مقالات نقدية

التوترات النفسية والجدلية الروحية في قراءة نقدية لقصيدة الشاعر الليبي:  خالد  محمد احمدي  المغربي.. مقاربة بلاغية–أنثروبولوجية -اعداد: ا.د  حمام محمد

552500112 1362175655247220 6570556788782930536 n
خالد  محمد احمدي

 

إنَّ الطُّهر، مهما يكن، يمارسه الشعراء للتعبير عن صفاء النفس، واستجلاء القدرات الميتافيزيقيّة في إحياء الشخوص وإماتتها، ومحاكاة الظواهر الطبيعية. وهذا الانفتاح النِّعَمي يدخل في إطارحاكميّة الاختراق الممنوحة للإنس والجنّ، كما قال تعالى:

﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ **[سورة الرحمن: الآية 33]**.ومن بين مجالات البحث الإنساني التواصلُ مع مختلف العلائق التي يحكمها العقل، وتؤطرها الروحانيّة الدينيّة التوحيديّة، لأنَّ صراع الأشياء إنما هو من أجل إثبات قوّة التوحيد والوحدانيّة لا غير،لذلك فإنَّ هذه القراءة تحاول الوقوف عند جدليّة الروح والجسد، من خلال معجم شعريّ يفيض بالصور البلاغية، ويتقاطع مع الحداثة المادّية، ويعكس توتّرات الذات الشاعرة في سيرورتها بين الطاعة والتمرّد.

•  المتن النقدي

عندما يشتدّ الصراع داخل الهابوست، لا تكاد تنقشع عيوب النفس؛ تلك النفس السامقة التي تحنّ إلى الجمالية وآثارها على الوضع الاستيتيكي لما نعيشه ككائنات يومية، متخبطة في ضروب الحياة. هذا التلوين يكشف مبدأً أساسياً في باطن النفس: **الطموح نحو الأحسن**، ولا يقوى هذا الطموح إلا بالنظرة الإيجابية لمؤثر الدين، وصاحب القوى: مولانا، الذي خلق النفس وسوّاها، والأرض دحاها، والسماء رفعها وأغطش ليلها.

النفس – بطبيعتها – تميل إلى الغث والسمين، تشتهي وتتكابر وتُضنَى بفقرها، لكنها في مربض الحق سافرة تعج بالتناقضات. فإذا أساءت الظن، فذلك من سوء اختيارها، لأنّ الله تعالى ترك لها حرية الإرادة: *«فمن يعمل سوءاً فمن نفسه، ومن يعمل خيراً فمن الله من هنا، تأتي قصيدة خالد  محمد الاحمدي  لتضع النفس في سياق تناحر أبدي؛ نفسٌ تارةً مجنّدة للشرق، وتارةً للغرب، فلا هي استوت على الجودي ولا هي أطاعت. بل إنها – كما يصفها الشاعر – أتعبت الشيطان، وهذا ما دفعه إلى استدعاء صورة التهجد في متنغضاته. فالتهجد هنا رمز بلاغي للسفر نحو نكران الذنب العظيم، والشيطان ليس سوى وقعة خالقية وضعها الله للناس، لينبّههم إلى ضرورة إغلاق أبواب الانفلات الداخلي.

لقد جمع الشاعر في نصه بين .قيم الطاعةونزعات التمرد؛ بين النفس المطمئنة والنفس الجانحة. وفي سياق حداثي مادي متخم بالبجديات التقنية والمعلمة، ضاعت البراءة والتسامح، فغدت النفس معطاءة بلا حدود لكنها محاصَرة من السدنة من كل جانب. وهنا يكشف الشاعر، بلسان الناقد الأنثروبولوجي، عن زيفٍ يتربص بالقيم الروحية، داعياً إلى التفرد والمقاومة بالنور المستبين.

إنّ الشاعر، في صورته البلاغية، لم يكتف بالوصف بل قام بما يشبه تشخيصاً إكلينيكياً للنفس، كأنه يسائلها: لِمَ هذا العجز أمام العبثية؟ لِمَ فتح عقدة الشك والتمرد؟ لكنه يوقن أنّ لحظة التوبة، حين تلتقي النفس بهواء الله، تمحو آثار السقوط. وهكذا يظهر النص متكئاً على معجم حداثي تجريبي، يستند إلى صور رمزية مثل: *«أوصد بابك»*، كناية عن الاستسلام لقوة الارتداد النفسي نحو الماديات، أو تكرار الموت كأمرٍ متواتر يعكس عبثية الواقع.

