنحنا سبباً إضافياً للإيمان بالجمال…
ومن بين هذه الأصوات…
يأتي صوت لوركا سبيتي.





