الاستغراب: موجز تاريخ النزعة المعادية للغرب:غضب الله✍إيان بوروما وأفيشاي مَرْغليت-ترجمة-ثائر ديب
وكانت الاشتراكية الثورية ذلك المنافس العلماني الأساسي للإسلام الثوري. وعملت الجذرية الدينية والماركسية على استبعاد أن تقوم فيما بينهما أي إمكانية لسياسة ديمقراطية ليبرالية، سواء في مصر أو في أي مكان آخر، كما كان لإخفاق اشتراكية الدولة في بعض بلدان الشرق الأوسط، وإخفاق الدول البوليسية اليمينية في بعضها الآخر، أن يفسح المجال أمام أولئك الذين راحوا يدعون إلى الثورة الإسلامية.
غير أن تحول سيد قطب إلى مستغرب متدين استغرق بعض الوقت في واقع الأمر. فهو ابن أستاذ من الأقاليم، وكان مهتمًّا بالأدب الإنجليزي، بل ودافع في مرحلة معينة عن مذهب العري بوصفه بدعة حديثة صحية. وفي أربعينيات القرن العشرين، دخل كلية تابعة لجامعة الأزهر الإسلامية المشهورة، حيث بدأ يتوجه إلى القرآن طلبًا للهداية.
وحين أُوفِد قطب في العام ١٩٤٨م من قِبَل وزارة التعليم المصرية إلى الدراسة في الولايات المتحدة لمدة سنتين، كيما يحسِّن لغته الإنجليزية، عملت هذه التجربة على تحويله إلى مستغرب حقيقي. فقد صدمته أشياء كثيرة في الحياة الأمريكية، ليس في نيويورك الباحثة عن الملذات وحسب، بل حتى في غريلي الهادئة، من أعمال كولورادو، التي أثارت حدائقها المُعتَنى بها أشد العناية اشمئزازه، بوصفها رموزًا للفردانية الغبية. ووجد منظر الفتيات اللواتي يرقصن على أنغام الأغنية التي كانت رائجة في ذلك الحين، «بيبي، بَردٌ في الخارج»، مرعبًا. وهالته الطريقة العابثة التي كان الواعظون المحليون يحاولون بها استمالة رعيتهم، بغناء تراتيل على أنغام الجاز وما شابه. غير أنه ظل يقدر حق قدرها بعض أوجه الثقافة الغربية. ففي أحد متاحف نيويورك، فتنته لوحة ثعلب لفرانز مارك حتى إنه قضى أمامها قرابة الساعة، وأذهله أن الأمريكيين، في تعجلهم رؤية جميع اللوحات التي يضمها المعرض، لم يلقوا على تلك اللوحة أكثر من نظرة سريعة. وبدا له واضحًا أن الغربيين عاجزين عن التأمل الروحي والجمالي.
هذه التجارب، متضافرةً مع ذكريات الحكم الاستعماري البريطاني، وإصلاحات نظام جمال عبد الناصر التحديثية الجائرة، حولت قطب إلى إسلاموي متحمس ومستغرب متدين. كما كانت معاداته الشرسة للسامية جزءًا من ذلك أيضًا. وكان يروق لقطب أن يستشهد بكتاب بروتوكولات حكماء صهيون، ذلك الكتاب الروسي المزوَّر الذي يعود إلى القرن التاسع عشر، باعتباره دليلًا على المؤامرات اليهودية عالمية النطاق وكان مقتنعًا بأن كل مَن يسوق الجماعة المسلمة بعيدًا عن دينها لا بد أن يكون عميلًا يهوديًّا.٤ ورأى أن فكرة الثقافة كميراثٍ إنساني مشترك، متعالٍ على الحواجز الدينية، والعرقية، والقومية، هي إحدى ألاعيب اليهودية العالمية، التي سعت إلى التغلغل في كيان العالم كله تحقيقًا لخططها الشريرة.٥ وفي قمة هذه الخطط كان الرِّبا، الذي تسقط ثروات العالم من خلاله في أيدي المؤسسات المالية اليهودية.
وكما سبق أن لاحظنا لدى مناقشة مدينة الإنسان، فإن الصراع هنا لم يكن دينيًّا وحسب، بل حول أفكارٍ عن الجماعة البشرية والمجتمع البشري متباينةٍ تباينًا جوهريًّا. فذلك النوع من المجتمع المرتبط بالمتآمرين اليهود هو مجتمع يقوم على الأفراد، في سعيهم خلف مصالحهم الخاصة. وما دام هؤلاء الأفراد يخضعون للقوانين العلمانية ذاتها، لا يكون مهمًّا ما يقتنعون به أو يعتقدونه. أما فكرة قطب عن الجماعة فيحددها الإيمان النقي، شأنها شأن الدولة النازية التي قامت على العرق النقي. وبما أن «عملاء اليهود» يلوثون هذا النقاء فلا بد من اجتثاثهم. غير أنه في الصدام بين الإسلام والجاهلية الجديدة، كانت اشتراكية الدولة من النمط السوفييتي التي تبنَّاها عبد الناصر عدوًّا يماثل في عداوته الطمع اليهودي والفردانية الغربية.
وكان لقطب أن يلتحق بعد عودته إلى مصر من الولايات المتحدة بصفوف الإخوان المسلمين باذلًا ما في وسعه لتطوير أيديولوجيا إسلامية يمكن أن تواجه أيديولوجيات الغرب الكبرى. ففي الإسلام التقليدي، لا يُعَد اليهود والنصارى، بوصفهم أهل الكتاب، في عداد الوثنيين. لكن الأمر يختلف عن ذلك في الجاهلية الجديدة. ذلك أن النصارى واليهود المتدينين أنفسهم قد فضحوا أمر إيمانهم بإتاحتهم المجال أمام الحكام الدنيويين لكي يتعدوا حدود الله. ولذلك، فإن الصدام العالمي هو بين ثقافة الإسلام، التي تأتمر بأمر الله، وثقافة الجاهلية، الخاضعة للحاجات الجسدية التي تهوي بالبشر إلى مصاف البهائم. فما تقوِّمه الجاهلية عاليًا هو الطعام، والشراب، والجنس، وأسباب الراحة، وهي أشياء تليق بالبهائم. والجاهلية هي ثقافة البهائم؛ صحيحٌ أنها بهائم ذات دراية، لكنها بهائم. بل إن الجاهلية في حقيقتها أسوأ من ذلك بكثير: فهي ثقافة بهائم متفوقة متغطرسة تحاول أن تلعب دور الإله.
ولا تقتصر الجاهلية، عند قطب، على البلدان الغربية. فالهنود واليابانيون يعبدون الأوثان البهيمية ذاتها. كما تمكن رؤية الجاهلية — ولعل هذا أن يكون الأمر الأهم بالنسبة لقطب — في بلدان تدعي الإسلام، مما دعاه لأن يعد ذلك علامة نفاق فاحش. غير أن مركز الجاهلية، أو روما الجاهلية، إذا جاز التعبير، يبقى في الغرب على نحوٍ واضح. فمن هناك يأتي الفساد كله. وفكرة الغرب بوصفه أدنى من المستوى الإنساني هي التي جعلت قطب كاهنًا أعلى بين كهنة الاستغراب.
ولقد تأثر قطب أشد التأثر بنظريات الأيديولوجي الباكستاني أبو الأعلى المودودي، الذي طلع بفكرة الجاهلية الجديدة ودعا إلى الدولة الإسلامية المحكومة بالشرع. وكان المودودي قد نشط كصحفي في عشرينيات القرن العشرين، حين كانت الهند لا تزال تحت الحكم البريطاني. وكان قد تخرَّج في دار العلوم، وهي كلية هندسية هندية تضاهي في أهميتها الأزهر في القاهرة، وراح يدعو إلى إسلام ثوري. لكنه، بخلاف قطب، لم يكن على معرفة بالثقافة الغربية. ولم يتعلم الإنجليزية بنفسه إلا لأنه احتاج إليها في عمله الصحفي، دون أن يستخدمها في أي شيء آخر. وتمثل هدفه الجوهري في شكلٍ من الطهارة الدينية. فالمجتمع الإسلامي ينبغي أن يتطهر من النفوذ الغربي، ولذلك أخذ المودودي على عاتقه مهمة فضح الجاهلية الجديدة وتحصين المسلمين المتعلمين ضد تأثير العملاء الغربيين.
وبعد العام ١٩٣٧م، بات المودودي ناشطًا في إطار السياسة الإسلامية. وكان يرى أنَّ الدولة الهندية العلمانية تمثل تهديدًا للإسلام النقي بقدر ما يمثل الحكم الاستعماري البريطاني. أما الديمقراطية، ذلك المثل الأعلى الشجاع لدى القوميين الهنود، فلم تكن بالنسبة له أكثر من سبيل لتسريب طبعةٍ غانديةٍ من الهندوسية وإدخالها من الباب الخلفي لفرضها على المسلمين. فهدفه كان إعادة توطيد السيادة الإلهية على الأرض عبر إحياء الخلافة. أما سيادة الشعب فهي مؤذية وخبيثة لأنها تنكر حكم الله. وذلك ما كان يعنيه حين قال للمسلمين الباكستانيين عام ١٩٣٨م إن المشاركة في الحفاظ على «الديمقراطية القومية» هو «خيانة لله ورسوله». فالقومية الإسلامية، بالنسبة له، عبارة متناقضة كعبارة «العاهرة العفيفة». وهي «نظام متعفِّن قذر».٦ وهذا قريب، بالمناسبة، من تلك القناعات التي حملها بعض اليهود المتزمتين الذين رفضوا الاعتراف بدولة إسرائيل ككيان علماني وقومي لا كيان ديني.
وفي عام١٩٤١م، أسَّس المودودي الجامعة الإسلامية، وهي حزب ديني مجاهد، استعار من اللينينية الكثير على صعيد بنيته التنظيمية، على الرغم من أهدافه الآخروية. وبعد ولادة الباكستان في عام ١٩٤٧م، بذل المودودي كزعيم للجامعة الإسلامية، ما في وسعه في «مقارعة أعداء الإسلام». وقد فعل ذلك بطريقة لا يمكن وصفها إلا بأنها مانوية مفرطة، نظرًا لادعائه أن القرآن لا يعرف سوى حزبين: حزب الله، الذي يضم المسلمين الصادقين، وحزب الشيطان، الذي يضم الآخرين جميعًا.٧
غير أن المهم من أمر المودودي ليس رؤيته الإيجابية إلى الدولة الدينية النقية الأصلية، بل فكرته السلبية عن الغرب الواقع في إسار الوثنية كما يتصورها، بوصفها جاهلية جديدة منبعثة من الغرب. ولذلك نجد في الطالقاني، وقطب، والمودودي ثلاثة من أيديولوجيي الإسلام السياسي الأشدَّاء، يصدرون عن تقليدين إسلاميين مختلفين (هما التقليدان السني والشيعي) وينتمون إلى بلدان مختلفة (الباكستان، ومصر، وإيران)، لكنهم يتقاسمون نظرة متماثلة إلى العالم، فهم يرون إلى الغرب بالطريقة ذاتها، كمصدر للجاهلية الجديدة، ومنبت للوثنية، وأسفل نمط للوجود، ولذلك ينبغي استئصاله من وجه الأرض.
هل يمكن انتقاد الغرب من وجهة نظر إسلامية، خاصةً الاستعمار الغربي والعلمانية الغربية، دون اللجوء إلى الاستغراب؟ ذلك ممكن، من غير شك. وثمة مذهبٌ غالبًا ما اقترن في التفكير الإسلامي الجذري بالجاهلية، هو مذهب التوحيد، يمكن للمرء أن يستمد منه مُثُله السياسية دون أن يكون مستغربًا.
ومن الذين فعلوا ذلك محمد إقبال (١٨٧٧–١٩٣٨م)، الشاعر، والفيلسوف، والمصلح الاجتماعي، الذي يعده كثيرون الأب الروحي للباكستان، كما يمكن أن نعدَّه مفكر التوحيد، الذي اتخذ فكرة وحدانية الله الجامعة كأساس لسياسته. ومن وجهة النظر هذه، فإن وحدة المجتمع الإنساني وانسجامه، على أساس من العدل والمساواة والتضامن، ينبغي أن يعكسا وحدانية الله. كما كان إقبال ذلك الرجل العملي، الذي لم يلح على دولة إسلامية نقية، بل كان مهيَّأً لأن يتعايش مع حكومات علمانية ما دامت القيم الإسلامية تحظى بالاحترام. وحتى المادية لم تكن رديئة بحد ذاتها، بالنسبة له، بل إن قدْرًا من المادية يمكن أن يساعد في مواجهة «من امتهنوا الفقه» ومن «امتهنوا التصوف».٨
ولقد تركَّز انتقاد إقبال للغرب على ما رأى فيه من استغلال اقتصادي. حيث قال في خطبة له أمام مؤتمر مسلمي عموم الهند عام ١٩٣٢م: «لا بد لشعوب آسيا من أن تقف في وجه الاقتصاد الجشع الذي جاء به الغرب وفرضه على أمم آسيا … العقيدة التي تمثلونها تعترف بقيمة الفرد، وتُؤدبه على التخلي عن كل شيء في سبيل الله والإنسان … غير أن مثالية عقيدتكم الرائعة تحتاج لأن تتخلص من أوهام فقهاء عصور الظلام ومشرعيها.»٩
وما يبينه هذا لا يقتصر على استعداد إقبال لأن يرى مزيةً في الإصلاحات الحديثة وحسب، بل يتعداه إلى انشغاله بفكرة الذات، أو khudi. فقد رأى إلى تطور الذات الكامل على أنه غاية إنسانية. وكان شعار إقبال الآية القرآنية التي تقول: إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وكيفما قلَّب المرء ذلك، فإن أفكار إقبال عن الذات تبقى قريبة مما يُنظَر إليه في العادة على أنه اهتمام غربي بالفرد. فكيف يسوِّي إقبال، إذَن، ذلك التوتر الذي ينشأ بصورةٍ طبيعية حين يوضع كلٌّ من الله والذات الإنسانية في مركز الحياة؟ والحال، أن إقبال لا يرى في ذلك أي تعارض، إذا ما فُهِمَت وحدانية الله حق فهمها. فهو يرى أن الدولة الإسلامية، التي تحكمها الشريعة، توفر الشروط المثلى للتطور الفردي. والسؤال الآن، إذا ما كان هذا ما آمن به إقبال حقًّا، فما الفارق بينه وبين الإسلامويين الجذريين الذين يعادي فهمهم لوحدانية الله الغربَ ذلك العداء التام؟ وباختصار، ما الذي يجعل إقبال ناقدًا للغرب وسيد قطب مستغربًا؟
ليس الفارق مسألة أسلوب وحسب، على الرغم من أهمية هذا الأخير. والمرارة والسخط مسألتان تتعلقان بالأسلوب. ولا شك أن قطب كان في غاية السخط أما إقبال فكان متحررًا من مشاعر المرارة. بل إنَّ لقاء إقبال مع الغرب كان ذلك اللقاء المؤاتي. فأستاذه في الهند كان السِّرْ توماس أرنولد، الباحث المشهور في الشئون الإسلامية. ومن الكلية الحكومية في لاهور، ذهب إقبال إلى كلية ترينيتي، في كيمبرج، ومن هناك إلى ميونيخ، حيث كتب رسالته العلمية حول الميتافيزيقا في فارس. وبذلك كانت تجربته الشخصية مختلفة تمامًا عن تجربة قطب. إلا أن الفارق بين الناقد للغرب والمستغرب ليس مجرد فارق في السيرة الشخصية لكلٍّ منهما.
فإقبال لم يعمد إلى نزع إنسانية الغرب قط. وفكرته عن وحدانية الله، كما وجدها في الإسلام، ليست ذلك المثل الإقصائي. فقد كان على قناعة بأن «البشر جميعًا لا المسلمين وحدهم معنيون بمملكة الله على الأرض، شريطة أن يضربوا صفحًا عمَّا لديهم من أوثان العرق والجنس ويعامل واحدهم الآخر بوصفهم أشخاصًا.»١٠ والإسلام، من وجهة نظر إقبال، هو السبيل الأفضل لتأكيد وحدانية الله وتطوير الذات، إلا أنه كان يسلِّم بإمكانية وجود سبل أخرى. فلعل من ينحرفون عن سبيل إقبال أن يكونوا على خطأ، لكن ذلك لا يجعلهم أقل إنسانية.
أما الإسلامويون الجذريون فينظرون إلى وحدانية الله نظرةً إقصائية، حيث يرون إليها على أنها وحدة جماعة المؤمنين، أو الأمة. ولا شك أن بمقدور كل بشري أن يغدو مؤمنًا بوحدانية الله، ويلتحق بالأمة. فالجماعة الإسلامية العالمية تتحدد بالإيمان، لا بالعرق أو الجنس. غير أن كل من يبقى خارج الجماعة الدينية يكون عدوًّا، من هذا المنظور الجذري. وهذا ما يعبر عنه قطب بوضوح تام، حيث يرى أن كل مجتمع غير مسلم هو جاهلية، شأنه شأن أي مجتمع يعبد غير الله.١١
والإسلام بالاسم ليس بالإسلام الذي ينفع لدى إسلامويين مثل قطب. فعنده، حتى البلدان التي تعتبر نفسها مسلمة هي في حالةٍ وثنية. والإسلامويون الجذريون كفوا عن الإيمان بتلك القسمة الإسلامية التقليدية التي تقسم العالم إلى دار السلام، حيث الإسلام، ودار الحرب، حيث الكفار. وهم يرون أن العالم كله قد بات دار حرب. فلا يكاد يوجد بلد واحد لم تُغتصَب فيه سيادة الله من قبل أنظمة دنيوية. ولكي تُستعاد هذه السيادة، لا بد للدولة من أن تحكمها الشريعة تمامًا. هكذا يكون الجميع مدعوين إلى الإيمان، لكن أحدًا لا يمكنه أن يرفض هذه الدعوة دون قصاص.
وهدف الجهاد، عند قطب، هو إقامة السلطة على أساس الشريعة السماوية وحدها وإزالة القوانين التي أوجدها الإنسان. وإعلان الجهاد أو الحرب ليس مسألة مجازية، لأن ذلك الهدف لا يتحقق بالمواعظ والخطب. وأولئك الذين اغتصبوا سلطة الله على الأرض وجعلوا من عباده عبيدًا لهم لن يتخلوا عن ذلك بالكلمة وحدها.١٢ ودعوة قطب، التي تبنَّاها الإسلامويون الجذريون، هي دعوة إلى ثورة عنيفة. وينبغي أخذ ذلك على محمل الجد، لأنه ليس مجرد تخيُّل وهمي عن النقاء الديني، يعود إلى مثال الدولة الإسلامية في المدينة زمن النبي. فهؤلاء الثوريون يعبرون عن ضروب فعلية من القلق، ليس بشأن مستقبل جماعة المؤمنين المسلمة وحسب، بل بشأن الحياة العائلية وعلاقات الرجل والمرأة أيضًا.
والغرب هو الهدف الأساسي لأعداء الوثنية، على الرغم من توجيه النشاط السياسي الإسلامي الغالب باتجاه الأنظمة الظالمة في البلدان المسلمة اسميًّا. وأحد أسباب ذلك هي فكرة الاستكبار، التي تجسِّدها الإمبريالية الغربية، والتي تُرَى على أنها تَعَدٍّ على حكم الله. أما السبب الآخر فهو خرق المحرمات الجنسية، أي الغرب بوصفه المُفسِد الأساسي للأخلاق الجنسية. ولذلك يمكن أن تكون الأنظمة في الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا هي الأهداف السياسية المباشرة للإسلامويين الجذريين، إلا أن التكبر والفسوق، القوتين المفسدتين اللتين تعملان على الحط من قيمة الإنسان، هما السببان التوءمان وراء تلك النظرة إلى الغرب على أنه المنبع الرئيس للوثنية.
كانت البروتستانتية قد استهلَّت عملية تراجع الدين وانسحابه إلى المجال الخاص، غير أن ذلك لم يتم إلا بعد معركة شرسة. فالدين لا يُخلي المجال العام بتلك البساطة. بل إنَّ جنيف الكالفنية كانت الأشد حماسًا لفرض أخلاق عامة. أما في البلدان التي سيطرت فيها البروتستانتية، وفي البلدان التي استلهمت البروتستانتية، مثل الولايات المتحدة، فقد عنى انسحاب الدين إلى المجال الخاص أن البشر راحوا ينظرون إلى المجال العام على أنه ميدان السياسة، وغدا الدين مسألة «ضمير فردي». وبات على المواطن الصالح أن يكون متدينًا في بيته وعلمانيًّا في الخارج. وباتت الأخلاق، أيضًا، مسألة «ضمير فردي»؛ فلم تعُد ثمة أخلاق مفروضة على نحوٍ جمعي.
وهذا التمييز بين الخاص والعام هو الذي شكل كثيرًا من البلدان الليبرالية في الغرب، لكنه غريب على الإسلام بقدر ما هو غريب على اليهودية الأرثوذكسية. والفارق الأساسي بين الإسلام المعاصر والبروتستانتية لا يتمثل في أن الأول سياسيٌّ أكثر، بل في أنه يلح على قَدْر أعظم من التنظيم الأخلاقي للمجال العام تقوم به السلطة الدينية. فدور الحاكم المسلم هو أن يفرض أخلاقًا جمعية في الفضاء العام. فليس للفرد أن يقرر قواعد الاحتشام الجنسي، بل ينبغي لسلطة عليا أن تفرض هذه القواعد على العموم. وإلى اليوم، ومع صحوة الإسلام، لا يزال معظم المسلمين الأتقياء أبعد عن الإسلاموية السياسية وأقرب من الدعوة إلى فرض أخلاق عامة. فهم يتوقون إلى ما يعتبرونه طريقة الحياة التقليدية، التي يطابقونها مع الإسلام. وحتى لو لم تكن لديهم سوى فكرة ضئيلة عما ينبغي أن تكون عليه الدولة الإسلامية المثلى، إلا أنهم يبدون اهتمامًا عميقًا بشأن الأعراف والتقاليد الجنسية، والفساد، والحياة العائلية التقليدية. والإسلام، عند المؤمنين، هو المصدر الوحيد والضامن للأخلاق الجمعية التقليدية. وما تدور حوله الأخلاق الجنسية بصورة أساسية هو النساء، وتنظيم سلوك المرأة. وذلك لأن شرف الرجل متوقفٌ على سلوك النساء اللواتي يَمْتُتْنَ له بصلة. وقضية المرأة ليست بالقضية الهامشية؛ بل تكمن في القلب من الاستغراب الإسلامي.
وغالبًا ما لوحظ في المناقشات حول الإسلام الحديث أن مصطلح «الأصولية» هو مصطلح مُضَلِّل إذ يوحي بشبهٍ مع الأصولية المسيحية في شكلها البروتستانتي. وثمة خلط مماثل يكتنف كلمة «الجذرية». فالأصولية، التي هي عودةٌ إذا ما جاز القول إلى الأصول، والجذرية، التي هي عودة إلى الجذور، تبدوان كأنهما مستمدتان من المجاز ذاته إلى حدٍّ بعيد. غير أن بمقدور المرء أن يميز في الإسلام الجذري بين الإسلامويين السياسيين والطهرانيين الإسلاميين. فالإسلامويون السياسيون، المهتمون بالسلطة ويبتغون إقامة دولة إسلامية، هم جذريون على نحو واضح. أما الطهرانيون، الذين لا يرغبون سوى بفرض أخلاق جمعية، فهُم أصوليون. وقد لا يختلفون في نظريتهم العامة عن الأصوليين المسيحيين على الرغم من اختلافهم الشديد عن هؤلاء الأخيرين من حيث التفاصيل. بَيْد أننا نشهد الآن تقاربًا بين الراديكاليين السياسيين الإسلاميين والأصوليين الطهرانيين. فجميع الإسلامويين السياسيين كانوا طهرانيين، أما الطهرانيون فلم يكونوا جميعًا إسلامويين سياسيين. وعلى الرغم من زوال ذلك التمييز، يبقى ثمة فارق بين الاثنين. فالغرب هو العدو الأساسي للإسلامويين السياسيين، لأنه يدعم أنظمة «وثنية» ظالمة، ويقف عقبةً في وجه إقامة الدول الإسلامية. أما الطهرانيون فيكرهون طريقة الحياة الغربية، لأنها تسيء إلى حساسياتهم الأخلاقية، خاصة حين يتعلق الأمر بالتعامل مع النساء.
«حين يرحل شرقيٌّ إلى الغرب، أو يرحل غربيٌّ إلى الشرق، يكون لدى كلٍّ منهما ذلك الإدراك الحاد أنه يعبر حدًّا اجتماعيًّا، هو أكثر واقعية من الحدود الجغرافية أو تباين اللغات، أو الأجناس، أو الأعراق. فأنظمة الشرق والغرب الاجتماعية تقوم على أسس مختلفة تمامًا. والفارق المحوري هو وضع النساء»، هذا ما كتبتهُ روث وود سمول، المبشِّرة الأمريكية التي أمضت سنواتٍ كثيرة في تركيا ووضعت في العام ١٩٣٦م كتابًا لافتًا عنوانه النساء المسلمات يدخلن العالم الجديد.١٣ وكانت وود سمول قد جابَت أرجاء العالم الإسلامي، بما في ذلك الهند، وكتابها هو نوعٌ من الجمع بين أدب الرحلة والتحليل.
ولم تكن وود سمول بالطبع أول من يلاحظ اختلاف المواقف من النساء بين الشرق والغرب. فهو اختلاف تكاد تشير إليه جميع كتب الرحلات التي كتبها زوار غربيون. حيث تشدد هذه الكتب جميعًا على الفصل بين الجنسين (قبل أن تُطلَق عليهما تسمية النوعين الجنسيين أو الجِندِرين) وعلى إقصاء النساء في المجتمعات المسلمة. بل إنَّ هنري هاريس جيسَبْ، المُبَشِّر في سوريا القرن التاسع عشر، يصل به الأمر حد القول إن «المحمديين لا يمكنهم أن ينكروا أن للنساء أرواحًا وهم لا ينكرون ذلك، غير أن معاملتهم القاسية للنساء أدت بصورة طبيعية إلى مثل هذه النظرة». وما أزعجه أشد الإزعاج هو تلك الممارسة الخشنة المتمثلة بضرب الأزواج لزوجاتهم. غير أن من الواضح تمامًا في روايته أن جيرانه المسيحيين في سوريا كانوا منغمسين في هذه الممارسة بقدر انغماس «المحمديين الجهلاء».
وكانت روث وود سمول من الذكاء بما يكفي لأن تدرك أن الحجاب، وليس ضَرْب الزوجة، هو مقياسها الفعلي الذي تقيس به التغير الاجتماعي. وقد لاحظت أنه حتى في نظام البُردَة الهندي الأشد صرامة، حيث تُقصى النساء وهُنَّ في «أزياء الهاللوين» إقصاءً تامًّا عن الفضاء العام، ثمة بعض التغيرات الضئيلة إنما الملحوظة التي تجري. وإذا ما كانتِ البُردة تعني «الستارة» في معناها الحرفي، فقد بدا لوود سمول أن الستارة كانت على وشك أن تُرفَع، ببطءٍ إنما على نحوٍ أكيد. ولو حَكَمنا اليوم تبعًا لمقياس الحجاب، فإن من الصعب القول إن الشرق والغرب على وشك اللقاء، ولو بصورةٍ ضمنية أو خفية.
والإسلام لم يخترع الحجاب. فأول وصفٍ للنساء المحجبات جاء من تدمر (شمال شرق دمشق)، في القرن الأول الميلادي. وكان الحجاب آنذاك شائع الاستخدام في الإمبراطورية البيزنطية، ولعل المسلمين قد أخذوه عن البيزنطيين كزي من الأزياء. غير أن الحجاب، مهما يكن أصله، بات الآن متماهيًا مع الإسلام. وهو زِيٌّ مُعقَّد، يرسل رسائل معقَّدة، ليست جميعًا ذات دلالة دينية. وعلى سبيل المثال، فإن الحجاب هو أيضًا علامة على المكانة. فالمرأة المُحجَّبة لا تقوم بعملٍ جسدي. والحجاب يؤدِّي تلك الوظيفة ذاتها التي كان يؤدِّيها المشد (أو الكورسيه) الفكتوري، أو الأحذية الصغيرة في أقدام النساء الصينيات. فمفردات اللباس غير المريحة هذه تشير إلى أن مَن يرتدينها لسْنَ منهمكاتٍ في عمل ذليل. كما أنها علاماتٌ على «استهلاكٍ خفي».١٤
وفي الجزائر والمغرب، بعد حربي الاستقلال، امتدَّ الحجاب إلى طبقات جديدة، طامحًا إلى مكانةٍ أرفع، غير أن تبنيه من قبل البرجوازية المدينية في شمال أفريقيا كان نوعًا من الإشارة الخاصة إلى قومية ترتكز إلى الإسلام، في مواجهة فرنسا. ولأن فرنسا كانت تمثل الغرب فإن الحجاب بات رمزًا لمقاومة الغرب.
وللحجاب أساليب مختلفة. فالحجاب الإيراني يقتصر على إخفاء حدود الجسد. وحجاب طالبان يخفي جسد المرأة برمته. ويكمن خلف ذلك تصور رديء للجنس عند الذكر. فالرجل أشبه بالذئب حيال النساء. ولو تُرِك الرجال والنساء وشأنهم، لكان الجنس شغلهم الشاغل من غير شك. فالحجاب وحده يحمي المرأة ويمنحها بُعدًا روحيًّا. ومثل هذه النظرة الكالحة، ما كانت لتدهش يهوديًّا متزمِّتًا، ممَّن تنتابهم المخاوف ذاتها إزاء شهوة الذكور وإغواء النساء. فالحجاب ينتمي، إذَن، إلى تلك الفكرة المانوية التي مفادها أن الجسد والروح في حالٍ من التوتر الدائم.
والنساء السافرات في الغرب هنَّ النقيض الفعلي لهذه الفكرة، التي هي السبب في أن المسلمين الأتقياء، أو اليهود المتزمتين، يعتبرونهن عاهرات ويعتبرون رجالهن قوادين. ولكي نعبر عن ذلك بشيء من المبالغة، فإن النساء الغربيات (ونظيراتهن «المتغربنات» في كل مكان) هن بغايا المعبد اللواتي يقمن على خدمة المادية الغربية. وأخلاق الغرب الجنسية، أو غياب هذه الأخلاق بالأحرى، هي التي تجعل الحياة الغربية تبدو فاسدة ومنحلة، بل أشبه بحياة البهائم. وهذا ما يعبر عنه سيد قطب، الذي يرى أن معنى الأخلاق، في جميع المجتمعات الجاهلية الحديثة، يقتصر على مثل هذا الحد، بحيث أن جميع تلك الأوجه التي تميز الإنسان عن البهيمة تُعتَبَر خارج مجاله. ففي هذه المجتمعات، لا تُعتَبَر العلاقات الجنسية غير الشرعية، ولا المثلية الجنسية، غير أخلاقية. ومعنى الأخلاق مقصور على الشئون الاقتصادية والشئون السياسية في بعض الأحيان، مما يُصَنَّف في خانة «المصالح الحكومية».
وليس ثمة معنى كبير لأن نفصل في موقف المسلم، أو اليهودي المتعصب، من النساء. فمثل هذه المسألة كفيلة بأن تؤدي في الإسلام إلى معركة حامية الوطيس تتطاير فيها المقبوسات والاستشهادات من النصوص المعتمدة المكرسة، والتي تؤدي من ثم إلى مزيد من معارك التفسير وإساءة التفسير. فالآية ٢٢٣، من سورة البقرة في القرآن، والتي تقول نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ، كانت قد فُسِّرَت من قبل بعضهم على أنها ترخيص للأزواج بأن يختاروا على هواهم نوع الجنس الذي يروق لهم، ويفرضونه على زوجاتهم. غير أنه ما من شيء أَدْعى للغضب من غرباء يغزون نصوصك الحميمة ويقولون لك ما يُفتَرَض بها أن تعني. ولهذا، يُعتَبَر تفسير الآية ٢٢٣ ضَربًا من التطفل. غير أن المهم هنا ليس مكانة المرأة في الإسلام، بل الطريقة التي ينظر بها المستغربون الإسلاميون إلى نساء الغرب، وإلى رجال الغرب ضمنًا.
كان مرتضى مطهري شخصية بارزة في الثورة الإسلامية في إيران. ووفاته جعلت آية الله الخميني يبكي على الملأ، ويدعوه «ثمرة حياتي». وكان مطهري يهجس بالغرب وبقضية النساء حد الوسوسة. وكان منشغلًا بإثبات تفوق الإسلام والشرق على هذا الصعيد، من حيث الإنسانية ومراعاة الشعور، قياسًا بالغرب. ولقد عبر عن قناعةٍ راسخةٍ بأن الغرب يطمس عامدًا تلك الفروق الواضحة بين الرجل والمرأة، بحيث يمكن استغلال النساء بسهولة أكبر لمصلحة الرأسمالية. ولا حظ مطهري أن برتراند راسل كان يأمل بأن يُحَل «النقص» لدى الرجال البالغين من خلال الترويج بين النساء لفكرةٍ فاسدةٍ مفادها اقتصار الأبوين على الأم، بدلًا من الدعوة إلى تبني تلك الممارسة الإسلامية الأخلاقية المتمثلة بتعدد الزوجات.
ويبقى هذا في إطار النقد الثقافي، وليس الاستغراب. أما الفكرة التي ترى إلى المرأة على أنها «الدرة المصونة» في تاج الرجل، والتي تسبغ الشرف على الرجل تبعًا للطريقة التي يدافع بها عن المرأة، فهي فكرة تغذي الاستغراب. والحجاب جزء من ذلك. فنسيان المرء لدوره كحارس لتلك «الدرة» يعني أنه بلا شرف، بل الأنكى من ذلك أنه بلا أي حس بالشرف. وما يتبينه المؤمنون في التساهل الغربي لا يقتصر على غياب الأخلاق، بل يتعداه إلى غياب حس الشرف.
•••
ليس تضافر الطهرانية والسياسة بالأمر الجديد على الإسلام. فقد سبق لداعية طهراني وسيد من أسياد الحرب في هضبة نجد، وسط الجزيرة العربية، أن أقاما تحالفًا هائلًا في أواسط القرن التاسع عشر. وكان هذان محمد بن عبد الوهاب ومحمد بن سعود. وقد اعتاد أتباع بن عبد الوهاب أن يطلقوا على أنفسهم اسم الموحِّدين. أي أولئك الذين يؤمنون ذلك الإيمان الصارم بوحدانية الله. لكن الآخرين أطلقوا عليهم اسم الوهابيين، وهو الاسم الذي بقي.
والوهابية كانت تعبيرًا عن حمية دينية ضد الدين الشعبي في الجزيرة العربية، حيث غدت قبور الأولياء بؤرة عبادات وثنية، بعيدة كل البعد عن التوحيد الصارم. وكانت الغاية تطهير الجزيرة العربية، بوصفها مهد الإسلام، من الوثنية، وإقامة دولة إسلامية على أساس الشريعة الإسلامية، كما فسَّرها المذهب الحنبلي، الذي اعتُبِر المذهب الشرعي الإسلامي الوحيد. ولقد تجلت صرامة الوهابيين الطهرانيين على نحوٍ خاص في مواقفهم من الأخلاق الجنسية وسواها من شئون الحياة الشخصية. واللافت، أن الإسلام الوهابي كان طهرانيًّا بمعنى آخر أيضًا، أقرب إلى الطهرانية البروتستانتية: فمن واجب المؤمن أن يتفكر في التزاماته الدينية ولا يقبلها على نحوٍ أعمى. فليس ينفع المؤمن، كما يقول ابن عبد الوهاب، أن يقول للملاك يوم الحساب إنه يعيد ما قاله الآخرون.
وحين تبنى ابن سعود من الدرعية العقيدة الوهابية، اتحد الداعية والمحارب في سعيهما إلى فتح الجزيرة العربية. واستمرَّ التحالف بين آل سعود والوهابية بعد وفاة المؤسِّس، وتمكنت قواتهما في العام ١٨٠٣م من فتح مكة وتشكيل دولة سعودية وهابية، لم تلبث أن هُزِمَت أمام الجيش العثماني القادم من القاهرة في العام ١٨١٨م. ثم أقيمت الدولة السعودية في نجد، على جزء صغير من الجزيرة العربية، وهُزِمَت ثانيةً أمام عشيرة الرشيد في العام ١٨٩١م. وفي العام ١٩٠٢م، فتح عبد العزيز الثاني بن سعود مدينة الرياض وتمكن، بوقوفه الفطن إلى جانب بريطانيا في الحرب العالمية الأولى، من إعادة السيطرة على مناطق الدولة السعودية الأصلية بمدينتيها المقدستين [مكة والمدينة]. وغدت الوهابية الأيديولوجيا الرسمية، التي ترمي إلى تشكيل مجتمع مسلم طهراني.
ولقد تحركت في صحراء الجزيرة العربية رمال كثيرة منذ أن تمكن البريطانيون من شراء نفوذهم لدى السعوديين بإرسالهم إليهم ثلاثة آلاف بندقية، وثلاث رشاشات، وخمسة آلاف جنيه إسترليني. فالنفط جلب إلى تلك الأرض ثروات تفوق الحصر، الأمر الذي شكل ضغطًا هائلًا على الدولة الوهابية، حيث يصعب الحفاظ على الطهرانية بعد أن بات آلاف من الأمراء السعوديين فجأة بين أغنى أغنياء الأرض. وتمثل الحل لهذه المشكلة في نوعٍ من النفاق المكرس رسميًّا. حيث تم الحفاظ على ما يشبه الوهابية جهارًا وعلانيةً بينما راح الأثرياء يتمتعون سرًّا وخفيةً في قصورهم الفسيحة بكل ما يمكن للغرب أن يقدمه، أما الأشياء التي لا يمكن للرياض أن توفرها، فلا بد أن تتواجد بكثرة في قصور لندن.
ولقد ترافق ذلك بشيء أشد فتكًا. فبينما كان الأمراء يتمتعون بكل الترف الغربي، كانت الوهابية تُصدَّر إلى الخارج، ومعها صنف ناري من صنوف الاستغراب. وتُعَد العربية السعودية الآن المصدر الرئيس لأيديولوجيا أصولية وطهرانية تفعل فعلها لدى المسلمين في كل مكان، من شمال أفريقيا إلى أندونيسيا. كما تُسَخَّر أموال النفط لتعزيز الجذرية الدينية في أرجاء الدنيا بينما يقيم الأمراء السعوديون هدنةً قلقةً مع رجال الدين في الداخل. غير أن النفاق يبقى ذلك الحل المزعزع، الذي استنهض مؤمنين وهابيين حقيقيين، مثل أسامة بن لادن، الذي يرى إلى وجود المجندات الأمريكيات في جزيرة العرب على أنه ضربٌ من التدنيس. فالأمر يبدو له، ولأتباعه، كما لو أن الأمريكيين يرسلون بغايا معابدهم لكي يدافعن عن حكام العربية السعودية الخائرين. ولقد صُدِّرَت الوهابية، لا كشكل من الإحيائية الطهرانية وحسب، بل أيضًا كعقيدةٍ استغرابيةٍ فتاكة، سوف تعود إلى مطاردة حكام الأماكن المقدسة ذاتها حيث انبثقت.
١ كارل ماركس، في المسألة اليهودية، ورد في كتابات ماركس الشاب في الفلسفة والمجتمع، تحرير وترجمة لويد د. إيستن وكورت ﻫ. غديت (نيويورك، أنكور، ١٩٦٧م)، ص٢١٦–٢٤٩.
٢ إيرفاند ابراهيميان، إيران: بين ثورتين (برينستون، مطبوعات جامعة برينستون، ١٩٨٢م)، ص٤٧٠.
٣ دانييل بنيامين وستيفن سايمون، عصر الإرهاب المقدس (نيويورك، راندوم هاوس، ٢٠٠٢م)، صI.
٤ المصدر السابق، ص٦٨.
٥ المصدر السابق، ص٢٠٧.
٦ ك. ك. عزيز، قيام الباكستان: دراسة في القومية (لندن، شاتو وويندوس، ١٩٦٧م)، ص١٠٥.
٧ أنور سيد، الباكستان: الإسلام، السياسة والتضامن القومي (لاهور، ١٩٤٨م)، ص٣٢.
٨ المصدر السابق، ص٥٥.
٩ المصدر السابق، ص٥٦.
١٠ سيد عبد الواحد، تحرير، أفكار إقبال وتأملاته (لاهور، ش. محمد أشرف، ١٩٦٤م)، ص٩٩.
١١ أورده جيل كيبل في كتابه جهاد: محنة الإسلام السياسي (لندن، تاوروس، ٢٠٠٢م)، ص٤٧.
١٢ كيبل، جهاد، ص٥٥.
١٣ روث وودسمول، النساء المسلمات يدخلن العالم الجديد (لندن: جورج آلن وأنْوِن، ١٩٣٦م)، ص٣٣.
١٤ لويز بِكْ ونِكي كِدِّي، مقدمة كتاب النساء في العالم الإسلامي (كيمبرج، ماس، مطبوعات جامعة هارفرد، ١٩٧٨م)، ص٨.