•  الخاتمة السينمائية

في قراءة سينمائية، يمكن تقسيم القصيدة إلى ثلاثة مشاهد متعاقبة:

المشهد الأول

وجه شاحب أعيته السنون، تجاعيد غليظة، ابتسامة متعبة، ونظرة غائرة نحو جبلٍ يظنه المشاهد “أُحداً” أو “أركاند” في حوات البحر الأحمر. تقترب الكاميرا من بياض العين، ليمتزج باللون الأخضر لأعشاب القمة، كأنّ الرائي يرى الجبل يتسرب إلى عينيه.

**المشهد الثاني:

الشاعر يضحك وهو يرى خيوط الشمس تدخل من تحت بابٍ موصد. تهب الريح بعنف، كأنها محرك طائرة في طور التجريب. يوشك أن يرتعب، ثم يبتسم ويجلس من جديد، فيما يمتد النور ليكاد يلتهم قدميه.

المشهد الثالث:

وجه الشاعر المتعب يحيط به نور الشمس في لحظة انتصار، تتصاعد منها ضحكات متقطعة تشبه القهقهة. عندها ينهار باكياً، مترجياً استمرار النور، ليمحو الماديات ويترك للإنسان عيناً يقينية تنظر إلى الشمس، لا كجسم مادي بل كرمز أبدي للخلاص.

………………..

قصيدة

( ما أجمله صوت النور)

أوصد بابك

فالشارع مليء بالأشباه

وبغبار الزمن المتعثر

كل الأشياء اليوم خداع

أتركها للريح ونم

أوصد بابك

فالله القادر قد قدر

أن تعجز عن حمل حروفك

لاوطن يمكن أن يُذكر

أو شمس لتريك طريقك

أنت العاجز عن كل خطاك

الواقف وسط الجرح تئن

وتلملم بعضك في الريح

ماعدتَ أبدا من كنت

ولا أنت أبدا من صرت

أغرب عن خطواتك هيا

واجمع للميزان  القش

واكتب شعرا لهرائية هذا العمر

صعلوك أنت في بعضك

ذق طعم الأحرف واضحك

حين يجور عليك السم

ويقطع أحشاء شعورك

إضحك ..إضحك

فلتنفعك الأفكار ياهذا

فلهرائك أمكنة عدة

ومزابل أكثر مما تكتب

أوصد بابك

من أنت قل لي لتكون

في زمن هراء الأزمان

اجلس وحدك عد للوحدة

بل ضاجع بالصمت خيالك

قد تحبل بعض الافكار

فليولد شـِعرك ياهذا

أوصد بابك

اوصد بابك

فطبول اللعنات تُدق

حتى ينتصر الموت

أنت هراء

مثل بقية زمن قادم

مثل الزمن الفائت أيضا

ياهذا قلِل من شأنك

حتى تصير عظيم الشأن

اخفض جنحان الدِين انحل

وتهجد للشيطان خشوعا

لتصير  الأقرب ياهذا

ولتتنفس بعض الشيء

…..

لاقيمة أبدا للروح

حين يصير الموت إلها

ويكون القبر سكوتك

عن هذا العار

لاقيمة أبدا أبدا

للخوف أو للسجن

أو للشر

او للخير

او للكره

أو للحب

لاقيمة أبدا للروح

في زمن الطعنات

زمن الأشباه

مقتول أنت بالصمت

تتنفس موتك بسكوتك

إخسأ موتا

واهنا موتا

واشبع موتا

واشرب

واجلس موتا

وارقص موتا

في حضرة ملكوت الروح

موتٌ موت

إنك تتنامى أشباها

في سكوتك تنتظر الساعة

كيف ستلقى الله وصوتك

مقتول عمدا بسكوتك

قتلته لعنات الروح

إن الروح تتسامى

لاتقبل أبدا هذا  الموت

قتلوك سـَجنا في صمتك

خنقوك بصراخ الروح

مت ماشئت فأنت تراب

وستنبت صوتا من صمتك

وسيصرخ نورا

فالشمسُ تشرق اصواتا

 ما أجمله صوت النور

16/8/2015

خالد محمد احمدي المغربي

أديب وشاعر ليبي

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading