ُنذر تفكك الولايات المتحدة بقلم : صافي خصاونة

تعيش الولايات المتحدة الأمريكية مرحلة حرجة تتسم بتصاعد الاستقطاب السياسي وتفاقم التفاوتات الاقتصادية والاجتماعية وتنامي الانقسامات الثقافية والقيمية بين الولايات والمكونات الاجتماعية المختلفة. ورغم استمرارية النظام الفيدرالي الأمريكي وصلابته المؤسسية حتى الآن فإن تراكم الأزمات الداخلية يُنذر بإمكانية تحولها إلى تهديد بنيوي لوحدة الدولة وشهدت العقود الأخيرة انقسامًا سياسيًا حادًا بين الحزبين الرئيسيين وصل ذروته مع أحداث اقتحام الكابيتول في يناير 2021 والتي كشفت عن هشاشة الإجماع السياسي وازدياد التشكيك في شرعية المؤسسات والانتخابات. هذا المناخ يُقوّض أسس التعايش الديمقراطي ويغذي خطاب الانفصال والاستقلال الذاتي لدى بعض الولايات . وأدى التفاوت الكبير بين ولايات الشمال الشرقي والساحل الغربي من جهة وولايات الداخل الأمريكي من جهة أخرى إلى نشوء شعور بالتهميش لدى قطاعات واسعة من الشعب الأمريكي خاصة في المناطق الصناعية المتدهورة. ويزيد هذا التفاوت من تغذية الخطاب الشعبوي والانفصالي. وتشهد الولايات المتحدة صراعًا ثقافيًا محتدمًا حول قضايا مثل الإجهاض وحقوق الأقليات وحيازة السلاح ما أسهم في تصدع الهوية الوطنية الجامعة وخلق ما يشبه ولايات قيمية متناقضة تتبنى سياسات وقوانين متباينة بشكل جذري. ورغم الطابع الرمزي لبعض الحركات الانفصالية فإن تنامي شعبيتها يُعبر عن مزاج شعبي متحول يعكس أزمة ثقة متزايدة في الاتحاد الفيدرالي حتى وإن كان الإطار الدستوري الأمريكي لا يسمح قانونيًا بالانفصال. ولا تزال احتمالات تفكك الولايات المتحدة في المدى القريب مستبعدة من الناحية الواقعية إلا أن استمرار التحديات البنيوية دون معالجات استراتيجية قد يؤدي على المدى المتوسط أو البعيد إلى تحولات جذرية في طبيعة الكيان الفيدرالي سواء من خلال إعادة تعريف العلاقة بين المركز والولايات أو في سيناريوهات أشد تطرفًا تشمل الانفصال الرمزي أو الفعلي لبعض المكونات ولا تزال احتمالات تفكك الولايات المتحدة في المدى القريب مستبعدة من الناحية الواقعية إلا أن استمرار هذه التحديات دون حلول جذرية يُنذر بإمكانية تآكل الوحدة الفيدرالية تدريجيًا. إن أحداث لوس أنجلوس والاستقطاب السياسي والتفاوتات الاقتصادية والاجتماعية تُظهر أن نُذر التفكك ليست مجرد مخاوف نظرية بل هي واقع ملموس يتطلب معالجة عاجلة





