📰 آخر الأخبار
عندما تشرق العتمة / سميرة جدي -الجزائرالمسكوت عنه/أمين الساطيالفرق بين الحرية والقيد/ملفينا توفيق ابو مراد / لبناناحرف من الفضة البيضاء/سالم الياس مدالومن يداوينا من هيمنة الوقت؟ نهى ابراهيم سالم/جمهورية السودانThree poems By Sana Jangeer Hamad مسابح حول الأعناق/ مجيدة محمدي أتتركني للصيف يا مطر؟غدير حميدان الزبونالاعلى والافقي/جواني عبدالالساعات الاخيرة من حياة ستالين/محمود حمدونارتجاف/صليحة نعيجةصناعة الرأي في البيئة الرقمية للدكتور جاسم الشيخ..إصدران جديدان/حامد شهاب / باحث إعلامي سحر البنان : ثلاث باقات من الهايكو النسوي الكندي/ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالDancing In The Meadows By Salim Elias Madalo7- التظاهر بالحب / محمد الجلايدي- القنيطرة- المغربترجمات نجيب محفوظ/ روجر ألن- ترجمة: محمد عنانيتوظيف الأساطير القومية بين تسيغاي غابري مدهين وكارلوس فوينتس/إبراهيم أبو عواد / الأردنالدعاية… حين تُسوَّق الحقيقة/ياسين احمد خلف يحيى اوغلوبركان / نبيل حامد-القاهرةقراءة نقدية في ق.ق.ج «خداع الدفء» للقاص حسين بن قرين درمشاكي/ د. محمد عيسى مهناتقوى الله/ملفينا توفيق ابو مراد/لبنانأحاديث/ تغريد نديم عمران - سورياIF NEEDED /Ibrahim Honjoأَنتِ الصَّبَاحُ /أحمد أبوراشدThree Poems By Park Chul Un
عندما تشرق العتمة / سميرة جدي -الجزائرالمسكوت عنه/أمين الساطيالفرق بين الحرية والقيد/ملفينا توفيق ابو مراد / لبناناحرف من الفضة البيضاء/سالم الياس مدالومن يداوينا من هيمنة الوقت؟ نهى ابراهيم سالم/جمهورية السودانThree poems By Sana Jangeer Hamad مسابح حول الأعناق/ مجيدة محمدي أتتركني للصيف يا مطر؟غدير حميدان الزبونالاعلى والافقي/جواني عبدالالساعات الاخيرة من حياة ستالين/محمود حمدونارتجاف/صليحة نعيجةصناعة الرأي في البيئة الرقمية للدكتور جاسم الشيخ..إصدران جديدان/حامد شهاب / باحث إعلامي سحر البنان : ثلاث باقات من الهايكو النسوي الكندي/ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالDancing In The Meadows By Salim Elias Madalo7- التظاهر بالحب / محمد الجلايدي- القنيطرة- المغربترجمات نجيب محفوظ/ روجر ألن- ترجمة: محمد عنانيتوظيف الأساطير القومية بين تسيغاي غابري مدهين وكارلوس فوينتس/إبراهيم أبو عواد / الأردنالدعاية… حين تُسوَّق الحقيقة/ياسين احمد خلف يحيى اوغلوبركان / نبيل حامد-القاهرةقراءة نقدية في ق.ق.ج «خداع الدفء» للقاص حسين بن قرين درمشاكي/ د. محمد عيسى مهناتقوى الله/ملفينا توفيق ابو مراد/لبنانأحاديث/ تغريد نديم عمران - سورياIF NEEDED /Ibrahim Honjoأَنتِ الصَّبَاحُ /أحمد أبوراشدThree Poems By Park Chul Un

 مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات اجتماعية

الإله الذَّكر والأنثى الآثمة/ نوال السعداوي

square crop 1 4

أذكر أنَّني رأيت وجه أستاذ التَّشريح يحمرُّ قليلًا ويده ترتجف بعضَ الشَّيء حين أمسك أحد الأعضاء الجنسيَّة لجثةٍ في المشرحة، مع أنه كان يمسك الأعضاء الأخرى كالرئة أو الكبد أو الطحال في الجثة نفسِها دون أن يحمرَّ وجهه أو ترتجف يده.

وأذكر أيضًا (وكنت طالبة في كلية الطِّب) أنَّ ضِمن الأشياء التي حيَّرتني موقفَ أستاذ الفسيولوجي المتناقض إزاء نظرية التَّطور التي تقول بأنَّ الإنسان تطوَّر عن القرود، والفكرة القديمة بأنَّ المرأة وُلِدَت من ضِلْع الرَّجل.

وكان هذا الأستاذ نفسُه هو الذي أعطاني كتاب دارون «أصل الأنواع» لأقرأه، وهو الذي شرح لنا نظريةَ التَّطور وكيف تطوَّر الجنس البشري من إحدى فصائل الثَّدييات الرَّاقية من الغوريلا، وعرض علينا الهياكلَ العظمية والجماجم التي تثبت التشابه والتسلسل التطوري بينهما.

وحدَث حوارٌ بيني وبين هذا الأستاذ — لا أنساه حتى اليوم — ودار على هذا النحو: قلت له: تقول إنَّ الغوريلا هي التي وَلَدت أوَّل إنسان ظهر في تاريخ البشرية!

قال: نعم.

قلت: وحيث إنَّ هذا الإنسان الأوَّل عُرِف باسم «آدم»، فإنَّ آدم وُلِد من رحم الغوريلا.

قال: نعم (وأذكر أنَّ وجهه احمرَّ قليلًا وارتجفت شفتاه بعضَ الشيء وهو يقول نعم).

قلت: وبالمنطق نفسِه فإنَّ أوَّل إنسان أنثى (أي المرأة) وُلِدت من بطن الغوريلا؟

قال: بالطبع.

قلت: وحيث إنَّ هذا الإنسان الأنثى عُرِف باسم «حواء»، فإنَّ حواء وُلِدت من رحِم الغوريلا.

قال: نعم (وأذكر أيضًا أنَّ وجهه احمرَّ قليلًا وارتجفت شفتاه بعضَ الشَّيء).

وأدركت على الفور شيئًا: أنَّ هذا الأستاذ كان يُفكِّر بطريقةٍ منطقية علمية حينما كنا نتحدَّث عن الإنسان الأول، لكن ما إن أُعطي هذا الإنسان الأول اسم «آدم» أو اسم «حواء» حتى اعترى تفكيرَه العقلي شيءٌ من العاطفة والانفعال ظهر على وجهه وفي نبرةِ صوته.

في حوارٍ آخرَ حول الموضوع نفسِه مع أستاذ الأجنة (الإمبريولوجي) اتضح لي أنَّ هذا الأستاذ الكبير يعتقد أن الإنسان تطوَّر فعلًا عن القرود، لكنَّه يعتقد في الوقت نفسه أنَّ المرأة وُلِدت من ضِلع الرَّجل، بمعنًى آخر أنَّه يضع الغوريلا في وضعٍ أعلى من الوضع الذي وضع فيه المرأة. فالغوريلا هي الأصل الذي خرج منه الجنس البشري، أمَّا المرأة فليست إلا فرعًا صغيرًا يُنْسَب إلى الجنس البشري كعضوٍ خارجي.

وقد وجدت من بعدُ أنَّ هذا الأستاذ ليس هو الأستاذ الوحيد الذي يقسِّم عقله إلى حجرتين منفصلتين يضع في كلٍّ منهما حقيقةً أو فكرةً تناقضُ الفكرة الثانية، ويفصِل بين الحجرتين بجدارٍ سميك.

إنَّ الذين يعيشون هذا القرن العشرين والذين تابعوا العلمَ في مختلف فروعه لا بدَّ أدركوا أنَّ العلم الحديث قد كَشف عن خطأ الفكرة المقدَّسة القديمة التي كانت تقول بأنَّ الأرض مسطحة، وأثبت العلم أنَّ الأرض كروية. كذلك كشف العلمُ عن كثير من الأفكار الخاطئة التي كانت مقدَّسة أو شبه مقدَّسة، وعرَّف النَّاسَ بحقائقَ لم يكونوا يعرفونها.

ومن أهم علامات العصر الحديث هي التَّفسيرات العلميَّة للكون والتطور والحياة والإنسان، التي قادها علماءُ مثل نيوتن وأينشتاين وجاليليو ودارون وبافلوف وابن سينا وغيرهم ممن قضَوا على كثير من الخرافات التي كانت تبدو للنَّاس كالحقائق الثَّابتة.

على أنَّ من أهمِّ علامات الحضارة التي نعيشها أيضًا أنَّ معظم المفكِّرين والعلماء كانوا رجالًا، وكل الفلاسفة كانوا رجالًا، وكل رجال الأديان الذين فسَّروا الدِّين كانوا رجالًا، بمعنًى آخر يمكن القول إنَّ الأفكار التي وصلت إلينا هي من إنتاج الرِّجال.

نحن إذن في هذه الحضارة التي نعيشها نتعامل في كل وقت وفي كل مجال من حياتنا مع الفكر الرُّجولي؛ أي إنَّنا نتعامل مع نصف عقول البشر فحسب.

ولا يمكن أن نُنكِر أنَّ نساءً نادراتٍ ساهَمْن في هذه الحضارة (وأنَّ عددهن يزداد باستمرار)، لكنَّ عددهن كان ولا يزال قليلًا جدًّا بالنسبة لأعداد الرِّجال.

هذا الفكر الرجولي الذي يسود العالَم له سِماتٌ وصفاتٌ معيَّنة. وقد لوحظ أن أهم سِمات هذا الفكر ما يلي:

  • (١)تقسيم العقل إلى حُجراتٍ مُنْفصلة في كل حجرة حَقائقُ تتناقض مع الحقائق الموضوعة في الحجرة الأخرى، وذلك من أجل الهروب أو التَّوفيق الظَّاهري بين الأفكار العلميَّة الجديدة وبين الأفكار القديمة الموروثة.
  • (٢)الاستمرار في الاعتقاد بأنَّ المرأةَ أقلُّ من الرِّجال عقلًا بالرغم من الظواهر الجديدة التي صاحبت خروج المرأة وإسهامها في الحياة الفكرية، بل وتفوُّق عقول بعض النِّساء.
  • (٣)الاستمرار في الاعتقاد بأنَّ الجنس نوعٌ من الإثم، وأنَّ حواء هي التي أَغْرَت آدمَ بهذا الإثم، فأصبحت مسئولةً عن الخطيئة في العالم ومن بعدها تحمَّلت النِّساءُ الوزر نفسه.
  • (٤)الاستمرار في الاعتقاد بأنَّ الملكية هي التي تحدِّد قيمةَ الإنسان، وأنَّ الذي يملك أعلى من الذي لا يملك، وأن من ممتلكات الرِّجال: الزَّوجة والأطفال.
  • (٥)الاعتقاد بأنَّ العدوان جزءٌ من طبيعة الرَّجل من أجل حماية أملاكه وازديادها، ومن هنا تبرير التنافس والحروب المشتعلة في كل مكان.

والسؤال الآن الذي لا بدَّ أن نسأله هو: لماذا نظر الرِّجال إلى المرأة على أنها أقلُّ من الرِّجال؟ لماذا نُظر إلى الجنس على أنه إثم؟ وتقتضي الإجابة عن هذين السؤالين أن نعود إلى التَّاريخ ونبحث في حياة الرِّجال القديمة والحديثة عن البذرة التي أنبتت هذه الفكرة.

ويقودنا البحث بطبيعة الحال إلى أوَّل رجل، وأوَّل امرأة ظَهَرَا على الأرض وقد عُرِفَا باسم آدم، وحواء. لا بدَّ أنَّهما ظَهَرَا على الأرض منذ ١٢٠ مليون عام؛ لأنَّه ثَبت أخيرًا أنَّ عُمر البشرية ليس ٢٠ مليون عام فقط، وإنَّما عُثِر على ما يدل على أنَّ الإنسان كان يعيش منذ ١٢٠ مليون عام فوق هذه الأرض.

وقد عُرِف عمر الإنسان من حجمِ عظامِ الجمجمة وليس من الأسنان كما كان يظن بعض العلماء. ووُجِد أنَّ الكائن الذي تطوَّر عنه الإنسان كان حجم مخِّه حوالي ٥٠٠سم، أما حجم مخِّ الإنسان فيبدأ من ٦٧٠سم، وقد عُثِر على جماجم بشرية عمرها ملايين السنين، وكان هناك نوع من الإنسان منذ حوالي ١٥٠٠٠٠ عام يُسمَّى (Neanderthal) يختلف قليلًا عن الإنسان الذي نعرفه والذي يُسمَّى علميًّا (Homo sapiens)، وكان هذا الإنسان القديم يمارس بعضَ العادات مثل دفن الموتى،١ واستنتج بعضُ العلماء من هذا أن الإنسان القديم كان يؤمن بحياةٍ أخرى بعد الموت. ولكن هناك حيوانات تَدفِن موتاها، فهل معنى ذلك أن هذه الحيوانات تؤمن بحياةٍ أخرى؟! وتدل المصادر على أن أقدمَ التماثيل كانت لنساء، أحدها تمثال قالوا إن الفنان القديم رَمَزَ به إلى المرأة البدائية وهو يصوِّر امرأةً مليئة باللحم، لها ثديان كبيران متدليان وبطن بارز وفخذان سمينتان، والأعضاء الجنسيَّة منحوتة بوضوح وتضخُّم كبير. وهذا يدل على تمجيد الإنسان القديم لأعضاء المرأة الجنسيَّة وإعجابه بقدرتها على الحمل وخلق الحياة.

ومعظم الدراسات توضِّح أنَّ الإنسان في علاقته الجنسيَّة البدائيَّة كان يَنشد المتعة واللَّذة وليس الإنجاب فحسب. كان الإنجاب أمرًا ثانويًّا، وهناك رسومٌ عُثِر عليها في كهف «لاسيل» في فرنسا تصوِّر المرأة الراقدة في كبرياء وعظمة الآلهة القديمة، والرَّجل راكع رافع يديه نحوها في نداء جنسي واضح فيه ابتهالٌ وخضوع ورغبة عنيفة.

لم يُعْثر على تماثيلَ ورسومٍ أخرى في هذه العصور القديمة فيما عدا هذه الرسوم والتماثيل التي تصوِّر العلاقة الجنسيَّة بين الرَّجل والمرأة. والمرأة دائمًا هي صاحبة الكبرياء والعظمة، والرَّجل يكاد يستجديها راكعًا في محرابها. لم يُعْثر على رسومٍ تصوِّر المرأة كأم أو كزوجة، وإنما كانت العلاقة بين المرأة والرَّجل من أجل المتعة الجنسيَّة فحسب.

لم يكن الجنس إثمًا ولا خطيئةً، ولكن كان عملًا يكاد يكون مقدَّسًا من الطريقة التي يركع بها الرَّجل أمام المرأة.

وفي عهودِ ما قبل التَّاريخ عُثِر على آثارٍ ونقوشٍ تدل على أن الآلهة كانت الأنثى والأم آلهة الحياة والخصوبة. وفي بعض الكهوف في إسبانيا في (Cogni) عُثِر على نقوشٍ ورسومات لنساء كاملات، أما الذَّكر فقد رُسِمَ على شكل عضو التناسل. وعُثِر على مثل هذه النقوش والآثار في بقاعٍ مختلفة من العالم في الصين والهند.

على أننا لا نعرف إلا القليل عن هذه الفترات الأولى في عمر البشر، ولم يصبح تاريخ الإنسان معروفًا إلى حدٍّ ما إلا منذ خمسة آلاف عام تقريبًا من آثار قدماء المصريين وحضارتهم الأولى في تاريخ الإنسان.

وقد كان قدماء المصريين يعبدون عددًا من الآلهة. وكانت دياناتهم لا تفرِّق بين الذَّكر والأنثى، وتمجِّد الحياة والإخصاب والجسد والولادة والمطر والزرع والخير. وكانت الآلهة القديمة الأنثى هي آلهة الخير والخصوبة والنمو والحياة. لم يكن يُنظر إلى الأنثى على أنها أقلُّ من الذَّكر، ولم يكن يُنظر إلى العلاقة الجنسيَّة كإثم وعيب، ولم يكن الرَّجل يمتلك المرأة والأطفال؛ بل كانت المرأة هي التي تلد الأطفال ويُنْسَب الأطفال بالطبيعة إلى الأم، وينتقل الميراث إلى البنات. وكان إذا مات الملِك انتقل العرش إلى ابنته؛ ولذلك كان الأخ يتزوَّج أخته حتى لا يضيعَ منه العرش.

والحال نفسه كان في مختلِف أنحاء العالم، في إسبانيا وفي الصين والهند وفي اليونان. وعُرِف عن الديانات الإغريقية القديمة أنها كانت تمجِّد الحياة وتمجِّد الإخصاب والجسد، ولا تفرِّق بين الذكر والأنثى، والآلهة الأنثى القديمة هناك كانت أيضًا ترمز إلى الخير والنمو والخصوبة والحياة، ولم يكن يُنظر إلى الجنس كإثم. وكانت ولادة الأطفال أمرًا طبيعيًّا وانتساب الأطفال إلى أمهم شيئًا طبيعيًّا، وكانت الأم هي التي تلد الذُّكور والإناث على حدٍّ سواء، ولم يُعْرَف أن رجلًا ولَدَ طفلًا بحالٍ من الأحوال.

لكن الأمر لم يستمرَّ على هذا الحال؛ تغلَّب الرَّجل على المرأة بالقوة (وهناك آراءٌ عدة عن كيفية اكتساب الرَّجل لهذه القوة التي استطاع بها أن ينتصر على المرأة)٢ وعزَلها عن عرشها في الدِّين وفي الدنيا. لم تَعُد الأنثى هي الإله، وإنما ظهر الإله الذَّكر، وتدل المصادر على أن معظم الأديان بعد ذلك قامت على أن الإله الذَّكر انتصر على الأنثى التي كانت كالوحش. وأصبح الأطفال يُنْسَبون إلى الأب، وأصبح الميراث يذهب إلى الذُّكور بدلًا من الإناث.

وكان الدِّين اليهودي هو أول الأديان السماوية الذي دعم فكرةَ الإله الذَّكر وسُموِّ جنس الذَّكر على جنس الإناث. ومع ظهور الدِّين اليهودي ظهر إلى النَّاس اسم «آدم» واسم «حواء» على أنهما أوَّل رجل وأول امرأة ظهرَا على الأرض. ومنذ ذلك الحين تغيَّرت النظرةُ إلى الجنس فأصبح إثمًا، وتغيَّرت النظرةُ إلى المرأة فأصبحت أقلَّ سموًّا من الرَّجل، ورمزَ الإثم، وتجسيدَ الخطيئة. وأصبح في مقدور الرِّجال فجأةً أن يلدوا من أضلاعهم (حواء من ضِلع آدم) أو يلدوا من رءوسهم (أتينا من رأس زيوس).

وانتشرت في ذلك الوقت القصةُ التي تقول إن حواء هي التي أَغْرَت آدمَ بأن يأكل من شجرة التفاح التي حرَّمها الله، وأن هذه الشجرة أو التفاحة ترمز إلى العلاقة الجنسيَّة بينهما؛ لأنه في اللحظة التي أكلا فيها التفاحة انكشفت أعضاؤهما الجنسيَّة وغطَّياها بورق التوت.

وقد فاقت هذه القصة والطريقة التي فُسِّرَت بها الفكرة التي ارتكزت على دعامتين اثنتين.

  • (١) أن الجنس إثمٌ، والأعضاء الجنسيَّة عورة.
  • (٢) أن حواء هي السَّبب في هذا الإثم.

ومن هنا نُسِب الجنس والإثم إلى حواء، ومنها أصبح صفةَ كلِّ النِّساء، وشاعت تلك الفكرة في العصور الوسطى وبين رجال الكنيسة. وصدَّق النَّاس أن الرِّجال هم ممثلو الله على الأرض؛ لأن الله ذكَرٌ والرَّجل صورةٌ من الله، أما النِّساء فهنَّ سلالة الشيطان وأمهن حواء الآثمة.

حينما كنتُ تلميذةً بالسنة الأولى في حلوان الثانوية طلب مني مدرس اللغة العربية أن أُعْرِب الكلمات في هذه الجملة «مصطفى يحمد الله»، فقلت: مصطفى اسم مذكَّر مبتدأ مرفوع، ويحمد فعل مضارع، والله مفعول به منصوب بالفتحة. وهنا أسرع المدرس قائلًا: أستغفر الله. وشرح لي أني يجب أن أقول: الله صاحب الجلالة اسم مذكَّر. وتوقَّفت عند كلمة مذكَّر قليلًا؛ فقد خطر ببالي سؤال على الفور: لماذا يكون الله مذكَّرًا ولا يكون مؤنثًا؟ وانتفض مدرس اللغة العربية في غضبٍ واستياء وصاح: أستغفر الله! كيف يمكن أن يكون الله مؤنثًا يا بنت يا عديمة الأدب؟! كيف تجرئين وتنسبين الله إلى جنس الإناث، وجميع الآيات تخاطب الله بضمير المذكَّر «هو» وليس ضمير المؤنث «هي»؟

وأعطاني في ذلك اليوم صفرًا في الإعراب، وهدَّدني بأن مثل هذا السؤال الغريب كفيل بأن يجعلني أرسب في اللغة العربية في نهاية العام لولا أنه سيغفر لي أفكاري الشريرة على ألا أعود إليها مرةً أخرى.

إلا أنني لم أكفَّ عن التفكير. قلت لنفسي حين كبرت أكثر إن الفرْق الوحيد بين الذَّكر والأنثى هو أن الذَّكر له عضو تناسل بارز. وإن كان مدرس اللغة العربية يقول إن الله مذكَّر وليس مؤنثًا، فهل معنى ذلك أن الله له عضو تناسل؟

وسألت أبي عن الحقيقة، وكان أبي إنسانًا واسعَ الأفقِ عوَّدنا منذ الطفولة على التفكير الحر والجدل وعدم الاعتقاد بشيء إلا عن طريق الاقتناع.

وقال لي أبي إن الله مذكَّر ولكن بغير أعضاء جنسية؛ لأنه رُوح فقط وليس له جسد مثل البشر.

وسألت أبي: هل هناك رُوح مذكَّرة ورُوح مؤنثة؟

ورد أبي: لا، الرُّوح هي الرُّوح، وهي تختلف عن الجسد في أنها بغير جنس.

قلت: لماذا قلت إذن إن الله مذكَّر؟

قال أبي: إنه رُوح، لا مذكَّر ولا مؤنث.

قلت: لماذا إذن تخاطبه جميع الآيات بضمير المذكَّر «هو» وليس بضمير المؤنث «هي»؟

وقال أبي: لأنَّه لا يصِحُّ أن يُخاطَب الله بضمير المؤنث.

وقلت: لماذا؟ هل ضمير المؤنث فيه عيبٌ أو نقص غير موجود في ضمير المذكَّر؟

وقال أبي: نعم، إن سمو جنس الذكر عن جنس الأنثى هو الذي جعل الأنبياء يخاطبون الله بضمير المذكَّر «هو». إنَّ كل الأنبياء كانوا من الذُّكور ولم نسمع عن أية امرأة كانت نبيًّا. كما أن آدم كان أكثر سموًّا من حواء؛ لأنه كان الأصل وكان الأقوى، أما حواء فلم تكن إلا أحد أضلاعه، وهي التي أَغْرَته بأن يأكل من الشجرة المحرَّمة، ووقع تحت تأثير إغرائها وخالف أمر الله.

قلت بدهشة: ولكنَّ هنا تناقضًا كبيرًا يا أبي؛ فكيف تكون حواء جزءًا صغيرًا من آدم (ضلع فقط) وهي الأضعف منه، ومع ذلك تصبح هي الأقوى فجأةً فتقنعه بأن يخالف الله ويسمع آدم كلامها ولا يسمع كلام الله؟ إن حواء هنا ليست ضعيفةً وليست سلبيةً؛ بل إنها قوية، أقوى من آدم؛ لأنها استطاعت أن تقنعَ، وهي الطرف الإيجابي، آدمَ وهو الطرف السلبي.

وقال أبي: نعم، ولكن إيجابية حواء كانت في الشر فقط.

قلت: ولكنها كانت إيجابيةً وقوية، وآدم انساق وراءها وخضع لتفكيرها.

وقال أبي: نعم، لولا حواء لبقيَ آدم في الجنة؛ ولهذا السَّبب فإن الأنثى أمْيَل إلى الشر من الرَّجل. وقد نُسِب الشر إلى حواء ونُسِب الخير إلى الرَّجل، وهذا هو السَّبب في مخاطبة الله بضمير المذكَّر «هو».

قلت لأبي: ولكن حواء لم تكن السَّبب في الشر؛ لأن إبليس هو الذي أشار عليها بأن تغريَ آدم بالأكل من الشجرة المحرَّمة. إي إن إبليس هو سببُ الشر في العالم، وإبليس «مذكَّر» بدليل أنه يُخاطَب دائمًا بضمير المذكَّر «هو»؛ أي إن الذي فعل الشر في العالم مذكَّر وليس مؤنثًا، فلماذا أُلْصِقَت تهمةُ الشر والشيطنة وإغراء آدم إلى حواء؟!

وقال أبي: لأن حواء هي التي أغرت آدم.

وقلت: وإبليس هو الذي أغرى حواء.

وقال أبي: ولماذا سمِعَت حواء كلام إبليس؟

قلت: ولماذا سمِع آدم كلامَ حواء؟

قال أبي: من أجل أن يحدُث الجنس بينهما ليتناسلا ويعمِّرا الأرض بالبشر كما أراد الله.

قلت: إذا كان تعمير الأرض بالبشر لم يكن يحدُث لولا ذلك الاتصال الجنسي بين آدم وحواء، فلماذا أصبح هذا الفعل الجنسي نوعًا من الإثم؟ ولماذا نُسِب هذا الإثم إلى حواء فقط؟

وقال أبي: هذه هي إرادة الله.

قلت: ولماذا أراد الله أن يُنسَب الإثم إلى حواء؟

وظهر على وجه أبي أنه لم يَعُد مقبِلًا على استمرار الحوار معي، وأنني يجب أن أكفَّ عن الأسئلة.

بعد أن كبرتُ أكثرَ وقرأت تفسيرات متعددة مختلفة لقصة آدم وحواء ظلَّت الأسئلة في رأسي بغير جواب، وكانت كالآتي:

  • (١)لماذا استخدم إبليس حواءَ وسيطًا بينه وبين آدم؟ لماذا لم يوجِّه جهوده مباشرةً إلى آدم؟ هل كان يخاف من آدم؟ ولكن إبليس لم يَخَفْ من الله ورفض أن يطيعه، فكيف يخاف من آدم الذي سبق له أن احتقره ورفض أن يسجد له كما أمره الله وتمرَّد على الله قائلًا إنه لا يستطيع أن يسجد لآدم؛ لأن آدم أدنى منه حيث خُلِق من طين؟لم يكن إبليس حسب الشَّخصيَّة الأسطورية التي عُرِفَت عنه هيَّابًا، ولكنه كان قويًّا شجاعًا جبارًا بلغ جبروته أنه تحدَّى الله حين طرده من الجنة، وقال له في كبرياءَ وتحدٍّ بلغ حدَّ الصَّلف إَّنه سوف يغري عباده ويغويهم ويحرِّضهم ضده ويوسوس لهم حتى يعصوا أوامره. وانطلق فعلًا في العالم يُنفِّذ التَّهديد الذي هدَّد به الله.ولكنَّه حين بدأ نشاطه الشيطاني هذا لم يبدأه من آدم، ولكنه بدأه مع حواء بالرَّغم من أن هدفه النهائي كان هو آدم. كان يريد أن يجعل آدمَ يعصي الله ليطرده من الجنة.
  • (٢)كيف سمِع آدم كلام حواء ولم يسمع كلام الله، مع أن حواء حسب القصة، لم تكن إلا ضلعًا من ضلوعه؟
  • (٣)لماذا نُسِب الإثم إلى حواء مع أنها لم تكن إلا أداة بين إبليس وآدم؟

وأخذتُ أبحث في بعض التفسيرات وفي الكتب وآراء الفلاسفة، ووجدت ما يقول إن الله واجه حواء وسألها عما فعلت بآدم، حيث إنها أَغْرَته وجعلته يخالف الله ويفعل الشيء المحرَّم (الجنس).

وأجابت حواء على الفور قائلة: «لقد أغرتني الحيَّة وأكلت من الفاكهة المحرَّمة. ولعن الله الحية.» ثم قال لحواء: «سوف أضاعف ألمَك في الولادة. ستلدين في الأسى والألم، لكن رغبتك ستظل لزوجك، زوجك سوف يحكمك.» وفيما يلي نصُّ التوراة عن هذه الواقعة: «اختبأ آدم وحواء من وجه الرَّب الإله في وسط شجر الجنة، فنادى الرَّب الإله آدمَ وقال له: أين أنت؟٣ فقال: سمِعت صوتك في الجنة فخشيت لأني عريانٌ فاختبأت. فقال: مَن أعلمك أنك عريان؟ هل أكلت من الشجرة التي أوصيتك ألَّا تأكل منها؟ فقال آدم: المرأة التي جعلتَها معي هي أعطتني من الشجرة فأكلت. فقال الرَّب الإله للمرأة: ما هذا الذي فعلتِ؟ فقالت المرأة: الحية أغرتني فأكلتُ. فقال الرَّبُ الإلهُ للحية: لأنكِ فعلتِ هذا، ملعونةٌ أنتِ مِن جميعِ البهائمِ ومِن جميعِ وحوشِ البرِّيَّة، على بطنِكِ تَسْعَيْن، وتُرابًا تأكلين كلَّ أيام حياتِك. وأضعُ عداوةً بينكِ وبين المرأة وبين نَسلِكِ ونَسلِها. وهو يسحق رأسَكِ، وأنتِ تسحقين عَقِبَه. وقال للمرأة تكثيرًا أُكثِّر أتعابَ حَبَلك، بالوجع تلدين أولادًا، وإلى رَجُلك يكون اشتياقُك وهو يسُودُ عليكِ» (انظر التوراة، سِفْر التكوين، الإصحاح الثالث: ٣، ٤).

وقيل إن الذي أغرى حواء لتأكل من الشجرة هو إبليس، وسوس إبليس لحواء أن تأكل من الفاكهة وأن تُغْريَ آدم بها. لم يُعطِها التفاحة إلا بعد أن أقسمت أن تجعل آدم يأكل منها أيضًا. وافقت حواء وقالت: «حينما أقسمت لإبليس ذهب وصبَّ على الفاكهة سُمَّه الشرير (وهو الشهوة الجنسيَّة) التي هي أصل وبدء كل الآثام، وقرَّب الغصن من الأرض وأخذته وأكلتها.»

وتشعر حواء على الفور بالخجل من عورتها وتغطي نفسها. وهي تشارك آدمَ سرَّها وتغريه بأن يأكل مثلها الفاكهة، ويأكل آدم، وعلى الفور تُفتح عيناه ويرى عورته ويعرفها، ويقول لها: أيتها المرأة الشريرة، ماذا فعلتُ لكِ حتى تحرميني من عظمة الله؟

وكان إبليس هو الذي أراد أن يحرِم آدمَ من الله بعد أن غضِب إبليس من الله؛ لأنه طرده من الجنة؛ ولأنه أيضًا كان يحسُد آدم الذي كان يتمتع بثقة الله وحبِّه لدرجةِ أن الله خلق آدم صورةً منه. وظلَّ آدم صورةَ الله السامية عن أي خطأ أو إثم إلى أن جاءت حواء التي هي سببُ الشر. أي إن آدم بريء، إنه لم يفعل شيئًا سوى أن تذوَّق الفاكهة (اللذة الجنسيَّة) التي قدَّمتها له حواء. أما حواء فهي التي عَرَفَتْ هذه اللذة الجنسيَّة باتحادها الإثم بالشيطان. إنَّ الشَّيطان لم يلمس آدم، ولكنَّه أغواه عن طريق حواء التي جَلَبَت لآدم السُّقوطَ ثُمَّ الموت (كان آدم قبل ذلك ملاكًا خالدًا في الجنة لا يموت أبدًا، لكنه بعد أن عرف الجنس أصبح معرَّضًا للموت والفناء، ومن هنا ارتبط الجنس بالموت، وأنَّ المرأة سببُ الموت والدمار في العالم).

بسبب خطيئة حواء جاءت البشرية كلها، وبسببها أيضًا نموت. وأصبحت المرأة كبشَ فداء لكل آثام الرِّجال. إن الرَّجل ليس آثمًا بالطبيعة؛ لأنه صورةٌ من الله ويحتوي في داخله على روح الله، نفخ الله من روحه في مريمَ العذراءِ فحملت وولدت يسوعَ المسيحَ ذكرًا مقدَّسًا سيدًا ممنوعًا من النِّساء لا يمارس أيَّ علاقة جنسية بالنِّساء؛ ولهذا السَّبب كان الأنبياء كلهم من الرِّجال وكهنة العصور الوسطى كلهم من الرِّجال، واعتبروا أنفسهم ممثلي الله على الأرض وحكموا بالقتل والحرق على عدد من النِّساء؛ حيث أطلقوا عليهن اسم الساحرات الشيطانات لمجرد أن الواحدة منهن خالفت زوجها أو خالفت الكاهن أو لمجرد هبوب عاصفة، وكانوا يُرْجِعون سببَ العواصف والكوارث إلى جنس النِّساء.٤ وكانوا يؤمنون بأن المرأة يمكن أن تعاشر الشيطان جنسيًّا، وكان عليهم أن يبحثوا عن هؤلاء النِّساء ويقتلوهن على الفور. وتركت لنا العصور الوسطى رسومًا متعدِّدة لنساءٍ راكعات خلفَ الشيطان يحاولن تقبيل مؤخرته. وفي القرن ١٣ آمن بعضُ رجال الكنيسة — مثل توماس الأكويني، وألبرتوس ماجنوس، وهما من أكبرِ أساتذة اللاهوت في ذلك الوقت — أن المرأة يمكن أن تتصل بالشيطان جنسيًّا. وكانت محاكم التفتيش تبحث عن النِّساء اللائي عاشرن الشيطان لتحرقهنَّ. أما كيف تُعرف المرأةُ التي عاشرت الشيطان فهذا كان من اختصاص صيادي الساحرات. وكانت هناك علاماتٌ معينة سمَّوها علامات الشيطان. وقد لا تكون إلا منطقة صغيرة من الجلد كالوشمة أو كالدُّمَّل القديم وتُحْرَق المرأة فورًا.

وفي هذه العصور قُتِلَت ملايين النِّساء لمجرد الاشتباه في أنهن عاشرن الشيطان!

وفي الوقت الذي كانت فيه الكنيسة والدولة تقتل هؤلاء النِّساء بتهمة الجنس كانت تتستَّر؛ بل تُبارك النشاط الجنسي المنحرف الشاذ لطبقة النبلاء والإقطاعيين والفرسان وكلِّ مَن يملكون الأموال والأرض والسلطة؛ بل إن الصلة الجنسيَّة بين رجال ونساء هذه الطبقة ارْتَدَت ثوبًا دينيًّا مقدَّسًا بما فيها الخيانات والانحرافات والاتصال بالمومسات.

وكان الرِّجال في ذلك الوقت من طبقة الحكام يمارسون الجنس بشتَّى أشكاله وألوانه. عَرَفَ التَّاريخ في ذلك العهد الدُّوق وليم التاسع الذي اشترك في الحروب الصليبية بجيشٍ كبير قيل إن عدد المومسات فيه كان أكثر من عدد الجنود، وإنه عاد مهزومًا بعد أن فقد كلَّ جنوده ولم يبقَ من جيشه إلا المومسات.٥

أصبحت المرأة سببَ الكوارث والآلام في الحياة، وأصبحت كبشَ فداء لكل آثام الرِّجال وأخطائهم، ولكل الشرور في العالم. وأصبح الرَّجل هو ممثِّل الله، وهو ممثِّل الخير والسمو، والمرأة أصبحت ممثِّلة الشيطان، والإثم والجنس.

ومن هنا أوجد الرَّجل المبرِّر الذي يحكم به المرأة، واعتمد في هذا التبرير على شيئين:

  • (١)أن الشر سيظل موجودًا في العالم على الدوام طالما أن المرأة منبعه.
  • (٢)يجب أن يحكم الرَّجل المرأةَ حتى لا ينتصرَ الشرُّ ومن أجل أن يعمَّ الخير.

وقد ضرب الرَّجل عصفورين بحجر واحد؛ ذلك أنه حكمَ المرأة، وفي الوقت نفسه اعترف بوجود الشر على الدوام وبأنه (أي الرَّجل) سيمارس الشرَّ ما دام موجودًا على الدوام.

وقد استمر الرَّجل فعلًا على مدى العصور منذ بدء أسطورة حواء وآدم يمارس الشر والعدوان، ويعطي نفسَه كلَّ المبرِّرات للقتل من أجل الامتلاك والجشع. وبالمثل أعطى نفسه حقَّ ممارسة الجنس خارج الزواج وداخله، يمارسه مع الخليلات والجواري والسراري والمومسات والزوجات ومَنْ ملكت أيمانُهم، يمارسه بالليل والنهار ويخدع البنات ويدفع للمومسات، ولا يكفُّ أبدًا عن ممارسة الجنس. ومع ذلك فهو بريء براءةَ آدم من الفعل الجنسي؛ لأن حواء الشريرة هي السبب. وقد حكم الرَّجل المرأةَ وفرضَ عليها العفَّة والعذرية طوال حياتها فيما عدا حالة واحدة، هي أن يختارها أحد الرِّجال لتكون زوجةً له. حينئذٍ يكون مُباحًا لها أن تمارس ذلك الفعل الجنسي الآثم مع زوجها فقط (ولا تذهب إلى رجلٍ آخر وإلا قُتِلَت)، وهي حين تمارس هذا الفعل مع زوجها فهي تمارسه من أجل إنجاب الأطفال وليس من أجل اللذة الآثمة. وهي تكفِّر عن ذنبها؛ وذلك بأن تلد في الأسى والألم وتصبح بعد ذلك طاهرةً من الإثم؛ ولذلك أصبحت ولادةُ الأطفال عملًا طاهرًا بعكس العمل الجنسي الآثم. مع أن العملَين عملٌ واحد، وأن العمل الجنسي يقود إلى ولادة طفل، وولادة الطفل لا يمكن أن تحدُث بغير الفعل الجنسي.

لكن الرَّجل فصل بين ولادة الأطفال وبين الجنس. كان الرَّجل يحتاج إلى الأطفال ليرثوا أمواله ويحملوا اسمه، فجعل من ولادة الأطفال عملًا شريفًا بل مقدَّسًا، ووضع الأمهات بالتالي في وضعٍ مرتفع يكاد يكون مقدَّسًا في بعض الأحيان. أما جميعُ النِّساء الأخريات (فيما عدا الأمهات) فهنَّ مدنَّسات: الزوجات اللائي لم يلدن، والعشيقات، والمومسات، والخليلات، والسراري، والجواري. بالطبع هناك عاشقاتٌ ومومساتٌ وجوارٍ يلدن أطفالًا لكنَّهن لا يُصبحن أمهاتٍ أبدًا. إنَّ المرأة منهن تظل مدنَّسة بل تزداد بولادة الطفل دناسةً، وطفلها أيضًا يصبح مُدنَّسًا وغيرَ شرعي ويُحْرَم من الشَّرف ومن اسم أبيه.

وهنا نضع أصبعنا على المشكلة الأساسية؛ مشكلة الميراث واسم الأب. كان المجتمع البشري قبل نشوء الأسرة الأبوية مجتمعًا أموميًّا، يَنسب الأطفال إلى الأم. وكان للأم حريةٌ واسعة تشبه إلى حدٍّ كبير حريةَ الأب في مجتمعنا الحاضر، فهي التي تختار الرَّجل، وهي التي تتركه وتختار رجلًا آخر. والرَّجل كان حرًّا أيضًا، لكن حرية الرَّجل كانت أقلَّ من المرأة؛ لأن المرأة تَعْرِف أطفالها وتَنسبهم إليها، أمَّا الرَّجل فلا يعرف أطفاله لأنه لا يلدهم. وحينما زادت ملكيةُ الرجل للأرض وأراد أن يعرف أطفاله ليورثَهم انتزعَ النَّسب من الأم، وأنشأ أسرتَه الأبويَّة. ولم يكن في إمكان الرَّجل أن يُنشئ أسرته الأبوية، ولا أن تستمر هذه الأسرة دون أن يفرض على المرأة سيطرته بالقوة وبالقانون.

ومن هنا أنشأ الرَّجل قوانينه الاقتصادية التي تحرِم المرأة من الإنتاج والعمل لتكون عالةً على زوجها وتحت رحمته، وفرض عليها القوانين الاجتماعية التي تبيح للزوج أن يقتل زوجته إذا خانته أو خالفته، وفرض عليها القوانين الجنسيَّة التي تفرض عليها العفَّة والعذرية، وفرض عليها القوانين الأخلاقية والدينية التي تجعلها الجنس الأدنى، والجنس الملوَّث الذي يجب أن يتطهَّر من الذنوب والدنس.

إن المرأة — في رأيه — مخلوقٌ مدنَّس، وبالذات في أيام الدورة الشهرية وفترة الولادة؛ بل في بعض الأحيان يعتبر الطفل المولود مدنَّسًا حتى يُعَمَّد baptism.

في مجتمعات الأمومة كانت هناك دياناتٌ قديمة وآلهة قديمة. لكن الآلهة لم تكن ذكورًا فقط وإنما كانت هناك آلهةٌ ذكور وآلهة إناث. وكانت الديانات تؤكِّد الحياة ولا تفرِّق بين الذُّكور والإناث وتحترم الجنس، بعكس الديانات في المجتمعات الأبوية التي أصبحت ترتكز على الموت وعلى تأثيم الجنس والتفرقة بين الذُّكور والإناث.

الديانات المصرية القديمة كانت تؤكِّد الحياةَ وتحترم الولادةَ والمرأة وترفع مكانة المرأة عاليًا في الحياة وتجعلها مثل إيزيس إلهةِ الخلق والخير والحياة. بعد سيطرة الرَّجل تغيَّرت الديانة وأصبحت ترتكز على الموت والدمار وتقلِّل من شأن المرأة، وسيطر على المجتمع الجشع والملكية والإقطاع والتقاتل على توسيع الأملاك.

وما حدث للديانة المصرية القديمة حدث للديانة الإغريقية القديمة، تحوَّلت من احترام الجسد واحترام المرأة إلى تأثيم الجسد والهروب الصوفي منه بعد أن سيطر الرَّجل في الأسرة والمجتمع، وبدأ الجشع والإقطاع والحروب حتى فقدَ الإغريق حريَّتهم تحت سيطرة إمبراطورية الإسكندر الأكبر.

معظم الآلهة القديمة كانت إناثًا، ويرمزن إلى المطر والخضرة والخير مثل الإلهة باليزم Baalism، والإلهة أستريت Astarte والإلهة ماجنا Magna، وإيزيس Esis.

كانت الديانات القديمة تمجِّد الحياةَ والطبيعة والإنسان وتمجِّد جسد الإنسان ورغباته وتحترم النِّساء والرِّجال وتحترم العلاقة بينهم.

بعد سيطرة الرَّجل وانتشار الملكية والإقطاع والتوريث، تغيَّرت الأفكار، وأصبحت تفصل بين جسد الإنسان ونفسه أو روحه. واعتبرت المرأة ممثلةً للجسد، والرَّجل ممثِّلًا للرُّوح، ومُجِّدت الرُّوح ليُمَجَّد الرَّجل، وحُقِّر الجسد لتُحقَّر المرأة.

الديانة اليهودية كانت أوَّلَ ديانة تُبْرِز هذه التفرقة بين الجسد والرُّوح وبين المرأة والرَّجل، إلى حدِّ أن الرَّجل اليهودي يقول كل صباح حين يصلي: «أحمدك يا رب؛ لأنك لم تخلقني امرأة.»٦

وبالرغم من أن هناك نصًّا آخرَ صريحًا في التوراة يقول: «الله خلق الإنسان في صورته هو؛ في صورة الله خُلِقَ الإنسان، ذكرًا أو أنثى، هو خلقها.» بالرغم من هذا النص فإن رجال الدِّين اليهودي اكتفَوا بالجزء الأول من هذه العبارة، واستبدلوا كلمة الإنسان بالرَّجل، وخرجوا منها أن الله خلق الرَّجل في صورته هو، وأن الله هو روح الرَّجل أو عقله، أما الجسد فهو المرأة.

وكانت الديانة المسيحيَّة في بدايتها تتمثَّل روح المسيح الذي دعا إلى المساواة بين البشر، لا فرقَ بين ذكر وأنثى، ولم ينظر إلى اللذة الجنسيَّة كإثم؛ بل إنه رأى أن هدف الزواج هو العلاقة الزوجية بين الرَّجل والمرأة وليس مجرد الإنجاب؛ ولهذا لم يكن يسمح بالطلاق إذا لم ينجب الزوجان وقال إن الزواج صلةٌ باركَها الله ولا يفصم عُراها إلا الله؛ أي موت أحد الزوجين. وهذا يدل على أن مفهوم المسيحيَّة عن تأثيم اللذة الجنسيَّة والتكفير عنها لم ينبع من المسيح نفسه وإنما من خلفائه. وبالمثل أيضًا لم يساند المسيح الأثرياء والحكام كما فعل رجال الكنائس من بعده، لكنه كان يؤمن بأن «مرور جمل من ثَقب إبرة أسهل من دخول ثَرِي إلى ملكوت الله». لكن الظروف الاجتماعية والاقتصادية القائمة على المِلكية والإقطاع وسيطرة الرَّجل حوَّلت المسيحيَّة إلى ديانةٍ تفصل بين الجسد والروح، وتفصل بين جنس الرِّجال وجنس النِّساء، وتعتبر الرِّجال هم الجنس الأسمى ويمثلهم على الأرض المسيح ابن الله أو روح الله. أما جنس النِّساء فهو الجنس الأدنى؛ لأنه يمثِّل الجسد.

وبهذا اتجهت المسيحيَّة مثل اليهودية إلى ذلك الاغتراب عن الجسد وعن حقيقة الحياة، ونتج عن ذلك تلك الحالة التي أُطْلِقَ عليها «تجربة الاغتراب عن الحقيقة» (alienated experience of reality) وما أحدثته من ازدواجية في حياة الإنسان. وأصبح هناك رأيان يتصارعان:

  • (١)الرأي الإنساني القديم القائل بالطبيعة الخيِّرة لجسد الإنسان (وهو مستمَد من الديانات القديمة المؤكِّدة للحياة قبل اليهودية في مصر القديمة والإغريق).
  • (٢)الرأي الآخر الذي انتشر بعد اليهودية والمسيحيَّة والذي يقود إلى اغتراب الجسد عن الحقيقة والهروب من العالم المادي إلى عالم الروح، وقد ساعد ذلك على تسهيل قيام الإمبراطوريات والمستعمرات.

وقد ظلَّ الصراع بين هذين الرأيين على مرِّ العهود. يقف مع الرأي الأول ذوو العقول المستنيرة المتقدمة من البشر والذين يؤمنون بالمساواة والعدالة، لا فرق بين فقير وغني أو ذكر أو أنثى. ويقف مع الرأي الثاني ذوو العقول الجامدة والذين يؤيدون الاستغلال والتفرقة بين البشر على أساس الجنس واللون والطبقة.

ظهر هذا الصراع واضحًا في القرن الثاني بين الجناح اليميني المتزمت من العلماء الروحانيين وبين الجناح اليساري المتقدم من المسيحيين. قال العلماء المتزمتون إن العالَم خُلِقَ من خلال خطيئة «الشر» «والإثم»؛ ولذلك فإن مصير هذا العالَم نحو عالَمٍ آخرَ روحي بعيد عن ذلك العالم الشرير.

لكن العلماء الأكثر تقدُّمًا رفضوا هذا الفصل الشديد بين العالمَين (عالم الشر وعالم الخلاص والتطهير)، وأكدوا نوعًا من الوحدة بين الأب «الله» أبي المسيح وبين الله الخالق الذي أنزل التوراة والإنجيل إلى الأرض والبشر؛ أي هناك اتصال بين عالم الروح وعالم الأرض أو الجسد.

وفي القرن الثالث حاول أحدُ المفكرين الإغريقيين (أوريجن) أن يوفِّق بين الصراع بأن قال إنه في البداية كان هناك عالَم روحاني، ثم ظهر عالَم مادي بسبب سقوط الأرواح في الخطأ، لكن العالم الروحاني هو مأوى الإنسان الحقيقي والذي يعود إليه بعد التكفير والتطهير والخلاص.٧

وفي القرن الرابع طوَّر الإغريقيون نظريةَ أوريجن ورأوا المخلوق الأول والإنسان شيئًا واحدًا روحانيًّا ويقابله مخلوقٌ فرعيٌّ آخرُ جسدي مزدوج الجنس (فيه ذكر وأنثى)، وكان أوريجن قد طوَّر نظريةَ القديس بول عن «الجسد الروحي»؛ ليشير إلى مخلوقٍ أصلي كان نوعًا من «الجسد اللاجسدي» والذي ذابت فيه مادةُ جسد الإنسان في روحه بطريقةٍ جعلت المخلوق الأول «روحانيًّا».

في القرن الثاني ظهر في الغرب بعضُ المفكرين من أمثال: جاسين، تيرتيولبن، أيرونوس، الذين دافعوا عن المخلوق الأصلي الجسدي، وقد أدَّى ذلك إلى انتشار النزعة الحسية في الغرب عن الشرق.٨

وطوَّر رجال الكنيسة هذه الأفكار قائلين إن هناك مخلوقًا جسديًّا أصليًّا لم يكن حسيًّا تمامًا، ثم بُعِث جسدٌ آخرُ لم يكن جسديًّا ولكنه تحوَّل إلى جسدٍ روحي. ولكن هذا التطوُّر والتوفيق بين الجسد والروح لم يَزِد الأمر إلا غموضًا ولم يَحُل الصِّراع.

وظلت المسيحيَّة الإغريقيَّة واللاتينية مؤمنةً بالروحانية والأفلاطونية وفلسفة العالم الآخر والبعث والخلود والحساب والخلاص والتَّطهر من الآثام كرفضٍ للجسد وهروب الروح من الحسية المادية.

وأصبحت المرأة في المسيحيَّة — كما كانت في اليهودية من قبل — كبشَ الفداء الذي يقع بين فكَّي هذا الصِّراع الضَّاري بين الروح والجسد أو بين الخير والشر. وقالوا إنَّ الله خلق الرَّجل صورةً منه، وإنَّ الله روحٌ، روحٌ مائة في المائة، وليس لها جنس ولا أعضاء جنسية. لكنهم اصطدموا بالفكرة الأخرى التي توفِّق بين الجسد والروح، ونتج عنها أن الله ليس ذكرًا وليس أنثى، وإنما مزدوج الجنس، وقالوا إما أن الروح لها جنس أو أن الله له جسد. وحيث إنه من الكفر الاعتقاد بوجود جسد لله أو أعضاء مذكَّرة أو مؤنَّثة، فإن الفكرة يجب أن تُشْطَر نصفين بحيث تُفَسَّر صورةُ الله على أنها روحية فقط لا جنسية، أمَّا الجنس فيُعْزَى إلى شيءٍ آخر، فقد أُلْصِق الجنس بالمرأة وأُلْصِقَت بها كلُّ التُّهم.

وقال المفكِّرون في ذلك الوقت: إنَّ الازدواجية تكون فقط في الأشياء الحسيَّة المادية. أمَّا الله فهو روحي خالص وليس مزدوجًا. كما أنَّ صور الله في الرَّجل لا يمكن أن تكون مزدوجة. وخرج من هذه الفكرة رأيٌ يقول إنَّ الله لا جنسي، وكذلك أول الخليقة البشرية «آدم» لم يكن محدَّد الجنس.

في القرن الرابع جاء أبو الكنيسة الإغريقية «جريجوري نيسا»، وقال إن الله روحي خالص، وإن الجنس بعيدٌ عن الله، وبعيد عن آدم، وإنما أُضيف إليه فقط حين سقط بسبب حواء أو الجنس، ومِن ثَم الموت، ولو أن آدم التصق بروح الله من خلال طاعته للحكمة الإلهية التي من صورتها خُلِقَت روحه، لكان من الممكن أن يكون خالدًا ولا يموت أبدًا. إنَّ جسده المادي يمكن أن يظلَّ في كيانه الروحي على نحوٍ ما يجعله غيرَ قابل للتغيُّر أو الموت. ولكنَّ الإنسان له صفةٌ مادية أخرى لم تأتِ من عند الله، ولكن من العدم الذي وُجِد منه العالَم المادي. إن المادة التي خلقها الله «خيِّرة»، ولكن لها صفةٌ سلبية مأخوذة من العدم الذي انتصر عليه الله بخلق العالم المادي، والذي يعود مرةً أخرى إلى العدم؛ أي من حيث أتى. لكنه يقول إنه لو كان آدم أطاع الله لأصبح جسده مرتبطًا بالروحانية الإلهية وبقي خالدًا، ولكن حينما أدار آدم ظهرَه لله من أجل هذه الرغبة الجسدية الفانية فقد أصبح كِيان الإنسان كله قابلًا للفَناء، ولم يصبح له من عزاء عن الخلود أو علاج للموت إلا التناسل.

ولم يكن نيسا Nyssa واثقًا من أن الجنة سيكون بها زواج، وإنما نوع من التكاثر الملائكي الروحاني الذي نتج عنه تكاثرٌ في عدد الملائكة بغير زواج أو جنس، وأن آدم نتاج هذا التناسل الروحاني اللاجنسي السامي.

أما أوجستين٩ فقد قال إنَّ الرَّجل هو الروح السامية، وإن الأنثى هي الأدنى ذات الجسد والشهوة الجنسيَّة. إنَّ الرَّجل في صورة آدم هو الزوج الذي هو صورة من صور الله. وفي رأيه أيضًا أنَّ آدم مُزدوج؛ لأنَّه يمتلك روح الذَّكر الإلهية السَّامية وجسد الأنثى المادي الأرضي والأدنى. لذلك حين جاءت حواء فقد جاءت فقط لتكون زوجة آدم وتلد أطفاله؛ أي دورها هو دور الأم فقط، أما أدوارها الأخرى الروحية والطينية والفكرية فهي مرفوضة تمامًا. وقال أوجستين إنَّ الرَّجل فقط صورة كاملة من الله، وإن المرأة لا تصبح صورة من الله إلا إذا انضم إليها زوجها الذي هو رأسها. ويرتكز أوجستين في هذه الفكرة على الآية الموجودة في التوراة التي تنص على أن يصليَ الرَّجل لله دون أن يغطيَ رأسه لأنه صورة من الله، أما المرأة فلا بد أن تغطيَ رأسها وهي تصلي.

وفسَّر ذلك أن المرأة ناقصة، والذي ينقصها بالذات هو «الرأس»، فهي جسد بغير رأس، ومن هنا فكرة أن المرأة لا عقل لها، أو أنَّ عقلها ناقص. وحيث إن الفرق بين الإنسان والحيوان هو العقل، فإن الرَّجل إنسان كامل، أما المرأة فهي جسد شهواني حيواني ينطوي على الإثم والخطيئة بالطبيعة وبإرادة الله.

ومن هذا الاعتقاد الدِّيني والفلسفي جاءت الفكرة العلمية التي قالت بأن المرأة كمخلوق أقلُّ تطورًا من الرَّجل، وأنها في نظام الطبيعة والكون والتطور تأتي بعد الرَّجل. بل إن العلماء الذين آمنوا بنظرية داروين (التي تناقض الأفكار السابقة في كيفية خلق الإنسان والكون) لم يتخلصوا من فكرةِ أن المرأةَ أقلُّ من الرَّجل تطورًا، وأن الرَّجل هو الأصل والمرأة هي الفرع. فقال بعض العلماء إنَّ ذَكَرَ الإنسان تطوَّر قبل الأنثى من القرود، وإنه سبقها في الكفاءة البيولوجية، وإن عقله سبق عقلها في التطور؛ ولذلك حَكَمَ الرِّجالُ النِّساءَ في الأسرة وفي المجتمع.

ومن الأفكار الطِّبيَّة أيضًا التي ورِثناها هي تلك التي تفتَّقت عنها عقول رجال الدِّين ورجال الكنيسة في العصور الوسطى، الذين رغم جهلهم بالبيولوجيا أو جسم المرأة أو جسم الرَّجل أو علم الأجنة، فقد أصدروا قرارًا يقول إنَّ الجنين يظل ميتًا حتى يبلغ من العمر أربعين يومًا، ثم تدبُّ فيه «الروح» إذا كان ذكرًا. أما إذا كان أنثى فإنه يظل ميتًا لفترة ضعف فترة الجنين الذكر — أي ثمانين يومًا — ثم تدبُّ «الروح» في الجنين الأنثى. وأصبح مصرَّحًا بإجهاض الجنين الأنثى قبل ثمانين يومًا، أمَّا الجنين الذكر فلا يُجْهَض بعد الأربعين يومًا. وكيف عرفوا الجنين الذَّكَر من الأنثى في هذه الأيام الأولى التي يعجز الطِّبُّ الحديث عن معرفتها؟! بالطبع كانت لهم وسائلهم الخاصة. فالمرأة الحامل في الأنثى تفقد وزنها وتصبح شاحبةً عليلة بسبب الأنثى داخلها. أما المرأة الحامل في الذكر فيكسو وجهها اللحم والنضارة لأنها تحمل الجنس الأعلى. وما زال كثير من النَّاس يؤمنون بمثل هذه الخرافات حتى اليوم في ريف مصر؛ بل في مدنها أيضًا.

وقد ورِث أطباء العصر الحديث هذا التراث الطبي من العصور الوسطى وتسرَّبت هذه الخرافات إلى علوم البيولوجيا، وظهر علماء رجال يعتقدون بأنه ما دامت «الروح» تدبُّ في الجنين الذكر قبل الأنثى فإن الذَّكرَ بيولوجيًّا أعلى درجة من الأنثى، وأنه ينضج روحيًّا أسرع من الأنثى؛ أي إنه ينضج عقليًّا أسرع منها، ودعمت الفكرة الشائعة التي تقول بأن عقل المرأة أقل من الرَّجل. ولهذا السَّبب فإن معظم العلماء والمفكرين من الرِّجال وليسوا من النِّساء. وبمثل هذه الأفكار الخرافية قال هؤلاء العلماء إن عقل الرَّجل الأبيض في أوروبا وأمريكا سبق عقل الرَّجل الأسود في أفريقيا من حيث التطور ومن حيث الكفاية؛ ولذلك حكم الرَّجل الأبيضُ الأسودَ، ومعظم المفكرين والعلماء من الرِّجال البيض وليسوا من الرِّجال السود.

وقد ثبت خطأ النظريات جميعًا، واتضح أن أنثى الإنسان هي التي سبقت ذَكر الإنسان في التطور من الحيوانات الثديية،١٠ وأثبت علم البيولوجيا الحديث أن تكوين المرأة البيولوجي أقوى من الرَّجل، وأن مخ المرأة مثل مخ الرَّجل الأبيض مثل مخ الرَّجل الأسود من حيث التكوين والكفاءة. أمَّا أن الرَّجل حَكمَ المرأة، وأن الرَّجل الأبيض حكمَ الرَّجل الأسود، فهذا يرجع إلى أسبابٍ أخرى وأساليبَ ضد الطبيعة وضد الإنسان، مثل الاغتصاب والعدوان والقتل والخيانة والغدر والكذب والمؤامرات السياسية وفرض القوانين الظالمة القائمة على الاستغلال والقهر الجسدي والنفسي والاقتصادي والفكري. وهذا هو السَّبب في أن عدد المفكرين والعلماء الرِّجال كان أكثرَ من عدد النِّساء، وأنَّ عدد الرِّجال البِيض من علماء ومفكرين كان أكثر من عدد الرِّجال السود، وأن عدد المفكرين من الطبقات العليا أكثر من المفكرين من الطبقات الدنيا.

هذه كلها أفكار حديثة خرج بها العلماء والبحوث الجديدة التي قام بها الرواد من الرِّجال والنِّساء، وكشفوا النقاب عن كثير من الأفكار الفلسفية الخاطئة التي وقع فيها الفلاسفة الذين عاشوا في عهود الإقطاع والظلم، والذين تصوَّروا أن العنف والعدوان جزءٌ يأبى الانفصال من الطبيعة البشرية، وأن الرَّجل «جسد ورأس» وإنسان كامل وصورة كاملة من الله، أما المرأة فهي جسدٌ بغير رأس، وعليها أن تغطي رأسها وهي تصلي، ولا أدري كيف يمكن أن يكون رأس المرأة غير موجود أصلًا ثم يُطْلَب منها أن تغطيه؟

لكن «تيرتولين» — وهو فيلسوفٌ آخرُ كان واسع الشهرة كأوجستين — قال إن النص في التوراة الداعي إلى أن تغطي المرأة رأسَها يرجع إلى أن حواء هي المسئولة عن الإثم كله؛ ولهذا يجب أن تغطي رأسها احتقارًا لهذا الرأي المدنس الآثم. ويخاطب تيرتولين حواء في هذا الصدد قائلًا:١١ «أنتِ الباب الذي يقود إلى الشيطان. أنتِ التي فتحتِ الطريق إلى تلك الشجرة المحرَّمة. أنتِ أول مَن عصا أمرَ الله. أنتِ التي أغريته حين عجز الشيطان أن يغريَه. أنتِ حطَّمتِ بسهولة صورةَ الرَّجل الإلهية. أنتِ سببُ الموت. وبسببك أيضًا يموت ابن الله.»

وقد تأثَّر كثيرٌ من الفلاسفة ورجال الدِّين بهذا الكلام إلى حدِّ أن قالوا إن المرأة تخجل ويحمرُّ وجهها خجلًا وعارًا حينما تفكِّر في الطبيعة التي خُلِقَت بها.

ونَقلَ هذا الكلامَ عن تيرتولين كثيرٌ من المفكرين في الغرب والشرق، وأصبح كثير من المفكرين يتفاخرون بعدائهم للمرأة. كنت أندهش وأنا تلميذة صغيرة كيف يفخر مفكِّر كالعقاد أو توفيق الحكيم بأنه عدوٌّ للمرأة! وقد قرأت لأحد المفكرين العرب — وهو زكي مبارك — كلامًا يشبه كلام تيرتولين عن حواء؛ إذ كتب يقول:

«المرأة تملِك أصول الشهوات، وهي باب الدمار والخذلان، والمرأة هي الجحيم، هي البلاء يصبُّه الله على رءوس العباد، هي الشقاء والكرب الذي يسبق الموت، والمرأة في جميع أحوالها مصدرُ فساد، ولها مداخل إلى الفتنة يعجز عنها إبليس.»

وردَّد هذا الكلام كثير من فلاسفة الغرب ومفكريه، ومنهم جان جاك روسو والفيلسوف الألماني أرتور شوبنهور الذي قال: «يكفيك أن تنظر كيف تكوَّنت المرأة لتدرك أنها لم تُخْلَق للعمل الجاد، سواء كان فكريًّا أو عضليًّا. إن نصيب النِّساء من الحياة هو التحمُّل والصبر وليس الفعل أو العمل.» أما روسو فقال: إن الرِّجال يعيشون حياةً فضلى بدون النِّساء، أما النِّساء فلا يمكن لهن أن يعشن حياةً فضلى بدون الرِّجال.

وسوف نفهم في الفصول القادمة من هذا الكتاب كيف أن مثل هذا العداء للمرأة ليس إلا إحساس الرَّجل بالنقص والضَّعف أمامها. وقد اتضح أن معظم الرِّجال من أعداء المرأة عانَوا من مشاكلَ جنسيةٍ ونفسية في علاقاتهم بها، من أمثال تيرتولين إلى أوجستين إلى أفلاطون إلى أرسطو إلى أوريجن إلى جان جاك روسو إلى شوبنهور إلى المعري إلى العقاد إلى مبارك، وغيرهم كثيرون.

ولم يحاول تيرتولين ولا زملاؤه من الفلاسفة أن يفكِّروا بعقولٍ هادئة موضوعية؛ لأنهم لو فكَّروا على هذا النحو لأدركوا التناقض الصارخ الموجود في أفكارهم في ذلك الحين. فكيف تكون المرأة بغير رأس وبغير عقل ثم تستطيع أن تفعل بآدمَ ما عجز الشيطان أن يفعله؟ وتستطيع أيضًا أن تحطِّم صورةَ الله وتسبِّب الموت للعالَم وتسبِّب الموت لابن الله؟! إنها بهذه القدرة الجبارة لا تملك رأسًا فحسب، ولكنها تملك قوةً وجبروتًا وإيجابيةً وذكاءً وعقلًا لا يملكه إلا الإله؛ بل إنها استطاعت أن تحطِّم صورةَ هذا الإله.

وربما أحسَّ أوجستين هذا التناقض الصارخ فخرج بفكرةٍ جديدة تُجرِّد حواءَ من شرف الإيجابية والقوة (وإن كانت قوةً شريرة)، وقال إن حواء أقلُّ من أن تدفع آدم إلى السقوط، لكن السقوط حدث حين أراد آدم أن يسقط وليس حين أرادت حواء.

فإن إرادة الله أو إرادة صورة الله هي في النهاية التي تحكم الموقف. ووقع أوجستين في تناقضٍ جديد يخالف الفكرة الأساسية الأولى التي تقول بمسئولية حواء عن الإثم كله؛ لأنه بهذه الفكرة الجديدة يقول إن آدم أو إرادة الله هي المسئولة عن الإثم، وإن حواء ليست إلا أداة. وحاول أوجستين أن يوفِّق بين التناقضات، فقال: إنَّ المرأة ليست جسدًا فقط، ولكن يمكن أن يكون لها عقل أيضًا، ويمكن أن تنقذ نفسها بالتغلُّب على جسدها وشهوتها، وتصبح العذراء الطاهرة التي لا تمارس الجنس.

وانتشرت في القرنين؛ الرابع والخامس، الأفكارُ التي تمجِّد العذرية. كان سوء الأحوال الاقتصادية يَحول دون كثرة الإنجاب، وقد بدأ في تلك الفترة انهيار الإمبراطورية الرومانية، وتردَّدت الفكرة القائلة: روح العذراء الطاهرة يمكن أن تكون عروسًا للمسيح. وبهذا شجَّعوا البنات بالاكتفاء بزواج المسيح في خيالهن.

ومن هنا مفهوم العذرية والشرف والطُّهر والتطهير والخلاص الذي انتشر وساد في المسيحيَّة وبين رجال الكنيسة في ذلك الوقت. كانت الفكرة هي أن الله لعن المرأة لأنها أغرت آدم، وجعلها تلد في الأسى والألم (لم تَعُد المرأة الحديثة تلد في الأسى والألم وأصبحت تلد بغير ألم بسبب تقدُّم الطب الحديث)، وأن يحكمها زوجها كعقابٍ لها على إثمِها، لكن العذراء هي القمة التي يجب أن تصل إليها أية امرأة تريد أن تَبْرَأَ تمامًا من الإثم؛ لأن العذراء تنسى طبيعتها الأنثوية المدنسة وتعيش كالرَّجل تستمد من طبيعته الفضيلة لتقوِّي جنسها الضعيف. لهذا تتحرَّر العذراء من عبودية جسدها الذي هو بالطبيعة يجب أن يكون تابعًا للرجل. إن الخطيئة جزءٌ من طبيعة المرأة، والعذرية تحرِّر المرأة من الخطيئة ومن الطبيعة الأنثوية أيضًا، فتصبح العذراء رجلًا أو كالرَّجل. إن المرأة في الأصل ليست إلا جسدًا بغير رأس (رأسها هو زوجها)؛ ولهذا فهي إما أن تكون غير قابلة للتطهير والخلاص وتظل امرأة، أو قابلة للتطهير والخلاص، وذلك بأن تتحوَّل إلى رجلٍ وتترك طبيعتها الأنثوية المنحطة. إن العذراء التي تحوَّلت إلى رجلٍ يصبح لها عقل وحكمة. ومن هنا جاءت الفكرة التي شاعت في ذلك الوقت من أنه بعد البعث سيكون في العالَم الآخر ذكورٌ فقط؛ لأن كلَّ الإناث تحوَّلن إلى ذكور وأصبحن ملائكة.

إن المرأة هي رمزُ الجنس والجسد؛ ولهذا فإن خلاصها الوحيد هو بنكران جسدها؛ أي نكران طبيعتها لتكونَ طاهرة. وهذا السَّبب وراء الحكمة التي أمرتها بأن تغطي رأسها (ثم تطورت هذه الحكمة بأن أمرتها بأن تغطي جسدَها كله)، وأن تخلع كل أدوات الزينة التي يمكن أن تجعلها جذابة للرجل. إنها لا بدَّ أن تتجرَّد من كل زينة لتصبح غيرَ جذابة في عين الرَّجل، ويجب أن تغطيَ جسدها؛ لأن جسدها يجذب الرَّجل. والسؤال هنا لماذا يُجذب الرَّجل الذي هو صورة الله الكاملة إلى الجسد المدنس؟ أَمَا كان الأجدر بهذا الرَّجل أن يكون روحانيًّا ساميًا كما قيل عنه، فلا يجذبه هذا الجسد المدنس؟ ألم يفكِّر أحدُ الفلاسفة في أن انجذاب الرَّجل إلى الجسد المدنس، معناه أن طبيعة الرَّجل ليست روحانية وليست سامية كما أُشيع عنه؟ لو أنهم فكَّروا على هذا النحو لكان العلاج ليس هو تغطية أجساد النِّساء، وإنما هو تهذيب طبيعة الرِّجال، أو على الأقل الاعتراف بأن طبيعة الرَّجل وشهوته الجسدية لا تقل عن شهوة المرأة، وأن الرَّجل ليس رأسًا أو روحًا فقط، والمرأة ليست جسدًا بغير رأس، ولكنهما الاثنين؛ الرَّجل والمرأة، كلاهما يشتمل على الجسد والرأس، وكلاهما يمارس الجنس، وكلاهما له عقل ومسئول عن ممارسته الجنسيَّة وغير الجنسيَّة في الحياة بمختلف نواحيها.

وتقول المصادر التَّاريخية إن «أوريجن» استأصل خصيتيه من أجل الامتناع الكامل عن الجنس المدنس، ولكي تصبح روحه طاهرة. لكن الذي حدث أن رُوح أوريجن لم تطهر على الإطلاق؛ لأن استئصال الخصيتين يزيد من خيالات الرَّجل الجنسيَّة كتعويض عن الشيء المفقود. ولا شك أن الروح الطاهرة لا يمكن أن يكون لها خيال آثم؛ لأن الطهارة ليست الامتناع عن الفعل فقط، وإنما الطهارة هي الامتناع عن الفعل وعن التفكير في الفعل أيضًا.

ولكن الفلاسفة قالوا في ذلك الوقت إن الرَّجل ينجذب إلى المرأة ويحبها كروح قابلة للتطهير والخلاص، ولكنه يحتقرها كجسد وجنس. وقد ورِث العالَم الحديث حتى اليوم هذه الأفكار وقسَّم الرِّجال والنِّساء إلى نوعين:

  • (١)أمهات طاهرات تم تطهيرهن بسبب الأمومة المقدَّسة والأزواج (نساء عفيفات باردات غير جذابات).
  • (٢)عشيقات ومومسات (وما شابههن) مدنسات ومحتقرات (لكنهن جذابات وملتهبات جنسيًّا).

وكتب أوجستين١٢ يقول: «إن المسيحي الصالح يتزوج المرأة؛ لأنه يرغب (كمخلوق الله) في أن يحوِّلها ويطهِّرها لتصبح الأم، ويكره فيها الاتصال الجسدي والفساد وجميع وظائفها الجسدية كزوجة.» ووصف أوجستين حبَّ الزوج لزوجته بأن قال: «أنت تحب زوجتك كحبك لعدوك.» إن التناسل في رأيه هو السَّبب الوحيد الذي جعل هناك إناثًا مختلفاتٍ عن الذُّكور، وقال إن المرأة آلة لتوليد الأطفال. ومن هنا نفهم لماذا عارضت الكنيسة الكاثوليكية في أوروبا فكرةَ تحديد النسل ووسائل منع الحمل على أنها فكرة ضد الدِّين المسيحي وضد الكنيسة وضد الأخلاق. حدث ذلك في عصرنا الحديث في النصف الأخير من القرن العشرين، وما زال يحدث حتى اليوم ليس في أوروبا وحدها وإنما في بقاعٍ كثيرة من العالم، وليس بسبب الدِّين المسيحي فحسب، وإنما بسبب أديانٍ أخرى متعددة تفصل بين التناسل والجنس، وتعتبر الأمهات مقدَّسات، وما عدا أولئك من النِّساء فهن مدنسات.

وقال أوجستين أيضًا: إن الرَّجل حين يرضخ لجسد المرأة أو الجنس الآثم فإنه يفقد حكمتَه الإلهية؛ لأن الجسدَ هنا ينتصر على العقل، ومعنى ذلك أن عضوه الجنسي ينتصب وحدَه بدون سيطرة العقل، وتكون المرأة هنا آلةً بيولوجية صرفة يمارس معها الرَّجل شيئًا أشبه بالعادة السرية.

وقد وصف أوجستين بذعرٍ شديد عضوَ الرَّجل المنتصب، وألقى اللومَ كلَّ اللوم، والمسئوليةَ كلَّ المسئولية على ذلك العضو السيئ الذي ينتصب بعيدًا عن العقل. وقد ذكر بعضُ علماء النفس المعاصرين لأوجستين أن ما قاله أوجستين ليس إلا تعبيرًا عن عقدة نقصٍ كان يشعر بها أوجستين، وأنه كان يعاني من مشكلةٍ جنسية وضَعفٍ في الانتصاب.

وبنى أوجستين على فكرته السابقة فكرةً أخرى، وقال إن انتصاب العضو هو جوهر الإثم، وبذلك فإن المرأة ليست هي الجوهر وإنما هي أداة فقط لتحريك ذلك الجوهر، أو أنها امتدادٌ له. وخرج من ذلك بقوله: إن المرأة ليست إلا أداة تحت سيطرة الرَّجل، قد تكون أداةَ ولادة، وقد تكون أداةً جنسية (عادة سرية فقط)، وهي لا يمكن أن تظهر أبدًا كشخص مثل الرَّجل، والعلاقة بينهما لا يمكن أن تكون علاقةً بين شخصين، وإنما هي علاقة بين شخص وبين شيء، هذا الشيء قد يُستخدم بطريقة صحيحة إذا استُخدم في ولادة الأطفال، وقد يُستخدم بطريقة خاطئة إذا استُخدم في الجنس. ونتج عن تجريد المرأة من شخصها وتحويلها إلى شيءٍ أن أصبحت تبدو في نظر رجال الكنيسة على شكل ثلاث صور أساسية:

  • (١)المرأة كعاهرة.
  • (٢)المرأة كزوجة.
  • (٣)المرأة كعذراء.

المرأة العاهرة هي امرأةٌ جنسية ومحتقَرة. والمرأة الزوجة هي امرأةٌ جنسية أيضًا، ولكنها محكومةٌ بعقل الزوج وخاضعة لحكمته الإلهية من أجل هدف واحد فقط هو ولادة الأطفال (اللذة الجنسيَّة هنا محرَّمة على الزوجة). أما العذراء فهي فقط ترتفع بالمرأة إلى الروحية والمساواة بالرَّجل. ومن هنا نشأت مريم العذراء، وارتفعت مكانتها في المسيحيَّة؛ لأنها ضربت عصفورين بحجر واحد:

  • (١)ظلت عذراء لم يلمسها رجلٌ ولم تمارس الجنس.
  • (٢)أصبحت أمًّا وولدت طفلًا (المسيح).

وبرغم استحالة هذا الوضع بيولوجيًّا وعقليًّا وعلميًّا، لكن الله أراد لها ذلك بأن نفخ من روحه فيها، فولدت ابن الله كما قالوا.

وقد استطاع أوجستين وغيره من الفلاسفة أن يطوِّعوا الحقائقَ الواضحة والظواهر إلى أفكارهم الذاتية الخاصة، وأن يقعوا في تناقضاتٍ صارخةٍ لا يقبلها العقل الذي قالوا عنه إنه من ممتلكات الرَّجل فحسب، وإن عقل الرَّجل جزءٌ من روح الله.

إن الفكرة القائلة بتعدُّد الزوجات دافَعَ عنها أوجستين وبرَّرها قائلًا إنها ليست من أجل لذة الرِّجال، ولكن من أجل التناسل وزيادة العدد كإرادة الله وطاعة أمره؛ لأن الله قال «تزايدوا وتكاثروا»، من أجل تقوية بني إسرائيل الذين سيظهر منهم في المستقبل المسيح المنتظَر.

وانتشرت في العالم بعد كلِّ ذلك الأفكارُ التي انتقصت وضْعَ المرأة، وجعلت المرأةَ المتزوجة أقلَّ من العذراء، والزوجة رأسها هو زوجها، وزوجها يملك جسدَها وله حقُّ قتْلها إذا خالفَته الزوجة. انخفضت مكانة المرأة في المجتمع المسيحي عنها في المجتمع الروماني السابق له، مع أن هناك نصًّا صريحًا في الإنجيل يقول إنه ليس هناك مَن هو يهوديٌّ أو إغريقي، ليس هناك مَن هو عبدٌ أو حرٌّ، ليس هناك مَن هو ذكر أو أنثى؛ لأن كلَّكم واحد في يسوع المسيح.

لكن الفلاسفة ورجال الدِّين تجاهلوا هذا النص الواضح من أجل أن تسودَ القيم الاقتصادية المطلوبة في ذلك الوقت، وهي القيم القائمة على الملكية والإقطاع والتوريث، وفرض النظام الأبوي ليورِّث الآباء أطفالَهم الشرعيين فحسب، أمَّا أطفالهم الآخرون غير الشرعيين المدنَّسون الذين ولدتهم نساءٌ مدنَّسات (عشيقاتهم وجواريهم ومومساتهم) فلا حقَّ لهم في الأرض ولا الميراث، ولا حق لهم في اسم الأب.

وقد بلغ من شدة تأثيم الجنس أنْ حُرِّم على الكهنة الزواج حتى يؤدوا الصلاةَ بالنَّاس كلَّ يوم وهم طاهرون. وقد سُمِّي الجنس بعبارة «وحش مفترس في البطن» الذي إذا ما تساهلت «وأعطيته شبرًا واحدًا فسوف يمتد ويحتل ميلًا كاملًا»، وهذا يدل على أن الذين قالوا هذا الكلام لا بدَّ أحسُّوا قوةَ هذه الرغبة الجنسيَّة داخلهم.

وكما حثَّت المسيحيَّة على عدم زواج الكهنة أمرت الراهبات بالامتناع الكامل عن الجنس، وتغطية الجسم والابتعاد عن كل شيء يمكن أن يجعل الجسد جذابًا، حتى لو كان الاستحمام وتنظيف الجسم. وقد قال جيروم (وهو فيلسوفٌ آخرُ في مستوى أوجستين) عبارةً شهيرة هي: «الجسم النظيف يعني عقلًا قذرًا.» وكان يشجِّع العذراء على عدم الاستحمام حتى لا تفكِّر في الجنس، وأن العذراء بغير هذا الاستحمام تصبح ملائكية! وقد ذكر علماء النفس الذين عاصروا جيروم وحلَّلوه نفسيًّا أنه كان لا يمارس الجنس في حياته الحقيقية، لكنه كان أسيرَ خيالات جنسية شديدة الشهوة مع نساءٍ لم يعرفهن، وأنه كان يعاني كبتًا جنسيًّا شديدًا أدَّى به إلى أن يعلن أحيانًا أفكارًا غريبةً بعيدةً عن العقل. وقالوا أيضًا إن أوجستين كان يرفض العلاقةَ الجنسيَّة مع النِّساء؛ لأنَّه كان أسيرَ علاقته بأمه التي كان يحبُّها ويكرهها في الوقت نفسه.

1 2الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
النسخة العربية English Edition

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة