الاستغراب: موجز تاريخ النزعة المعادية للغرب:غضب الله✍إيان بوروما وأفيشاي مَرْغليت-ترجمة-ثائر ديب
لقد سبق للحروب ضد الغرب أن أُعْلِنَت باسم الروح الروسية، والعرق الألماني، وشنتو الدولة، والشيوعية، والإسلام. غير أن هنالك فارقًا بين أولئك الذين يقاتلون في سبيل أمة معينة أو عرق معين وبين أولئك الذين يغدون إلى المعركة من أجل عقائد دينية أو سياسية: فالأولون يُقصُون الغرباء والخارجين، ويعتقدون أنهم المختارون. أما الآخرون فغالبًا ما ينشدون الخلاص الكوني. وبالطبع، فإن الخط الفاصل بين الفريقين ليس واضحًا قطُّ؛ فالإسلام يغدو في بعض الأحيان شكلًا من الشوفينية العربية؛ ودعاية شنتو الدولة مجدت اليابانيين بوصفهم عرقًا إلهيًّا؛ أما الشيوعية فأقصت الطبقات الاجتماعية. ومع ذلك، فإن التمييز بين الاستغراب المتدين والاستغراب العلماني يبقى تمييزًا قيِّمًا ومهمًا. فالاستغراب المتدين ينزع، أكثر من تنويعاته العلمانية، لأن يتخذ صيغة مانوية، كحربٍ مقدسة تُخاض ضد فكرة الشر المطلق.
ولقد رأينا كيف عملت المصادر الدينية على تلوين اللوحة التي رسمها الاستغراب للغرب. ورأينا أيضًا كيف أثرت النظرة الأرثوذكسية الروسية إلى الكاثوليكية الرومانية بوصفها خلاصة كل ما هو فاسد وخالٍ من الروح على الأفكار الروسية عن الغرب في القرن التاسع عشر. ومعظم أشكال الاستغراب تضع العقلانية الغربية الفارغة في تعارض مع الروح العميقة للعرق أو العقيدة التي يسبح بحمدها المستغربون. غير أن أعتى أصحاب النزعة السلافية لم يصل بهم الأمر حد اعتبار الغرب بربريًّا، أو الغربيين همجًا. فمثل هذا الموقف مقصور على تيارات معينة من الإسلاموية، تشكل المصدر الديني الأساسي للاستغراب في أيامنا.
والإسلاموية، كأيديولوجيا، لم تتأثر بالأفكار الغربية سوى جزئيًّا. وتصويرها الحضارة الغربية كشكل من البربرية الوثنية هو إسهام أصيل في تاريخ الاستغراب الخصب. فمثل هذا التصوير يمضي أبعد من التحامل القديم الذي يرى أن الغرب مدمن على المال والطمع. فالوثنية هي الخطيئة الدينية الأشنع وينبغي لذلك أن تُواجَه بكل ما يملك المؤمنون من قوة وقدرة على العقاب.
والحال، أن الاستخدام المجازي للوثنية في تصوير الغرب الرأسمالي ليس جديدًا؛ وكذلك النظرة التي ترى أن اليهود هم النمط البدئي بين وثنيي هذا الغرب. فقد سبق لكارل ماركس، وهو الحفيد اللاذع لحاخام يهودي، أن علق ذات مرة قائلًا: «المال هو إله إسرائيل الغيور الذي لا يمكن أن يقف أمامه أي إله آخر. والمال يحط من شأن آلهة البشر ويحولهم إلى سلع وبضائع». كما كان على قناعة بأن «الكمبيالة هي الإله الفعلي لليهودي. فإلهه ليس سوى كمبيالة وهمية».١ ولقد تبنى الإسلامويون الجذريون لاحقًا هذا النوع من البلاغة، ولعل بعضهم قد قرأ ماركس قبل قراءة النصوص الإسلامية. لكن الاستخدام الحرفي للوثنية، والذي برز لدى الإسلام السياسي، هو اختراع جديد قاتل.
ولئلَّا نلوم الإسلام على كل شيء، تنبغي الإشارة إلى أن فكرة الوثنية بوصفها الخطيئة الدينية الكبرى قد جاءت في الأصل من اليهودية. واليهودية، من حيث المقياس والمدى، ليست ديانة كونية. ولا يكاد يكون لها حجم يفوق حجم الطائفة. غير أنه كان لليهودية أثرها الهائل في صياغة فكرة الوثنية كمفهوم ديني أساسي. ويعبر الكتاب المقدس عن الوثنية بلغة العلاقات الشخصية: الله هو الزوج وإسرائيل الزوجة، التي تخون زوجها مع عشيق، مع إله كاذب. فالوثنية زنا. وإله الكتاب المقدس الغيور يسير على غرار الزوج الغيور. وهذا واضح على نحوٍ خاص في سفر هوشع. فإسرائيل، الزوجة، تفضِّل عشاقًا آخرين على الله، وتحسب أنهم أحسن عدة في إرضاء حاجاتها المادية. وتقول: «أذهبُ وراء مُحبِّيَّ، الذين يعطون خبزي ومائي، صوفي وكتاني، زيتي وأشربتي» (هوشع٢: ٥).
وهؤلاء المحبِّين هم في الحقيقة القوى الكبرى في ذلك الزمن، ممن تحكمهم آلهة غريبة: «وزنيتِ مع جيرانكِ، بني مصر الغلاظَ اللحمَ، وزدتِ في زناكِ لإغاظتي … وزنيتِ مع بني آشور إذ كنتِ لم تشبعي، فزنيتِ بهم، ولم تشبعي أيضًا. وكثَّرتِ زناكِ في أرض كنعان إلى أرض الكلدانيين، وبهذا أيضًا لم تشبعي … ولم تكوني كزانيةٍ، بل مُحتَقِرَة الأجرة. أيتها الزوجة الفاسقة التي تأخذ أجنبيين مكان زوجها» (حزقيال ١٦: ٢٦-٣٢).
وما يبينه هذا هو أن الرؤيا الكابوسية التي ترى إلى القوى الكبرى كمصدر محتمل للإغواء، وكمنافس لحكم الرب، هي رؤيا قديمة قدم الكتاب المقدس العبراني. والعلاقة بين الزوج والزوجة ليست الاستعارة المُكوِّنة الوحيدة التي تُستخدَم للوثنية في النصوص الدينية. فاللغة الدينية مفعمة باستعارات السيادة السياسية، في وصف حكم الرب. حيث الرب، في النهاية، هو ملك الكون الشرعي الوحيد. والرب الملك هو الحاكم الحصري الوحيد لخليقته. وهذا هو السبب في أن على البشر ألا يعبدوا إلا إياه، وأي انتهاك لحصريته هو ضرب من الوثنية.
وثمة اتهام متواصل لرءوس القوى العظمى بالصلف والكبرياء بسبب انتهاكهم مملكة الرب. وإليكم ما طلب الرب من حزقيال أن يقوله لأمير صور: «من أجل أنه قد ارتفع قلبكَ وقلتَ «أنا إله؛ في مجلس الآلهة أجلسُ في قلب البحار»، وأنت إنسان لا إله، وإِنْ جعلت قلبك كقلب الآلهة … لذلك ها أنا ذا أجلب عليك غرباء، عتاة الأمم» (حزقيال ٢٨: ٢-٧).
والصلة بين الوثنية وصلف القوى الكبرى المحيطة بإسرائيل تبدو واضحةً في كلمات إشعيا (٢: ٧-٨): «وامتلأت أرضهم فضةً وذهبًا، ولا نهاية لكنوزهم؛ وامتلأت أرضهم خيلًا، ولا نهاية لمركباتهم. وامتلأت أرضهم أوثانًا؛ يسجدون لعمل أيديهم، لما صنعته أصابعهم». والمركبات والخيل كانت أسلحة ذلك الزمن الثقيلة والرموز الأساسية الدالة على القوى الكبرى. وكل ما نحتاجه لكي نحدث ذلك هو أن نغير أسماء القوى الكبرى والأسلحة الموجودة في ترسانتها. أما السخط على هذه القوى فيبقى هو ذاته.
وتغدو الوثنيةُ قضيةً ومشكلةً ما إِنْ تطالب سلطةٌ عالميةٌ بولاءٍ سياسي ينافس ما ندين به للإله. فالإسلامويون لا يرون إلى الواقع السياسي في زمننا بعين سياسية وحسب بل بعينٍ لاهوتيةٍ أيضًا. والإسلامويون الجذريون يتهمون البلدان الإسلامية ذات الحكومات العلمانية بالوثنية، أو التجهيل. حيث تنطلق هذه الاتهامات في الخطب والمواعظ الدينية في البداية لكنها سرعان ما تُتَرجَم إلى نشاط سياسي ضد عملاء الوثنية في العالم الإسلامي، وهم عادةً أصحاب السلطة، وضد المحرك الأساسي وراء هؤلاء العملاء، أي الغرب الوثني.
والتعبير المُستخدَم في الدلالة على الوثنية، أو الجهل الديني، هو الجاهلية. وهو تعبيرٌ يصف حالة الجهل التي كانت سائدة بين العرب قبل نزول الوحي على النبي. غير أن دارس الإسلام العظيم إغناز غولدزيهر (١٨٥٠–١٩٢١م) لا يوافق على الترجمة الشائعة لكلمة جاهلية، والتي تضع قبالتها كلمة الجهل، ويفضل عليها كلمة «بربرية». فهو يرى أن المسلمين آمنوا بأنَّ محمدًا قد أُرسِلَ لاجتثاث وثنية البربريين ومسح البربرية من خلال ذلك. وهذا تصويب مهم، يساعدنا على فهم قوة الاستخدام الحالي لتعبير «الجاهلية الجديدة» بوصفها شكلًا من البربرية أشد خبثًا.
فمعنى كلمة الجاهلية شبيه بمعنى كلمة «البربرية» على النحو الذي كان يفهمها به الإغريق القدماء. حيث كان التمييز بين «نحن»، أي الإغريق، و«هم»، أي البرابرة، تمييزًا بين نمطين من الكائنات البشرية. وقد استخدم الرومان هذه الكلمة في الإشارة إلى أولئك الهمج السذج، بعيدًا عن حدود الحضارة الرومانية. فالبرابرة ليسوا من البشر تمامًا. وهذا المعنى الضمني هو الذي يوضح كامل القوة التي تنطوي عليها فكرة الجاهلية الجديدة، بوصفها بربرية عصرنا المنبثقة من الغرب. وفكرة الجاهلية الجديدة هي فكرةٌ تنزع إنسانية الإنسان، وتغذي حربًا مقدسة جديدة ضد الشر، تُخاض تبعًا لمصطلحاتٍ مانوية مطلقة.
•••
والمانوية، التي أسسها ماني في فارس في القرن الثالث الميلادي، كانت ذات مرة منافسًا جديًّا للمسيحية بوصفها الدين المسيطر في الإمبراطورية الرومانية. وفي القرنين الرابع عشر والخامس عشر كان لا يزال هنالك جماعات مانوية في الصين. أما اليوم فلم يعد ثمة وجود للمانوية كدين، لكن بقايا رؤيتها إلى العالم لا تزال بين ظهرانينا. وهي تُستَخدَم كصيغة جاهزة يُوصَف بها أي مذهب يرى العالم بالأسود والأبيض، ويفصل «نحن»، أبناء النور، عن «هم»، أبناء الظلام الأشرار. وحين وصف رونالد ريغان الاتحاد السوفييتي بأنه «إمبراطورية الشر» وجمع جورج بوش الابن كلًّا من كوريا الشمالية وإيران والعراق باعتبارها «محور الشر»، كانا يتكلمان بلغة مانوية.
غير أن المانوية لا تزال تفعل فعلها بطريقة أكثر عمقًا. ففي النظرة الاستغرابية، أن الغرب يعبد المادة؛ وديانته هي المادية، والمادة من وجهة النظر المانوية هي شر. وبعبادته إله المادة الكاذب، يغدو الغرب عالم الشر، الذي ينشر سمه عن طريق استعماره عالم الخير. وذلك هو السبب الذي دفع أسامة بن لادن في العام ١٩٩٨م، لأن يدعو جميع المسلمين إلى جهاد جنود الشيطان الأمريكيين وأنصار الشر المتحالفين معهم. فالصراع مع الغرب، من وجهة نظر الاستغراب المتدين، ليس مجرد صراع سياسي بل دراما كونية، أشبه بدراما المانوية.
ولقد تشكلت المانوية، مثل كثير من الديانات، حول أسطورة معينة. ففي البدء، كان ثمة عالمان، عالم الخير، الذي يرمز له النور، وعالم الشر، الذي يرمز له الظلام. وكان هذان العالمان منفصلين، غير أن عالم الظلام كان يعاني من زعزعةٍ موروثة وانعدام للاستقرار، لأن الشر لا يمكن أن ينطوي على أي انسجام وتوازن. وذات يوم، بينما كان الشر يطوف على الحدود بين العالمين، حانت منه التفاتة إلى عالم النور ورغب في أن يضمه إليه، فغزا عالم الظلام عالم النور، وغدا بذلك إمبراطورية للشر. وهذا ما أدى إلى صراع كوني بين قوى الخير وقوى الشر، ونتيجة لهذه الحرب وُلِد العالم كما نعرفه. ومن التفاصيل المهمة في صراع العمالقة هذا أن مادة العالم قد صُنِعَت من أجساد أمراء الظلام، والأرض من فضلاتهم؛ فالأرض تقابل المادة، والموقف السلبي من الأرض هو موقف سلبي من المادة عمومًا.
هذه اللوحة المانوية، حيث يقف عالم الخير وعالم الشر المنفصلان والمستقلان تحكمهما قوتان متساويتان في بأسهما، هي اللوحة ذاتها التي نجدها لدى الديانة الزرادشتية في فارس، لكنها لوحة غير مقبولة لدى الديانات التوحيدية، ومن بينها الإسلام. ففي الرؤية التوراتية، لا يمكن أن يكون هنالك سوى مصدر واحد لكل وجود، وهذا المصدر هو الله: «أنا الرب، وليس آخر. لا إله سواي … مصوِّر النور وخالق الظلمة، صانع السلام وخالق الشر: أنا الرب صانع كل هذه» (أشعيا ٤٥: ٥-٧).
وفي الإسلام، أيضًا، تُعتبَر فكرة العالمين ضربًا من الكفر، غير أن صعوبةَ نسبةِ خَلْق الشر إلى إله قادر وخيِّر تُبقي على ضروبٍ من المانوية في الديانات التوحيدية ذاتها، على الرغم من رفضها عقيدة العالمين. وهذا ما يمكن أن نجده في المواقف الدينية من المادة. فالله في الكتاب المقدس العبراني خلق المادة حين خلق العالم وأعلن أنه حسن. لكن المادة تبقى شكلًا أدنى من الوجود، بعيدًا كل البعد عن الروح الإلهية. ويعتقد المسيحيون أن الله قد تجسَّد في يسوع، ابنه، لكن قصة التجسُّد هذه تقتصر على إلقاء الضوء على التضحية التي ينطوي عليها الظهور للبشر في جسدٍ من لحم ودم. ذلك أن الجسد ليس ضعيفًا وحسب، بل فاسد أيضًا؛ فالمادة تتحلل وتتفسَّخ، ولا يمكن قطُّ أن تكون الوسط الملائم لكينونة الله الأبدية.
ولعل أبناء النور، كما كانوا يطلقون على أنفسهم، من طائفة البحر الميت، كانوا يقارعون أبناء الظلام متأثرين بتمييز بولس بين الجسد والروح، حيث يقف الجسد في الطرف السالب من هذه القسمة. وترى الأفلاطونية، أيضًا، إلى المادة على أنها أدنى أشكال الكينونة. أما أوغسطين الذي بدأ مؤمنًا بالمانوية، فقد غدا لاحقًا خصمها العنيد. وظل محتفظًا، كأفلاطوني مسيحي، بموقف سلبي من أمور الجسد.
ولقد واصلت فكرة أن الجسد ناقص أصلًا ونزاعٌ إلى الفساد ما كان لها من تأثير على كلٍّ من المسيحية والإسلام. فالجسد البشري خاضعٌ للرغبات الجنسية التي تفضي إلى مزيدٍ من الفساد. والجسد لا يقتصر على أنه غير جدير بالإله وحسب، بل يتعدى ذلك إلى كونه غير جدير بالإنسان أيضًا. ذلك أن الإنسان يرتفع فوق المادة بالروح الإلهية فيه، أي بنفسه. ولأن البشر يمتلكون نفوسًا، بخلاف بقية المخلوقات، فهم قادرون على أن يعيشوا شكلًا من الوجود روحيًّا أنبل وأسمى.
ويمضي هذا إلى صلب الاستغراب المتدين، كما يعتنقه الإسلامويون الجذريون. والمادة، من وجهة نظر الاستغراب، التي تَشاطَرَها بعض الهندوسيين المتطرفين والشنتويين اليابانيين قبل الحرب، هي إله الغرب والمادية ديانته. أما الشرق، إذا ما تُرِك وشأنه، بعيدًا عن «الانسمام بالغرب»، فهو عالم الروحانية العميقة. والصراع بين الشرق والغرب هو صراع مانوي بين عبدة الأوثان من مادةٍ أرضية وعبدة الروح الإلهية الأقحاح.
لا شك أن فكرة الغرب الرأسمالي المادي الذي يعبد آلهةً كاذبةً لا تقتصر على المستغربين المتدينين. فقد سبق أن ذكرنا كارل ماركس، ذلك المادي المُكرَّس، الذي اعتبر «الصنمية السلعية» نوعًا من الوهم الذي يرى أن للسلع قيمةً، على نحوٍ شبيه بإيمان الوثنيين المتدينين بقدسية أوثانهم. فمن الزائف الاعتقاد أن للأشياء بحد ذاتها قيمةً أو مضمونًا مقدسًا، في حين أنها تستمد كل قيمتها وخصائصها المقدسة من العلاقات البشرية. فلا يكون شيءٌ ما مقدسًا إلا لأننا نقدسه. ولا يكون للسلعة قيمة، قيمة تبادلية، إلا لأننا نعتبرها قيمة، وليس بسببٍ من قيمة متأصلة فيها. والرأسمالية الحديثة تعزز الأوهام وترعاها، وعبدة السلعة والمال الذين يؤمنون بهما هم على ضلال مثل عبدة الأوثان.
هكذا يأتي اتهام الرأسمالية البرجوازية، مقرونةً إلى الغرب، بأنها صنمية من اتجاهين متعارضين، هما الماديون والمتدينون. فالمستغربون المتدينون ينظرون إلى عبادة الغرب للمال والسلع على أنها شيء قريب من عبادة الوثنيين للأشجار والحجارة، بعيدًا عن عالم الروح الجدير بالتعبد. والماركسيون ينظرون إلى عبادة السلع الرأسمالية على أنها شيء يشبه الوهم الديني ذاته.
ولقد حاول بعض الأيديولوجيين المتدينين، مثل علي شريعتي، الرائد الفكري للثورة الإسلامية في إيران، أن يكيفوا موضوعات ماركسية مثل فيتشية السوق مع النقد الإسلاموي للغرب. فقد نسب شريعتي كثيرًا من العلل إلى الغرب، وإلى ما استوردته منه البلدان الواقعة تحت سحره مثل الإمبريالية، والصهيونية العالمية، والاستعمار، والشركات متعددة الجنسية، وهلمَّ جرًّا، غير أن الأسوأ من ذلك كله هو اﻟ gharbzadegi، أي اتباع الثقافة الغربية الغبي والأعمى.
وكان شريعتي على قناعة بأن أمام شعوب العالم الثالث سبيلًا واحدًا وحسب لمقارعة آفات الغرب، ألا وهو تطوير هويةٍ ثقافية انطلاقًا من الدين. وهذا الدين، في حالته، هو الإسلام، خاصةً في شكله الشيعي. فقد رأى أن الدين، لا الماركسية، هو القوة المنطوية على طاقةٍ محرِّرَة. وبينما كان لا يزال يعمل مدرسًا في مدرسة ابتدائية في خراسان أوائل خمسينيات القرن العشرين، ترجم شريعتي كتاب الكاتب المصري عبد الحميد جودة السحار أبو ذر الغفاري ونشره بعنوان أبو ذر: الاشتراكي العابد. وأبو ذر هو واحد من صحابة النبي، نادى بالعدل للفقراء وأدان الأغنياء لأنهم يهجرون الإله الحق من أجل إله المال. وقد اعتبر شريعتي أبا ذر بطل التاريخ الإسلامي: «نريد إسلام أبي ذر، لا إسلام القصر الملكي؛ إسلام العدل والقيادة الحقة، لا إسلام الخلفاء والتراتب الطبقي».٢
ولقد اتسم موقف شريعتي من الماركسية بشيء من التعقيد. فقد استخدمها كأداة لتحليل المجتمع ولم ينظر إلى الماركسيين قطُّ على أنهم كفار. فالقرآن، برأيه، لا يحكم على الكفار انطلاقًا من قناعتهم الميتافيزيقية، بل انطلاقًا من أفعالهم. لكن انحرافه عن الماركسية وعن مفكري العالم الثالث الراديكاليين، مثل فرانز فانون، كان تكتيكيًّا فضلًا عن كونه جوهريًّا. فمن الناحية التكتيكية، كان يعتقد أن لا مجال لتعبئة الجماهير من غير العون الذي يمكن أن تقدمه أيديولوجيا يجلونها، أي الدين. غير أن ما كان الماركسيون يعتبرونه فيتشية بالمعنى المجازي، كان هو، بوصفه شيعيًّا راديكاليًّا، يأخذه بمعنًى حرفي تمامًا على أنه وثنية.
