مقالات نقدية

قُبُلَاتٍ مُعَلَّقَةٌ عَلَى حَافَةِ اَلْْغِيَّابِ لكريمة الحسيني – – القراءة النقدية: عبد العزيز الخبشي- المغرب

تنهض القصيدة الومضة التي خطتها الشاعرة كريمة الحسيني على كثافة دلالية نادرة، تتوسل بلغة شديدة الاقتصاد لتقول ما لا يُحتمل من وجع الفقد، وما لا يُطاق من عزلة الحب في زمن الرحيل. سبعة أسطر قصيرة تحفر في القلب كالإزميل، وتختزل تجربة وجودية كاملة يتقاطع فيها الذاتي بالكوني، والحسي بالفلسفي، والطفولي بالأبدي، لتصنع من الحنين لغة أخرى للوجود.

منذ السطر الأول، تقتحم الذات الشاعرة فضاء القصيدة بنداء طفولي دافئ: “أعدّ الصباح يا أمي”، وكأن الوجود نفسه لا يبتدئ إلا حين تستيقظ الأم، وكأن إشراقة اليوم ليست مرتبطة بالشمس بل بيدين تعدّان الفجر كما يُعد الخبز، وكأن معنى الزمن لا ينبثق إلا من حضن الأمهات. هذه الجملة القصيرة تختزل بنية عاطفية عميقة تنقل المتلقي إلى مناخ مشبع بالحنان، وتعلن في الآن ذاته هشاشة الذات إزاء العالم، وارتهانها بحضور الأم لا كرمز فقط، بل كقوة طقسية تجعل للحياة طعماً وطقساً ودفئاً.

“وأعدّ رغيف الخبز” جملة تنسج خيطاً ثانياً في تواطؤها مع السابقة، لكن هذه المرة يُستحضر الخبز لا بوصفه طعاماً مادياً بل كرمز للطمأنينة والاستمرارية والألفة. الرغيف هنا هو امتداد للصباح، هو معادل سردي لليومي، البسيط، المتكرر، ولكنه في حضرة الغياب يتحول إلى استدعاء لحضور لم يعد ممكناً، فالإعداد لا يطلبه الجوع، بل تطلبه الحميمية المفقودة. الأم تعدّ الرغيف كما تعد الحياة، ولذلك فإن فعل “أعدّ” يحمل في هذا السياق بعداً شعائرياً، طقسياً، كما لو أن الذات تترجى استعادة العالم من خلال هذه الطقوس المنزلية التي كانت تنسج ملامح الطفولة والأمان.

لكن القصيدة لا تلبث أن تنتقل من هذا الأفق الحميمي إلى منعرج وجودي صارخ: “لا شيء يشغل فكري / سوى قبلاتي / وأحضاني الكثيرة”. هنا تتجلى المفارقة القاسية: فالذات التي تستيقظ، وتفكر، وتحب، وتفيض بالمشاعر، تجد نفسها فجأة وجهاً لوجه أمام عجز كينوني عميق. إن هذه القبل والأحضان التي ترمز إلى أعلى مراتب التعبير العاطفي، والتي ترتبط بالدفء والوصال والاحتواء، لم تعد تجد من تستقر عليه. من هنا تتسرب الفجوة، ويتحول فائض العاطفة إلى عبء. فحين لا تجد العاطفة من يحتضنها، تتحول إلى ثقل وجودي خانق، إلى عبث عاطفي، إلى ركام مشاعر معلق في الهواء.

الصرخة تأتي أخيراً، لكنها ليست صرخة غضب، بل مرثية: “على من سأوزعها / والكلّ قد رحل”. إنه اعتراف شعري بمرارة الفقد، لا فقد الأشخاص فقط، بل فقد الجدوى من العطاء، من الحب، من اللغة. فحين يرحل الكل، لا يتبقى إلا الفراغ، والمفارقة أن الذات هنا لا تبكي نفسها، بل تبكي فائض الحب الذي لم يُستهلك، وتلك الأحضان التي لم تُستقبل، والقبل التي لم تُرد. إنه نوع خاص من الحزن، حزن لا على من رحل، بل على ما تبقى دون جدوى.

وهنا بالضبط تبرز القيمة الرمزية العميقة لهذه القصيدة، فهي لا تتحدث فقط عن ذات مفجوعة بأحبابها، بل عن الوجود الإنساني في زمن الانهيار، عن فائض المعنى الذي لا يجد من يحتويه. هي خطاب عنفواني ضد العبث، صرخة ضد اللاجدوى، وتحويل للألم إلى شعر، وللغياب إلى حضور جمالي. إن الحديث عن “الكل” الذي “قد رحل” لا يتصل فقط بموت حرفي، بل قد يحيل أيضاً إلى رحيل رمزي: الغياب، النسيان، التجاهل، القطيعة، أو حتى الانهيار القيمي في عالم لم يعد يعترف بالعاطفة كقيمة.

لغة القصيدة تنتمي إلى ما يمكن تسميته ببلاغة الصفاء، حيث تتعانق البساطة مع العمق، وتنسج الشاعرة خطابها من مفردات يومية مألوفة، لكنها تشحنها بطاقة رمزية هائلة. “الصباح”، “الخبز”، “القبل”، “الأحضان”، “الرحيل”… كلها كلمات بسيطة، ولكنها في هذا السياق تتحول إلى علامات وجودية وفلسفية، تحمل في طياتها أبعاداً متعددة: العائلة، الطفولة، الحب، الموت، الذاكرة، والزمن. وهذا بالضبط ما يميز الشعر الحقيقي: قدرته على تحويل العادي إلى استثنائي، والمألوف إلى سؤال.

القصيدة تشتغل أيضاً على التوازي الإيقاعي والجرسي، مما يمنحها بعداً موسيقياً رقيقاً يعزز وقعها العاطفي، كما أن ترتيب الجمل القصيرة يمنح النص إيقاعاً متقطعا أقرب إلى نبض موجوع، أو شهقة حب معلقة. وتكثيف الضمائر الذاتية “أعدّ”، “فكري”، “قبلاتي”، “أحضاني”، “سأوزعها” يرسخ النزعة التقريرية دون الوقوع في الابتذال، بل يُبرز المعاناة الذاتية كأنها تمثل صوتاً جماعياً إنسانياً.

في النهاية، هذه القصيدة ليست فقط لحظة حنين، بل بيان شعري ضد الفقد، ضد النسيان، ضد خواء المعنى. إنها لحظة توق حار إلى استعادة الدفء في عالم بارد، محاولة أخيرة لإعادة ترتيب الحياة من خلال الأم والخبز والحب، ولكنها تنتهي بندبة دامغة على جبين الوجود: الكل قد رحل. ويبقى السؤال الأكثر فداحة، لا ما الذي نفقده برحيلهم، بل ما الذي يتبقى فينا دونهم، من حب لم يُعط، ومن أحضان بقيت وحيدة، تبحث عن مرفأ في العدم.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading