28. رمضان … وعمر الإنسان – هشام فرجي

يقولون إن رمضان مضى سريعًا، كأنه لم يكن. لكن الحقيقة أن رمضان لم يتحرك، بل نحن من تحركنا على خط الزمن، وتركنا وراءنا عامًا آخر من أعمارنا. فرمضان ليس حدثًا يمر بنا، بل نحن من نعبره مرة بعد مرة، حتى نصل إلى حيث لا يعود للزمن معنى، فيتوقف العد والحساب. كل رمضان يمضي يعني أن جزءًا من أعمارنا قد انقضى، صفحة قد طُويت من كتاب حياتنا، فهل كتبنا فيها ما يرضي الله؟
قال رسول الله ﷺ: “نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ” (رواه البخاري). فالعمر رأس مال العاقل، والصحة والوقت هما الزاد الحقيقي الذي يملكه الإنسان ليصنع لنفسه دارًا في الآخرة. وكل رمضان يمر هو فرصة تُضاف إلى عمر الإنسان ليعيد تقييم خطواته، ويجدد نيته، ويتزود لما بعد الرحيل.
يقول الشاعر ابن زيدون:
يا راحلاً وجميل الصبر يتبعُهُ
هلّا بقيتَ قليلًا أيها القمرُ؟
هلاّ رحمتَ أنينَ القلبِ مبتَهِلاً
فرُبّما فاض من حرِّ الجوى المطرُ
والحق أننا نحن من نرحل، نحن من يتقلص وينقص عمره مع كل هلال يكتمل ثم يتلاشى. فطوبى لمن وعى هذه الحقيقة، وسعى ليجعل من رمضان نقطة تحوّل، لا مجرد محطة عابرة في قطار الزمن. يقول الحسن البصري رحمه الله: “يا ابن آدم، إنما أنت أيام، فإذا ذهب يومك، ذهب بعضك”. فلا تُغفل حقيقة أن كل رمضان تودّعه هو جزء اقتُطع من أيامك، فهل كنت فيه من الرابحين أم من الخاسرين؟
وإن العمر هو بركة الوقت الذي نملؤه بطاعة أو نضيعه في غفلة. ومن الغفلة أن نعد رمضان كرقم في تقويمنا، بينما الأجدر أن نعدّه فرصة أخرى كُتبت لنا، بينما كُتب على غيرنا الرحيل قبل أن يبلغوه.
ويقول ابن الجوزي: “إذا رأيتَ زمنًا قد ذهب، فاعلم أنه لم يكن لك، وإنما هو عليك”. ولعل رمضان أصدق ميزان يضعنا أمام هذه الحقيقة العارية: هل كان لنا أم علينا؟ هل خرجنا منه بأيدٍ ملأى بالحسنات أم قبضنا الريح؟
كما أن ابن القيم رحمه الله يقول: “إضاعة الوقت أشد من الموت، لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة، والموت يقطعك عن الدنيا وأهلها”. فاحذر أن تكون أيامك عبارة عن مرور زمن، بلا أثر ولا إنجاز، بلا تقرب من الله، ولا زيادة في الخير.
رمضان .. كغصن يتدلى من شجرة الحياة، نمسك به لحظة، نشتم عطره، نحاول أن نقطف منه ثمرًا، لكنه سرعان ما ينسل من أيدينا، ليعود إلى عليائه. نحن من نُسقط منه أوراقًا أو نقطف منه بركات، نحن من نخطو فوق أيامه سريعًا دون أن نلتقط أنفاسنا، كأننا في سباق لا نعرف له خط نهاية.
فيا غافلًا عن حقيقة الزمن، العمر يمضي، والنهاية تقترب، وكل رمضان تودّعه قد يكون الأخير. قال رسول الله ﷺ: “اغتنم خمسًا قبل خمس: حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك” (رواه الحاكم وصححه الألباني).
هاهو رمضان قد رحل، لكنه ترك فينا أثره، فهل نترك في أنفسنا أثره؟ هل نعيش بعده بروح جديدة، أم نعود لما كنا عليه قبل أن يطرق أبوابنا؟ لا نجعل مرور الأيام يخدعنا، فالحياة ليست سوى مجموع رمضانات كُتبت لنا، فإن لم نستثمرها، نكن من الخاسرين.