ولا تنص أعمال شريعتي على هذا بتلك الصراحة التي نجدها في أعمال الكتَّاب الإسلامويين الجذريين الآخرين، لكنه وضع الأساس لتحويل هذه الفكرة إلى أيديولوجيا ذات تأثير هائل. فقد نظر إلى الإسلام الجذري على أنه حركة محطِّمة للأصنام تنطلق لتدك الأوثان الغربية، التي غدت موضع تبجيل في العالم الثالث عمومًا، وفي البلدان الإسلامية على نحوٍ خاص.
غير أن تهمة الوثنية ليست مجرد تكرار لذلك الرأي الممل والمبتذل الذي مفاده أن الغرب علماني. وفكرة الغرب العلماني هي موضع شك على أية حال، ذلك أنها لا تكاد تصح على الولايات المتحدة، حيث لا يزال الدين المنظم مزدهرًا، حتى في الدوائر الحكومية العليا. ومع هذا، فإن من الافتراضات الشائعة أن التحديث يعني العلمنة.
فالغرب، كما تقول هذه القصة، خاض غمار ثورة صناعية جعلته أغنى بكثير من بقية أجزاء العالم، لكنها قطعته أيضًا عن جذوره في المجتمع الزراعي التقليدي الذي كان قائمًا في الماضي. ولقد انطوى التصنيع على تطبيقٍ متواصل للعلم والتكنولوجيا، وكان لا بد لذلك من أن يؤدي إلى العلمنة، لأن الإنتاج العقلاني في مجتمع صناعي يدعو إلى تحرِّي طريقة عمل الأشياء، تحرِّي السبب والنتيجة. وهذا ما أدى إلى ما دعاه عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر «نزع السحر عن العالم»، والذي يعني إزالة سحر الدين الذي يحجب العلاقة بين الأسباب والنتائج. ولقد تميزت صورة التحديث هذه، التي تربط النمو الاقتصادي بقطيعةٍ مع المجتمع التقليدي والدين، بقدرة خاصة على استمالة الإصلاحيين في البلدان غير الغربية. ولم يكن هؤلاء على خطأ بالكامل. غير أن استنتاجاتهم دفعتهم لسوء الحظ إلى الأقاصي، الأمر الذي يصح أيضًا على خصومهم المتدينين، الذين تمردوا عليهم في نهاية المطاف.
ولقد رأى كثير من الإصلاحيين أن كَسْرَ قالب التقاليد ينبغي أن يكون كاملًا. وعادةً ما كان ذلك يبدأ بهجومٍ على الطريقة التي يرتدي بها الناس أو يحلقون. فبطرس الأكبر جعل اﻟ boyars، أو أرستقراطيي الأرض، يحلقون لحاهم. كما جعل الكهنة يلقون عظات عن فضائل التفكير العقلي. غير أن ذلك لم يكن شيئًا بالمقارنة مع كمال أتاتورك، الذي تعهَّد في العام ١٩١٧م أنه إذا ما وصل إلى السلطة يومًا فسوف يغير الحياة الاجتماعية في تركيا دفعة واحدة. وهذا ما فعله على وجه التحديد منذ العام ١٩٢٣م. فقد ألغى أشكال اللباس الشرقية، التي غالبًا ما كانت لها دلالة دينية. ولم يعد بمقدور المرأة أن ترتدي الحجاب. ومثل قادة اليابان في عهد ميجي، شجع الحفلات الراقصة الطويلة وسواها من ضروب التسلية غربية الطراز. وكان يعتقد، مثل اليابانيين، أن الطراز الغربي أساسي في التحول إلى أمة حديثة.
وإذا ما كان اللباس وقَصَّة الشعر من علامات التغيير السطحية، فإن هَدْم «جدران الأديرة»، لكي نستخدم استعارة أخرى من استعارات ماكس فيبر، كان يُعد من قِبَل الكثيرين، بمن فيهم كارل ماركس، واحدًا من مقومات التحديث الأساسية. ومرة أخرى، كان أتاتورك ذلك المثال الحسن. فقد أعلن أن «العلم هو المرشد الموثوق في الحياة»، وأقام نظامًا تعليميًّا علمانيًّا وأغلق جميع المؤسسات التي تقوم على الشرع الإسلامي. وغدت العلمانية، في ظل أتاتورك، نمطًا آخر من الإيمان العقائدي الجامد. وهو الإيمان ذاته الذي كان لدى الإصلاحيين الصينيين في أواخر القرن التاسع عشر فيما يتعلق بالنزعة العلمية. وقد لعب هذا الإيمان العقلاني دورًا في جميع البلدان التي عاشت في ظل هذا الشكل أو ذاك من اشتراكية الدولة.
قد يكون صحيحًا وقد لا يكون أن العلمانية، أو على الأقل انسحاب الدين من العالم السياسي، هي شرط ضروري للتحديث والنمو الاقتصادي. غير أن ما يكفي من الإصلاحيين في البلدان غير الغربية كانوا يؤمنون بها، ويبدون استعدادًا لفرضها قسرًا، مما جعل المتدينين يشعرون بأنهم مهددون على نحوٍ جدي. وتمثلت ردة الفعل الجذرية على هذه التهديدات العلمانية بالنظر إلى الغرب لا على أنه متحرر من الدين — حرفيًّا، الغرب الملحد — بل بوصفه أسوأ من ذلك بكثير. فقد بدا الغرب للجذريين المتدينين عبدًا لإله المادية الكاذب والمُفسِد تمامًا. ومثل هذا التحول الجذري — أي رؤية علمانية الغرب ليس على أنها نهاية الدين، بل كعبادة وثنية لآلهة كاذبة — يحتاج إلى تفسير.
•••
يمكن للوثنية أن تتخذ شكلين اثنين، بحسب الديانتين اليهودية والمسيحية: عبادة الإله الخطأ، وهو شكل من الزنا، أو عبادة الإله الصواب بطريقة خاطئة. وليس واضحًا ما إذا كانت خطيئة الرقص حول العجل الذهبي في الكتاب المقدس عبادة للإله الخطأ أم عبادة للإله الصواب («هذا إلهك، إله إسرائيل») بطريقة خاطئة، كما اعتقد لوثر. وهذه الحالة الأخيرة تعني أن مشيئة الله، التي حددت طرق العبادة الصحيحة، قد انتُهِكَت عمدًا.
أما في الفكر الإسلامي، فلا تنطبق فكرة الوثنية السائدة على أي من هذين الصنفين انطباقًا تامًّا. فالوثنيون الأصليون كانوا عربًا يعبدون الأصنام ويعزون أفعالًا هي من عمل الله وحده إلى فاعلين آخرين كما يعزونها إلى الله أيضًا. والإيمان بمساهمة هؤلاء الفاعلين الآخرين، أو الشرك، هو ما يجعل المرء وثنيًّا. والملائكة لا تُحسَب هنا، لأنها في خدمة المشيئة الإلهية. لكن الإيمان المانوي بأنَّ العالم قد خلقته قوى تنتمي إلى عالمين متميزين كان لا بد أن يُنْظَر إليه على أنه مثالٌ واضحٌ من أمثلة الوثنية.
ولقد صيغت الفكرة الإسلامية عن الوثنية من خلال واقع المَجمَع الإلهي في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام. فقبل نزول الوحي على محمد، لم يكن الله سوى أول بين متساوين، ولم يكن وحيدًا ولا قديرًا. وفي أيام الجاهلية الباكرة تلك، لم تكن الوثنية إيمانًا بإله يُحَلُّ محل الله، بل إيمان بآلهة توجد إلى جانبه لا أكثر ولا أقل. أما الجاهلية الجديدة، التي تُقرَن بمفاعيل «الانسمام الغربي»، فمسألةٌ أخرى بالطبع.
فعبادة الغرب للحياة المادية هي شكلٌ من الوثنية أكثر جذرية وأشد خطرًا، لأنها مكرسة لإله «غريب»، تريد أن تحله مكان الإله الحقيقي الوحيد. وهذه ليست وثنية شرك بل إنكارٌ صريح لوجود الله، ومن الواضح أنها أشد سوءًا من وثنية العرب الجاهلية قبل مجيء محمد. ففي الجاهلية القديمة، كان عبدة الأصنام يعرفون الله على الأقل، ولو بطريقة مشوهة. والجاهلية الجديدة الأشد سمًّا بكثير هي الهدف الأساسي للإسلام الجذري الحديث، وهي تشكل لذلك لب الاستغراب المتدين.
ويُعَد المفكر والناشط الإيراني سيد محمود طالقاني (١٩١٠–١٩٧٩م) واحدًا من أعتى المروجين لفكرة الحرب على الجاهلية الجديدة. وقد كان له ذلك الأثر الهائل في صياغة الأيديولوجيا الثورية للثورة الإسلامية في إيران. وكان أبوه، الساعاتي المتعلم والتقي، قد أشرف على دراسة ابنه الباكرة للقرآن. وفي أوائل ثلاثينيات القرن العشرين، تسجل طالقاني طالبًا في المدرسة الدينية الجديدة والجليلة في مدينة قم المقدسة.
كان يحكم إيران في ذلك الوقت رضا شاه بهلوي، وهو رجل عسكري قوي من نمط أتاتورك، وبلغت زرايته بالدين المنظم من الشدة ما بلغته زراية ابنه، محمد رضا بهلوي، الذي خلعته الثورة الإسلامية عام ١٩٧٩م. وكان رضا شاه قد استولى على السلطة عن طريق انقلاب في العام ١٩٢١م، وراح مباشرة يحض على إصلاحات جذرية، مثل تحرر المرأة والإطاحة بالامتيازات القبلية وامتيازات رجال الدين. ومثل سواه من التحديثيين المتحمسين، هاجم أولًا أشكال اللباس التقليدية، واستخدم القوة عند الضرورة. وراح الجنود يجوبون المدن آمرين النساء بأن يخلعن الحجاب، بتهديد السلاح في بعض الأحيان، وطالبين من رجال الدين أن ينزعوا عماماتهم. كما حُرِّم على المؤمنين أن يحجوا إلى مكة، أما طلاب المدارس الدينية الذين احتجوا فأطلقت عليهم النار في الشوارع.
وكان من الطبيعي أن تثير هذه الإجراءات غضب الطالقاني، الذي انتسب إلى جماعة مسلحة تُدعى «فدائيي الإسلام» وساهم في إخفاء أحد المسئولين عن سلسلة من الاغتيالات يدعى إمامي. غير أن شهرته الدائمة تأتت من قراءته الثورية ﻟ القرآن، التي قدم من خلالها بديلًا دينيًّا جذريًّا لما كان يحمله حزب تودة الاشتراكي العلماني من أيديولوجيا ثورية. حيث يرى، في تفسيره القرآن (٢: ١٠٥) أن «ماديي هذا القرن الكفار» ليسوا سوى طبعة جديدة من الجاهلية البربرية السابقة على الإسلام. كما ينحو باللائمة على اليهود والنصارى بسبب ما يبدونه من خضوع للوثنية الجديدة عبر تطابق مصالحهم مع مصالح الاستعمار الاقتصادية.
بيد أن سيد قطب، الناشط المصري في صفوف الإخوان المسلمين، دفع فكرة الجاهلية الجديدة هذه إلى أقاصٍ أكثر عنفًا. فعند قطب، أن العالم كله، من القاهرة المنحلة إلى نيويورك الهمجية، هو في حالةٍ من الجاهلية. وكان يرى أن الغرب مبغى هائل، غارق في مهاوي الشهوة الحيوانية، والطمع، والأنانية. وأنه يعطي الفكر البشري ما للإله من مكانة.٣ ولم يجد سبيلًا لإنهاء الطمع المادي، والسلوك اللاأخلاقي، وانعدام المساواة، والاضطهاد السسياسي إلا بأن يحكم الله العالم، بشرعه وحده. وكان على قناعة بأن فرصة المرء في أن يقضي نحبه مجاهدًا كفيلةٌ بأن تتيح له التغلب على المطامح الأنانية والمضطهِدين الفاسدين. غير أن قطب، على الرغم من قناعته أن الحرب على اليهود ينبغي أن تُشَنَّ بكل الوسائل الممكنة، لم يَدعُ إلى القيام بأعمال عنيفة ضد الدول الغربية. فأهدافه المباشرة كانت الحكام المتغربنين في مصر وبقية الأمم الإسلامية.
وكان ثمة جمهور جاهز لرسالة قطب. فقد انجذب إليه أولئك الذين كانوا يستشعرون الإذلال والاضطهاد من قِبَل الاستعمار الأوروبي والملوك الذين يعاقرون الخمرة ويعاشرون النساء، ومن قِبَل الدكتاتوريات العسكرية التي أعقبت أولئك الملوك. ويتمثل واحد من مصادر الجذب التقليدية لدى الإسلام في وعده بالمساواة، أو بعالمٍ يكف فيه التنافس الاقتصادي («الطموح الأناني») عن قسمة المجتمع المسلم ويُلغى فيه الطغيان. وعند قطب، أن طريقة الحياة الإسلامية هي التي تكفل وحدها تحرير البشر جميعًا من عبودية بعضهم لبعضهم الآخر وتكريس أنفسهم لعبادة الله وحده، فلا يستهدون إلا به وحده، ولا ينحنون إلا له وحده.





