مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات نقدية

جمالية التحوّل الوجداني في خطاب الحب والفلسفة  عند الشاعرمكاريا  عبدالقادر- الناقد  أ.د حمام محمد…جامعة الجلفة….الجزائر

صورة لرجلين، أحدهما يظهر بمظهر جاد والآخر يرتدي نظارات ويتحدث أثناء اجتماع.

    الإرباك، والحسرة، والتأسّي، انطباعاتٌ قد تخلق الجمال في زاويةٍ من التفكير، لا يدري الإنسان فيها: أهو مخطئ أم على طريق الصواب؟ حين تخرج من ذاكرته مدوّنةٌ لونيةٌ لم تُتعبه، وهي التي رفضت أن ترتكب جنحةَ رسمةٍ تُلقى بها إلى الألباب.

في الحقيقة، شدّني بريقُ ما خلقه هذا الشجى؛ لأعبّر عمّا خلّفه في النفس حين تمرمر زاويةً كالتي يحرّرها الآن الشاعر مكاريا عبد القادر أثناء توخّيه الحذر، وكأنّه في زاويةٍ من زوايا حنا مينه، ينظران إلى العالم من منظور الفلسفة.

العالم أجمل بكلّ ميوعاته، وألوانه، وتدخلاته، وتصرفات المجانين، وإيحاءات الغابرين، وصلاح المتقين، وكفكفة الريح في الماجدولين. إنّها العوالم التي نراها، ولم نجد لها لغةً تفهمنا حتى نتغشّاها، وما يلافيها إلا أريبٌ أديبٌ لبيب، يقرأ الزاوية من البعد، فينحدر إلى رسمها بلغة الموردو والكينو في رسمات السرياليين.

قلتُ للقلم المخبّأ في سريالية التحوّل: لِمَ لا تقول كلمةً في هذا المضيّ الإبداعي؟ لعلّك تبلغ من زهدك الورقي مسألةً أعجبتني، وبلغةٍ راق لي ما تناولته من إشعاعاتٍ عنّي في أمسٍ فاطر، يبحث عن بزوغ الفلسفة وسلوك الأنثروبولوجيا، فوحدتُ الأمرين قابعين معًا.

تذكّرتُ للتو وصف صديقي جوادي سليمان، أمير الشعر في مخيلتي، حين قال:«كفاك يا فتى أن تُربك الإسهال دومًا».فعرفتُ أنّه كان يراف للشعر مني، وللوصف أحيانًا.

كان سليمان، ولا يزال، في المتقدم من  الألباب، وما أعماله إلا زاويةٌ لم يبلغها أيّ بنان. وربما من يقرأ صفة زاويتي يظنّني أبحث عن شأن، أو أريد أن أقول شيئًا لم يستوِ لديّ بعد، فما أريد إلا أن أرى زاويتي مخبّأةً في لين الكلمات الجميلة التي تنسّمتها هذا الصباح، فداويت بها مشيئةً خطابية.

ولحدّ الآن خرجت الزاوية، وخرج المراد، حين قال مكاريا:

لعالمٍ صار جميلًا جدًا
مُذ أحببتكِ!
مذ أحببتكِ صار العالم
أجمل ممّا كان

تتقوّى الرؤية النهمة، التي ما لها الزوال الممتد، حين يتغشّاها الأثر، لكنها في ولادتها تشبه المطر الممتدّ، عندما تخرج الكلمة المفعمة بأريج المحبة. فعلًا، يتغيّر العالم من حولنا وفينا؛ لأنّ معيار الحب، في الدقّة والقداسة، شيءٌ يعلو النفس، وإلا لما أحببنا الجمال حيث رأيناه في الكون، وقد خرج من الظلمات والصراخ.

ولولا الجمال ما استقرّت أحبالنا الصوتية، ولما ساد في الأرض انشراحٌ كالوادي الهائج الذي وجد مبتغاه في الهدوء، أو كأنّها مخدّر ألمٍ في صفوف ثورةٍ عارمة.

وحين تتكرّر تلك اللحظات تحدث الغرائبية، كما وصفها الكاتب في روعياته بقوله، في زخم التأجّج:

الورد ينام على كتفي
والشمس تدور على كفّي
والليل جداولُ من ألحان
المارّة صاروا لا يقفون على رأسي
والسيارات تئزّ كثيرًا

كأنّها توقيع الحياة بباطنها وظاهرها، تخرج غير مسافحة، معلنةً أنّ المحبة الأصيلة قد وقعت على أديمٍ رائعٍ فضائي. لكنها تبقى، في عرف ما جادت به خاطرة الإنسان، تلك الظاهرة التي ندعوها في العمق: التفكير الوجودي، المرشّح بالرومانسية التي نختبئ تحتها مرّات لنعود إلى أزماننا.

وهو المبدع الذي يلقى اللوم ـ كما أنا ـ على ضوضاء الحب وصرخته ورنّته، وكلّ شيء جميل فيه. رفضها وهو معذور، وتقبّلتها؛ لأنها مخرجاتٌ طافية من غرائبية المحبة، التي تتركك تمجّد المحبوب إلى درجة التسخير. وما أدراك ما التسخير؟ إنّنا نسخّر كلّ الأشياء التي تفوقنا فهمًا من أجل المحبة.

لا تُربكني الضوضاء، ولا الفوضى
لا تزعجني الألوان

ورحلة الكشف التي وصفتها بكشف المتغيّر حين نحب، وجدتُ فيها عبورًا فلسفيًا نحو المتغيّر. أحسنت أيها المبدع بهذه الفتيلة التي أيقظت فتيلة سؤالٍ فلسفيٍّ طُرح قبل أن تولد الفلسفة نفسها: لماذا انتقلنا من اللاشيء إلى الإنسان؟

خلق الله الإنسان مبدعًا، رائعًا، وجوهرًا كبيرًا، وجعل له دالاًا ومدلولًا، وبقي خالدًا كشيءٍ ومعنى. فهل غيّر الإبداع فينا معنى اللاشيء ومعنى الإنسان؟

قال المبدع:

فتّشتُ طويلًا عمّا يتغيّر فينا
حين نحبّ؟
فوجدتُ بأنّا نعبر من “لا شيء
إلى إنسان

كما الأول… أُصبتُ، أُصبتُ…

وما الإنسانُ إلا سرٌّ من سرائرِ الخَلْق، صاغه الديّانُ في تحفةٍ وجوديةٍ تفوقُ البيان، تتجلّى ولا تُحاط، وتُرى آثارُها ولا يُدرك كنهُها/ فإن نحنُ حاولنا الاقتراب من معناها، وجدنا العقلَ مجبولًا على حدودٍ لا يتجاوزها، مهما امتدّ به العلمُ واتّسعت مداركُه…. ذلك لأنّه كائنٌ في عالمٍ مخلوق، لا يساوي شيئًا في حضرة المبدع الكونيّ الأزليّ، الأحدِ الذي لا شبيه له ولا نظير، له الواحد القهّار.

لك كلّ المودّة…ابها المبدع  ع.مكاريا.…

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading