كتابات حرة

الذكاء الاصطناعي بين قدرة الإنسان وحدود الخالق –   ا.د  حمام محمد

أستاذ جامعي يتحدث في ندوة حول الذكاء الاصطناعي وتأثيراته في العلوم الإنسانية.

في خضم الجدل الدائر حول الذكاء الاصطناعي وتوظيفاته في العلوم الإنسانية والتجريبية، بل وحتى في المجال الطبي، يجد الباحث نفسه أمام ثنائية دقيقة: هل هذا العقل الصناعي السريع مجرد أداة مسخّرة للإنسان؟ أم أنه مشروع متعاظم يزاحم العقل البشري في ميدانه.

 إنّ مقالاتي السابقة التي تجاوزت الأربعين، كانت محاولة لتوضيح حقيقة هذا المسار التقني، ولتفنيد الأوهام التي يروج لها المهووسون بالتكنولوجيا النانوية، ممن يجهلون آليات عمل البرمجيات في عمقها، ويكتفون بسطحها البرّاق.

لقد بات من الواضح أنّ الذكاء الاصطناعي يزحف باستمرار ودون توقف، وأنّ الأمر يحتاج إلى وضع استراتيجيات دقيقة تحدّ من توسعه السرّي في مجالات تمسّ العقل الإنساني الذي منحه الله تعالى لصاحبه. فالإنسان يمتلك قدرة التفكير اللامحدود، ومن أبسط أدواته القدرة على التنبؤ، كما هو الحال في التوقعات الجوية. لكن أن يُقال إنّ الذكاء الاصطناعي قادر على التنبؤ بالموت، فذلك أمر خيالي، لا يعدو أن يكون من قبيل الأباطيل المتلوّنة بلون الشيطان في الجنة.

ولا أظنّ أنّ من صنعوا الذكاء الاصطناعي زعموا أنه جاء للتنبؤ بالموت، بل إنّ الأمر تحريف جديد يروّج له بعض الممارسين بعقلية قريبة من العلوم الباطنية. هؤلاء هم أنفسهم الذين عجّلوا النهايات الإنسانية عبر القنابل النووية، وعبر نشر البكتيريا والفيروسات في الهواء، في حين أنّ الله تعالى وحده القادر على استلال الأرواح حين يحين أجلها، فردًا فردًا.

إنّ الذكاء الاصطناعي في أصله قدرة علمية، أتاحها الله للناس ليحسّنوا بها أطر حياتهم، ويطوّروا سبل العيش، ويفكّروا من جديد في العودة إلى قاعدة التوحيد التي تُثبت لله العظمة والخلود، وتقطع الطريق على من يظنّ أن الفناء والعدم هو النهاية.

لقد استوقفتني مؤخرًا بعض المقالات عن تقنية (Heart Attack K)، التي يُزعم أنها تتنبأ بحدوث الأزمات القلبية، ومن ثمّ بالموت. والحق أن هذا الادعاء سطحي، إذ يقوم على تحليل بيانات سابقة مخزّنة عن المريض في المستشفى أو ضمن أي قاعدة بيانات صحية، من تاريخه الجيني وتقلبات مراحله الصحية. وبناء على هذه البيانات، تقوم الخوارزمية بوضع توقّعات بحدوث أزمة قلبية خلال سنتين أو ثلاث، بل وربما في ساعة محددة. لكن هذا لا يعدو أن يكون توقّفًا عضويًا لعضلة القلب (موتًا إكلينيكيًا)، وليس الموت بمعناه الحقيقي الذي يقدّره الخالق جلّ وعلا. فلا ينبغي خلط العلم بالسطحية، ولا الكتابة عنه وكأننا نحن من نملك مفاتيح الغيب.

إنّ العقل الاصطناعي سيظلّ عقلًا محدودًا، مهما تضاعفت سرعته، ومهما تجاوز أفق الضوء، لأنه يفتقر إلى ما لم يخطر على بال الإنسان أصلًا. أما نحن، فإننا نوجّه هذه السرعة في خدمة حياتنا، والله هو من يقدّر أقواتنا، كما قال تعالى: (وفي السماء رزقكم وما توعدون). ومن بين أرزاقه هذا الذكاء الاصطناعي نفسه، الذي يمكن أن يكون وسيلة لتوسيع الرزق على البشرية، وتخفيف مشقة التعب العضلي، بل وربما نصل إلى زمن يكتفي فيه الإنسان بأقراص تغنيه عن مأكولات الأرض لفترة من الزمن.

لكن شرط ذلك كلّه أن نسلك سبيل الرضا النفسي والإيمان، إذ لا معونة إلا بمعيار خلقي يفصل بين الحق والباطل، وبين التقدّم الحقيقي والاغترار بالتقنية. أمّا هذه التكنولوجيات، فإنها عاجزة عن حماية الإنسان من مراحل ضعفه الطبيعي: من الطفولة، إلى النمو، فالقوة، فالشيخوخة، فالضعف…

إنّ الذكاء الاصطناعي ليس أكثر من أداة سجنت عقل الإنسان حين انشغل بها عن جوهره، وتركته في سباق وهمي جعل العقل الصناعي يبدو وكأنه الفائز المؤقت. غير أنّ الحقيقة الباقية هي أنّ الله وحده هو المالك للقدرة المطلقة، وأنّ الإنسان لا يرتقي إلا بميزان الخلق والإيمان.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading