عن ابن خلدون والمرأة/نوال السعداوي

تُعتبر «المقدمة»١ من أهم مؤلفات ابن خلدون، ولا يمكن لنا أن نتعرف على أفكار ابن خلدون دون دراسة لهذا الكتاب الهام.
وبالرغم من تقدم العلوم في عصرنا هذا بالنسبة لعصر ابن خلدون — ولد في مايو (١٣٣٢م) — إلا أننا ما زلنا أسرى لعصرنا،٢ ونتاجًا لظروفنا السياسية والاجتماعية والفلسفية، لا أظن أن أحدًا في عصرنا يشك في أن الأرض كروية، وأنها تدور في حركة سريعة، مستمرة، رغم أنه لا يحس دوران الأرض بجسمه وحواسه الخمس.
لقد اقتنعت عقولنا بالبراهين العلمية والقوانين الطبيعية التي تثبت حركة الأرض ودورانها.
إن عدم إحساسنا بحركة الأرض ليس برهانًا على عدم وجودها، كما أن اقتناعنا بوجودها ليس اقتناعًا روحيًّا أو دينيًّا (أو لوجود نصوص في الكتب المقدسة)، ولكنه اقتناع علمي مثل اقتناعنا بقدرة سفينة الفضاء على الطيران حول الأرض وعلى الهبوط على سطح القمر.
لقد حلت القوانين العلمية الطبيعية محل القوى السحرية وأعمال الجان والشياطين أو الملائكة، ولم يَعُد في الإمكان لنا أن نصدق حدوث شيء لأسباب خارجة عن عقولنا.
إلا أننا ما زلنا قاصرين عن صياغة فلسفة جديدة لحياتنا الاجتماعية الخاصة والعامة ونظام السلطة في الدولة والعائلة. إن هذه الصياغة تحتاج إلى حرية فكرية تسمح بإعادة فَهْم تاريخنا والقدرة على نقد واقعنا الذي نعيشه دون خوف من بطش السلطة أو الاتهام بالتخلي عن الدين أو القيم والأخلاق.
وتأتي أهمية ابن خلدون كمفكر عربي أنه استطاع، رغم الإرهاب السياسي والديني في عصره، أن يصوغ تصوُّرًا للتاريخ والمجتمع والفرد يختلف عن التصور السابق عليه.
وسواء اتفقنا معه أو اختلفنا، إلا أننا نعترف أنه أحد القلائل في عصره، الذي حاول إعمال العقل لدراسة الماضي والحاضر من واقع تجاربه الواقعية، ومن قراءاته في التاريخ، لكن رؤيته المستقبلية كانت غائبة أو محدودة، تحكمها فكرته الأساسية عن أن المستقبل أو الغيب ليس مجاله العلوم العقلية، وإنما يدخل تحت بند العلم الإلهي فحسب؛ ولهذا اتجهت معظم اجتهادات ابن خلدون الفكرية إلى الماضي، أي التاريخ.
إن نقد الماضي في عصور الإرهاب الفكري أكثر أمانًا من نقد الحاضر، الذي يُعرِّض الناقد إلى غضب السلطان أو الحرمان من المنصب أو السجن.
إلا أن نقد الماضي أيضًا لا بد وأن يكون بريئًا من أي إسقاطات على الحاضر أو تنبؤات بالمستقبل، مما قد يُشتَمُّ منه المساس بالذات الملكية وسلطة الدولة، أو الذات الإلهية والسلطة الدينية.
•••
لم يكن ابن خلدون قادرًا على إعادة قراءة التاريخ، وإخضاعه لأحكام العقل، والتفكير التقدمي إلا بالدرجة التي لا تُغضب السلطان ولا تخرج عن أحكام الله والرسول. وهو يفتتح المقدمة بالتكبير والتعظيم والحمد لله الذي له الملك والجبروت. ثم بعد عدة صفحات قليلة من هذه المقدمة يتحف كتابه إلى السلطان، أتحفت بهذه النسخة منه خزانة السلطان الإمام المجاهد.٣
وإذا كان هو يهدي السلطان كتابه فهل يمكنه أن ينقد السلطان أو يخضع نظام الدولة لمقاييس العدالة الاجتماعية الواجبة؟
ولهذا يجيء نقده للتاريخ محدودًا، وقاصرًا على تصحيح بعض الأخبار والحكايات دون النقد الصريح، خاصة فيما يخص الملوك والحكام، بل إنه كان يحاول أحيانًا أن ينفيَ عن الملوك والحكام سوء الأخلاق أو سوء التصرف لمجرد أنهم سلاطين قومهم.
مثال ذلك دفاعه عن الرشيد والعباسة أخته، ويقول في ذلك:٤ «ومن الحكايات المدخولة للمؤخرين ما ينقلونه كافة في سبب نكبة الرشيد للبرامكة من قصة العباسة أخته مع جعفر بن يحيى بن خالد مولاه، وأنه لكلفة بمكانها من معاقرته إياهما الخمر أذن لهما في عقد النكاح دون الخلوة حرصًا على اجتماعه في مجلسه، وأن العباسة تحيَّلت عليه في التماس الخلوة به لما شغفها من حبه حتى واقعها (زعموا في حالة سكر) فحملت ووشى بذلك للرشيد فاستغضب، وهيهات ذلك من منصب العباسة في دينها وأبويها وجلالها، وأنها بنت عبد الله بن عباس، ليس بينها وبينه، إلا أربعة رجال هم أشراف الدين وعظماء الملة من بعده … فأين يطلب الصون والعفاف إذا ذهب عنها، أو أين توجد الطهارة والذكاء إذا فقدا من بيتها … ولو نظر المتأمل في ذلك نظر المنصف وقاس العباسة بابنة ملك من عظماء ملوك زمانه لاستنكف لها عن مثله مع مولى من موالي دولتها وفي سلطان قومها، واستنكره ولجَّ في تكذيبه، وأين قدر العباسة والرشيد من الناس!»٥
ثم يقول: «فكيف يليق بالرشيد على قرب العهد من هذا الخليفة وأبوته وما رُبِّيَ عليه من أمثال هذه السير في أهل بيته والتخلق بها، أن يعاقر الخمر أو يجاهر بها … ولقد ثبت عنه أنه عهد بحبس أبي نواس لما بلغه من انهماكه في المعاقرة حتى تاب وأقلع، وإنما الرشيد كان يشرب نبيذ التمر، على مذهب أهل العراق، وفتاويهم فيها معروفة، وأما الخمر الصرف فلا سبيل إلى اتهامه بها.»٦
مما سبق ندرك أن الفضيلة والأخلاق — في رأي ابن خلدون — لهما صفات الملوك وبنات الملوك.
فلو أن العباسة كانت ابنة مولى من الموالي أو أجيرة فقيرة لاختلف حكمه الأخلاقي عليها.
ويزيد من استنكافه أن تكون علاقة ابنة الملك مع مولى من موالي دولتها، فلو كانت العلاقة مع ملك أو ابن ملك لَما كان هناك كل ذلك الاستنكاف.
وهذه نظرية طبقية للأخلاق والفضيلة تفتقد العدالة وبالتالي تُخفي الأخلاق والفضيلة. فالمفروض أن الأخلاق والفضيلة سلوك وتصرف وليس نسبًا أو حسبًا أو مالًا أو جاهًا.
لذلك تنحصر معظم محاولات ابن خلدون لتصحيح المغالطات التاريخية في قشور الأحداث دون جوهرها، وفي الدفاع عن حقوق الحكام وتجاهل حقوق العامة من الشعب رجالًا ونساء.
وبالمثل أيضًا حين يحاول إعادة تفسير بعض النصوص الدينية، فهو يظل على السطح بعيدًا عن العمق، يهتم بتصحيح المغالطات اللفظية والعددية والمكانية أو الجغرافية دون التعرض لجوهر المعاني أو مغزى الأحداث السياسية والظواهر الاجتماعية والفلسفية.
ويرفض ابن خلدون التفسير الوهمي لما تناقله المفسرون في تفسير سورة الفجر ويقول:٧
«وأبعد من ذلك وأعرق في الوهم، ما يتناقله المفسرون في تفسير سورة الفجر في قوله تعالي أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ، فيجعلون لفظة إرم اسمًا لمدينة وُصفت بأنها ذات عماد، أي أساطين، وأنها مدينة عظيمة في قصورها من الذهب وأساطين من الزبرجد والياقوت.
ذكر ذلك الطبري والثعلبي والزمخشري، وغيرهم من المفسرين.
ثم يقول: «وهذه المدينة لم يُسمع لها خبر من يومئذ في شيء من بقاع الأرض وصحاري عدن التي زعموا أنها بُنيت فيها في وسط اليمن … ولم يُنقل عن هذه المدينة خبر، ولا ذكرها أحد من الأخباريين ولا من الأمم … وبعضهم يقول إنها دمشق، بناءً على أن قوم عاد ملكوها، وقد ينتهي الهذيان ببعضهم إلى أنها غائبة، وإنما يعثر عليها أهل الرياضة والسحر، مزاعم كلها أشبه بالخرافات.» ثم يقول «وقفوا على تلك الحكايات التي هي أشبه بالأقاصيص الموضوعة، والتي هي أقرب إلى الكذب، المنقولة في عداد المضحكات.»٨
رغم كل ما سبق، ورغم الحدود الفكرية والنقدية التي فُرضت عليه، وفرضها على نفسه، بسبب خوفه من سلطة الحاكم، واتقائه السلطة الدينية، فقد برز ابن خلدون بين مؤرخي عصره، وما زال بارزًا حتى عصرنا هذا، لأسباب متعددة، ومنها أنه حاول إعمال العقل، ولم يعتمد على مجرد النقل، ويقول في ذلك: «وكثيرًا ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل من المغالط في الحكايات والوقائع، لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثًّا أو سمينًا، ولم يعرضوها على أصولها، ولا قاسوها بأشباهها، ولا سبروها بمعيار الحكمة والوقوف على طبائع الكائنات وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار، وضلوا عن الحق، وتاهوا في بيداء الوهم والغلط.»٩
وهذه ميزة ابن خلدون الأساسية، أنه رفض النقل والتقليد، وحاول الدراسة العقلية العلمية، مستخدمًا منهج المقارنة بين تجاربه وتجارب الآخرين في أزمنة وبلاد أخرى، ومحاولًا إعمال العقل والبصيرة والتأصيل والتنظير.
ولدينا الكثير من المؤلفات التي تجعل من ابن خلدون رائدًا من رواد علم الاقتصاد في العالم، وأنه سبق «آدم سميث» بأربعة قرون في وضع نقطة البدء للمدرسة العملية الاقتصادية.١٠ وإدراكه لترابط العلوم، وقانون السببية، وحركة التاريخ، والتطورات الاجتماعية، وأنه أدرك قبل «إميل دور كايم» بخمسة قرون «علم البنية الاجتماعية»، وسبق «هربرت سبنسر» في بناء التطور الاجتماعي على الأساس البيولوجي الحيوي، ووضع أساس الفلسفة الاجتماعية، وفلسفة التاريخ، وسبق العالِم الإنجليزي «مالتوس» بأربعة قرون في إدراك قوانين تزايد السكان، وسبق العالِم الفرنسي «تارد» بخمسة قرون في النظر إلى الاعتبارات النفسية في أبحاثه عن الظواهر الاجتماعية.١١
وقد يكون ذلك صحيحًا إلى حد صغير أو كبير، وربما لهذا السبب يظل اسم ابن خلدون حيًّا حتى اليوم، إلا أننا في حاجة إلى تقييم فكر ابن خلدون بعقل ناقد أكثر منه مادحًا أو معظِّمًا، ولدينا الكثير ممن ينبغون في التعظيم والتمجيد لكل ما هو عربي أو مسلم، كنوع من المباهاة والتباهي على غيرنا من الأمم.
وهذا أمر طبيعي كرد فعل للتجاهل والإهمال الذي تلقيناه في عهود الاستعمار الأجنبي، وحتى اليوم. لكننا الآن في حاجة إلى محاولة أكثر واقعية وعلمية في تقديرنا لابن خلدون، من أجل الاستفادة في حاضرنا ومستقبلنا.
•••
خلط بعض النقَّاد لمؤلفات ابن خلدون بين الذاتية والأنانية، وكان ابن خلدون يعتز بذاته ويفخر بها، وهذه صفة إيجابية وليست سلبية، وهو يثق بنفسه، ويقول عن كتابه أنه فذ، لكنه يعترف بقصوره وعجزه: «فجاء هذا الكتاب فذًّا بما ضمنه من العلوم الغربية، والحكم المحجوبة الغربية، وأنا من بعدها موقف بالقصور بين أهل العصور، معترف بالعجز عن المضاء في مثل هذا القضاء راغب من أهل اليد البيضاء، والمعارف المتسعة الفضاء، في النظر بعين الانتقاد، لا بعين الارتضاء.»١٢
وقد عاش ابن خلدون حياة مليئة بالتجارب، وسافر في أقطار المغرب من الغرب إلى الشرق، من الأندلس إلى مصر، وتعرض لتقلبات حادة مع تقلبات الحكام. وكان رغم كل ذلك قادرًا على الانعزال من حين إلى حين للدراسة والقراءة والتأمل والتأليف.
وتُعبِّر كتاباته، وخاصة «المقدمة»، وسيرته الذاتية «التعريف» عن العلاقة الجدلية المتبادلة بين الفرد والمجتمع، بين علاقة «الأنا» بالآخر، وتأكيد الذات.
وفي ضوء علم النفس الحديث، فإن الرغبة في تأكيد الذات علامة الصحة النفسية، وما من كاتب مبدع إلا ويشعر برغبة في تأكيد ذاته، وقد فعل ابن خلدون ما يفعله معظم الكتَّاب من كتابة سيرة حياتهم الخاصة، أو التحدث عن رحلاتهم. وفي كتابه «رحلة ابن خلدون» تحدث عن أسفاره في أفريقيا وإسبانيا وبلاد المغرب، ولم يُهمل الحديث عن نفسه وشخصيته، إلا أن إيجابية ابن خلدون في تأكيد ذاته، وعدم فصله بين ذاته وموضوعه قد صُوِّرت على أنها غرور أو مبالغة في حب النفس والظهور، وقد أخفق طه حسين في فهم ذاتية ابن خلدون، واستنكف أن يخصص كاتب عربي لتاريخ حياته كتابًا كاملًا.١٣ كما أنه استنكف أيضًا أن يُسمي ابن خلدون كتاب رحلاته باسم «رحلة ابن خلدون»، ويكتب طه حسين قائلًا: «وقد أسمى كتبًا بذلك الاسم عدة مؤلفين كتبوا قبله، ولا سيما من الأفريقيين والأندلسيين، مثل رحلة ابن بطوطة المراكشي، ورحلة ابن جبير وغيرهما، ولكن شخصية مؤلفي هذه الكتب لم تتخذ فيها إلا دورًا ثانويًّا، فهم لا يقصدون كتابة ترجمتهم، وإنما قصدوا أن يصفوا البلاد التي شاهدوها وأخلاقها ونظمها، فهي من بعض الوجوه إذن قصص جغرافية.»١٤
يتمثل قصور طه حسين هنا في فصله بين الجغرافيا والتاريخ، وبين الإنسان والبلد، وبين الذات والموضوع، وقد تفوق ابن خلدون على طه حسين في هذا، أي في استطاعته الربط بين هذه الأشياء، وعدم السقوط في الحتمية الجغرافية خلال رحلاته بين البلاد وتجاربه الاجتماعية والسياسية.
وقد أصبح أدب الرحلات في عصرنا هذا أقرب إلى منهج ابن خلدون منه إلى منهج طه حسين وابن بطوطة. أصبحت الرحلة داخل الإنسان المسافر بمثل ما هي داخل البلد المسافر إليها، أصبحت رحلة في الزمان والمكان، وفي المجتمع والجغرافيا والتاريخ ونفس الإنسان.١٥
إن المسافر جزء لا يتجزأ من الرحلة، فنحن نرى البلاد من خلال عيونه وحواسه الخمس، وجميع مكونات عقله وشخصيته ماضيه وحاضره، ولا يمكن بحال الفصل بين المؤلف والكتاب، أو الذات، والموضوع.
وعلى هذا لم تكن ذاتية ابن خلدون أنانية، أو نظرة أحادية للذات وإهمال الآخر والموضوع. كانت ثقة بالنفس وصدقًا مع النفس وإخلاصًا للنفس، فالذي لا يُخلص لنفسه لا يُخلص لغيره. لكن هذا الإخلاص للنفس لا يعميه عن رؤية أخطائه، بل يساعده على رؤية أخطائه ومواجهتها بشجاعة، وتصحيحها أولًا بأول، وتطويرها.
ويعترف طه حسين نفسه بأن ابن خلدون كان أكثر شجاعة في مواجهة عيوبه وأخطائه من غيره من المؤلفين، ويكتب طه حسين: «وينبغي أن نلاحظ أن ابن خلدون في ترجمته لم يحتَط، كما فعل غيره من المؤلفين، في أن ينفيَ عيوبه، فإنه لم يدَّعِ قط أنه حاول نيل السلطة خدمة للمنفعة العامة، ولم يعن بأن يحاول تبرير عمل خاطئ بتقديم دواعٍ شريفة.»١٦
إن هذا الصدق مع النفس هو احترام لها، وقد يكون السبب الأساسي وراء تميز ابن خلدون ونبوغه بالنسبة لغيره من مفكري عصره. فإن أول شروط الإبداع الفكري هو الثقة بالنفس والشعور بقيمتها، ويؤكد طه حسين هذه الصفة في ابن خلدون، ويكتب: «لم يذكر التاريخ الإسلامي قط كاتبًا أشد إكبارًا لنفسه وأوفر شعورًا بقيمته مضحيًا بالدين والأخلاق في سبيل طموحاته الضخمة.»١٧
وهنا يسقط طه حسين في التناقض، إذ يجمع بين صفتين متناقضتين، وهما إكبار النفس، والتخلي عن الأخلاق.
يفصل طه حسين بين القيم الأخلاقية، وقيم إكبار النفس واحترامها، بل إنه يفصل أيضًا بين أخلاق الإنسان وفكره، ويمكن في رأيه الجمع في شخص واحد بين سمو الفكر وسوء الأخلاق، ولا يحول ذلك دون أن يصبح الشخص مؤلفًا عظيمًا، فالمهمُّ هو رجاحة الفكر، وليس رجاحة الخلق، ويكتب طه حسين أن النقص في أخلاق ابن خلدون لا يعنيه كثيرًا: «على أن الذي يعنينا من أمره بنوع خاص هو تَوقُّد ذكائه وسمو فكره ذي الرجاحة النادرة وسعة معارفه ورسوخها وطرافة أفكاره ونفاسة مؤلفاته.»١٨
إن هذا الانفصام بين الفكر أو الازدواجية في الحكم على الإنسان، وتقسيمه إلى أجزاء متنافرة متناقضة: عقل وفكر، وسلوك ومشاعر ونفس … إلخ، هو الذي أدى بكثير من المؤلفين إلى عدم فَهْم معنى «الذاتية» في شخصية ابن خلدون وفكره، وإلى اتهامه بالانتماء لذاته وليس إلى وطن من الأوطان.
ويكتب طه حسين: «وإذا كان ابن خلدون شديد الحب لنفسه فالظاهر أنه لم يعرف وطنًا ولا أسرة، فالوطن في نظره هو حيثما استطاع العيش في رغد واعتبار.»١٩
وهنا أيضًا يفصل طه حسين بين الوطن والمواطن، أو بين المجتمع والفرد، وينظر إلى المجتمع نظرة مثالية وغير منطقية بعيدة عن الحياة الإنسانية الحقيقية والواقع المعاش، فالوطن بالنسبة للإنسان هو المجتمع الذي يُلبي حاجاته ويشبع رغباته الفكرية والمادية والاجتماعية.
كما أن طه حسين يتكلم عن الوطن وكأنه فكرة مجردة ثابتة ومتشابهة دائمًا وليس واقعًا اجتماعيًّا متغيرًا، تموج فيه الصراعات والمصالح المتناقضة بين أصحاب السلطة والثروة، وبين فئات وطبقات أخرى في المجتمع.
وقد كانت نظرة ابن خلدون إلى مفهوم الوطن أكثر واقعية، وبالتالي أكثر علمية وعقلانية، ومن هنا قدرته على رؤية «الدولة» كحقيقة سلطوية حادثة وليس «الوطن» كفكرة مجردة نظرية.
ومن هنا أيضًا عدم انتمائه لأي دولة، وعدم ولائه لأي سلطان لكن بسبب قصوره عن الانتماء للفقراء والمقهورين من أغلبية الشعب، فقد ظل يدور في فلك السلطة والدولة دون أن يشعر بالانتماء لأي منهما.
ولم يكن في مقدور ابن خلدون حسب تاريخ حياته وتاريخ مجتمعه وعصره أن يكون جزءًا من حركة ثورية فكرية وسياسية تسعى لتغيير أسس الدولة القائمة على الاستبداد والاستعباد.
ولد ابن خلدون من عائلة أقرب إلى الأسياد والدولة منها إلى الفقراء والأجراء، وعاش ابن خلدون في عصر القرون الوسطى، أو العصر الوسيط. كان السلطان ما زال يتمسك بقدسية القرب من نسب النبي، وأقرب إلى الإله منه إلى الإنسان. وكانت السلطة الدينية والسلطة الدنيوية شيئًا واحدًا، ومن ينقد الحاكم فقد نقد الله.
ومع كل ذلك استطاع ابن خلدون أن يرفض النسب القرشي كأحد شروط منصب الإمام، وبعد أن رأى من تجاربه كيف يبطش الإمام أو الخليفة بالناس دون أن يُسائله أحد لمجرد أنه من سلالة قريش أو تربطه بسلالة النبي رابطة بعيدة أو قريبة.
ويرفض ابن خلدون النسب القرشي، لأنه يرفض التمسح بالنبي من أجل إهمال المصلحة العامة، ويقول: «إن الأحكام الشرعية كلها لا بدَّ لها من مقاصد وحِكَم تشتمل عليها وتشرح لأجلها … إن اشتراط النسب القرشي لم يقتصر فيه على التبرك بوصلة النبي، وإن كانت تلك الوصلة موجودة، والتبرك بها حاصلًا، لكن التبرك ليس من المقاصد الشرعية كما علمت، فلا بدَّ إذن من المصلحة في اشتراط النسب، وهي المقصودة من مشروعيتها.»٢٠
إن هذه الشجاعة الفكرية بالنسبة للعصر الوسيط، والتي نال منها ابن خلدون قسطًا أكبر من غيره، ترجع — في رأيي — إلى شجاعته في مواجهة نفسه، وصدقه مع نفسه، وإعزازه وإخلاصه لها، أكثر من إعزازه وإخلاصه لأي سلطان أو خليفة، وربما لذلك كان أشجع من غيره في رفض فكرة خليفة الله.
فالخليفة في رأيه خليفة النبي، وليس الله.
ويقول: «لأن الاستخلاف إنما هو في حق الغائب، وأما الحاضر فلا.»٢١
وتبلغ شجاعة ابن خلدون الفكرية هنا في قدرته على مخالفة نص قرآني واضح، إذ يقول الله في الآية رقم ٣٠ من سورة البقرة: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً.
لكن ابن خلدون يقول: «اختُلف في تسميته خليفة الله، فأجازه بعضهم اقتباسًا من الخلافة العامة التي للآدميين في قوله تعالى: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً.»٢٢
على أن هذه الشجاعة الفكرية كانت لها حدود بالطبع في ظروف عصره، وفي الظروف التي ولد فيها، ونشأ عليها، وتربى على يد أبيه وأمه، وتعلم على يد أساتذته.
إنه هنا يخالف نصًّا قرآنيًّا صريحًا، يخالفه معنًى ولفظًا، ولا يهاب الله، ولا السلطان، ولا من سبقوه من المفسرين. وقد ساعده على ذلك أن الخلافة آنذاك كانت تركة يتنازعها سلاطين، بعضهم يستطيع تتبُّع سلالته حتى سلالة النبي، والبعض الآخر من سلالة أخرى. وكان ابن خلدون يُساند السلاطين الأقوى بأسًا وشوكة وعصبية، بصرف النظر عن سلالتهم الماضية.
•••
تلعب الأم، ثم الأب، ثم المدرس أو الأستاذ، أدوارًا رئيسية في تشكيل شخصية الإنسان وتفكيره وقدراته الإبداعية والنقدية.
ولم يترك لنا ابن خلدون إلا القليل عن تاريخ حياته وأسرته، التي عاشت في أواسط القرن الثالث، وأقامت في أشبيلية، وكان لها نفوذ كبير، يرجع إلى العصبية القبلية الموروثة عن القبائل اليمنية، وكان هناك رجل اسمه «كريب» من أسرة ابن خلدون، تآمر على حاكم أشبيلية سنة (٣٨٠ﻫ/٨٩٣م)، واستولى على السلطة في المدينة، وورث أبناؤه مناصب الوزارة في بلاطات الحكام والملوك، في القرن السابع، حين زحف النصارى إلى أشبيلية، فهربت أسرة ابن خلدون إلى تونس، وعملت في بلاط بني حفص.٢٣
ولا نعرف عن أبيه إلا القليل أيضًا، وأنه كان يهتم بالعلم والدين والسياسة جميعًا، وقد اعتزل السياسة وانقطع للعلم والدين واللغة، ووفَّر لابن خلدون أكبر العلماء من أصدقائه الذين درَّسوا له القرآن والحديث والفقه المالكي واللغة والأدب.٢٤
ولا نعرف شيئًا عن أمه سوى أنها ماتت مع أبيه بالطاعون، عقب الوباء الكبير في تونس، عام ١٣٤٩م/٧٤٩ﻫ، وكان ابن خلدون لا يزال في السابعة عشرة من عمره.
كذلك لا نعرف شيئًا عن زوجته، إلا أنها غرقت في البحر مع أولاده وماله، وهم في الطريق إليه.٢٥
•••
تضافرت ظروف عصره وأسرته أن يُعانيَ ابن خلدون نقصًا بالغًا في معلوماته الاجتماعية والفلسفية عن المرأة، وندرك من بعض عباراته القليلة عن النساء، الواردة عرَضًا في مؤلفاته، أنه كان كسائر رجال عصره، جاهلًا بأحد الأسس العلمية لتكوينات المجتمع البشري، وهو أن نصفه على الأقل من جنس النساء.
وبالإضافة إلى هذا الجهل الاجتماعي، فقد ورث أيضًا الجهل الفلسفي عن فلاسفة اليونان في عصر العبودية، أمثال أرسطو، الذي تصوَّر أن عبودية المرأة ورقيق الأرض أمر عادل تتطلبه الطبيعة البشرية البيولوجية أو القانون الفلسفي الإلهي، الذي خلق المرأة امرأة، وخلق العبد عبدًا.
وقد يرجع إلى هذا السبب غياب «الوعي الاجتماعي» عند ابن خلدون ﺑ «العدالة الاجتماعية» الواجب تحقيقها، سواء للنساء أو الفقراء من الفلاحين أو الأجراء في أعمال الخدمة وغيرها من المهن الصغيرة.
كما يعاني العجز الفلسفي والعلمي في مواجهة الأمراض الاجتماعية والأمراض العضوية على حد سواء.
وقد تصوَّر أن الحروب والعدوان والقتل والموت بالسيف أو بالفقر أو بالطاعون، كلها أمور طبيعية، تدخل ضمن دورات التاريخ حول نفسها، كدورة الأرض حول نفسها.
وضمن ذلك أيضًا تدخل طبيعة المرأة، ووضعها الطبيعي الأدنى من الرجل في الأسرة والمجتمع، وأنها ليست إلا وعاءً للرجل. ويقول إن النائم إذا رأى البحر في منامه فهذا يدل على السلطان: «لأن البحر خلق عظيم يناسب أن يُشبَّه به السلطان، وكذلك الحية يناسب أن تشبه بالعدو، لعظم ضررها، وكذا الأواني تشبه بالنساء لأنهن أوعية.»٢٦
ويعتقد ابن خلدون، أن صفات النساء (أو النسوان كما يقول) هي الجبن، وافتقاد حلاوة أو خلال العز والعصبية، وأنهن والعيال من جملة من يحتاجون للمدافعة عنهم، ويشبه الفساد والتدهور الذي يحدث للرجال فينسون: «عهد البداوة والخشونة كأن لم تكن ويفقدون حلاوة (خلال) العز والعصبية بما هم فيه من ملكة القهر، ويبلغ فيهم الترف غايته بما تفنقوه (تقلبوا فيه) من النعيم والغضارة، فيصيرون عيالًا على الدولة، ومن جملة النساء والولدان المحتاجين للمدافعة عنهم، وتسقط العصبية بالجملة، وينسون الحماية والمدافعة والمطالبة، ويلبِّسون على الناس في الشارة والزي وركوب الخيل وحسن الثقافة يموهون بها، وهم في الأكثر أجبن من النسوان على ظهورها، فإذا جاء المطالب لم يقاوموا مدافعته، فيحتاج صاحب الدولة حينئذ إلى الاستظهار بسواهم من أجل النجدة ويستكثر بالموالي، ويصطنع من يغني عن الدولة بعض الغناء، حتى يتأذن الله بانقراضها فتذهب الدولة بما حملت.»٢٧
ومن هنا ندرك أن صفات الرجولة هي الصفات التي تقيم الدولة والسلطة، أما صفات الأنوثة فهي تؤدي بالدولة إلى الانقراض؛ لأنها تفتقد الشجاعة أو القدرة على حماية نفسها والدفاع عنها.
ولهذا السبب، يرى ابن خلدون، مثل معظم الرجال في عصره، وفي عصرنا أيضًا، أن صاحب السلطة في الدولة والأسرة لا بدَّ أن يكون ذكرًا، وأن الذكورة أحد الشروط الأساسية الواجب توافرها للحصول على منصب الإمام، وأن فقدان «الخصيتين» يحرم الرجل من سلامة الحواس والأعضاء، وبالتالي يُحرم من منصب الإمام.
ويكتب ابن خلدون قائلًا، بعد أن يؤكد أن سلامة الحواس والأعضاء شرط أساسي للإمام: «وأما سلامة الحواس والأعضاء من النقص والعطلة، كالجنون والعمى والصمم والخرس، وما يؤثر فقده من الأعضاء في العمل، كفقد اليدين والرجلين والخصيتين (الأنثيين) فنشترط السلامة منها كُلَّها لتأثير ذلك في تمام عمله.»٢٨
وهو يرث أفكار من سبقوه من الفلاسفة، أمثال الغزالي وابن الخطيب الرازي، ويؤكد أن المرأة تابعة للرجل، ويقول: «وإذا نظرت سر الله في الخلافة لم تعد هذا، لأنه سبحانه إنما جعل الخليفة نائبًا عنه في القيام بأمور عباده، ليحملهم على مصالحهم، ويردهم عن مضارهم، وهو مخاطب بذلك، ولا يخاطب بالأمر إلا من له قدرة عليه، ألا ترى ما ذكره الإمام ابن الخطيب (الفخر الرازي) في شأن النساء، وأنهن في كثير من الأحكام جُعلن تبعًا للرجال، ولم يدخلن في الخطاب بالوضع، وإنما دخلن عنده بالقياس، وذلك لما لم يكن لهنَّ من الأمر شيء، وكان الرجال قوامين عليهن، اللهم إلا في العبادات التي كل أحد فيها قائم على نفسه، فخطابهن فيها بالوضع لا بالقياس.»٢٩
نرى هنا أن ابن خلدون مقلد وليس مجتهدًا، وهو الذي سبق له أن نبذ التقليد واعتبره نقصًا، واجتهد في إعادة تفسير بعض الآيات القرآنية، مثل: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، وخالفها نصًّا ومعنى، لمساندة أصحاب القوة السياسية والبأس.
لكن النساء في عصر ابن خلدون لم تكن لهن قوة سياسية، وبالتالي عجز ابن خلدون عن مساندتهن، ولم يفكر في قراءة الآية التي تقول الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ حتى نهايتها، أو حتى عبارة وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، لأنه لو فعل ذلك لأدرك أن شرط قوامة الرجل على المرأة هو أن يُنفق عليها، فإذا انتفى الإنفاق، انتفت القوامة.
ولهذا السبب خلت نظرية الدولة عند ابن خلدون من عنصر النساء فكرة ووجودًا ومعنًى ولفظًا، وكأن المجتمع كله ذكور. كذلك خلا التاريخ أيضًا عند ابن خلدون من عنصر النساء، اللهم إلا تلك الحكايات عن السلوك الأخلاقي لبعض بنات الملوك والسلاطين، ودفاعه عن عفافهن من أجل الدفاع عن شرف السلطان أو الملك.
كذلك أيضًا خلت نظرية الدولة عند ابن خلدون من عنصر الأجراء والفقراء والعبيد، اللهم إلا تلك الكلمة التي كان يصفهم بها «الكافة»، وهي كلمة عامة، مجردة، لم يحاول تجسيدها اجتماعيًّا أو تاريخيًّا، وكأنها مجرد فكرة نظرية، وليست بشرًا يعيشون ويأكلون مثل السلاطين وحاشية الملوك؛ ولهذا السبب ظلت أيضًا كلمة «العدالة» عند ابن خلدون كلمة مجردة، لا يحاول تطبيقها على أرض الواقع، وبالمثل أيضًا كلمة «السعادة»، التي سلخها عن الواقع المُعاش والمجتمع البشري، وجعلها فكرة مجردة، ومعنى «روحيًّا» هائمًا في الفضاء، ولا علاقة له بالظلم الاجتماعي الواقع أمامه.
وهو في كل ذلك مقلد لغيره من المفكرين والفلاسفة، ابتداءً من أرسطو، حتى الفارابي والغزالي وابن سينا وغيرهم.



