13.الموت.. الحقيقة التي تطرق أبوابنا كل يوم – هشام فرجي

“الموت ليس غريبًا عنا، بل هو الجار الذي لا يغلق بابه، والزائر الذي لا يستأذن، والحقيقة التي تغفل عنها العيون، رغم أنها أقرب إلينا من حبل الوريد.”
في كل يومٍ يمر، نفقد أحدًا كان بيننا بالأمس القريب. نسمع نبأ رحيل صديق، أو قريب، أو عزيز، وكأننا نعيش في عالم يتساقط فيه الأحباب كأوراق الخريف، واحدًا تلو الآخر، دون أن يكون لنا حولٌ أو قوة. ورغم ذلك، كم مرة وقفنا عند هذه الحقيقة وتأملناها بعمق؟
فكم مرةً رأينا جنازة تمر أمامنا، فدعونا للميت بخشوع وانكسار وتذلل بين يدي الله، ثم عدنا لننشغل بالدنيا، كأننا لن نكون يومًا في مكانه؟ كم مرةً فقدنا شخصًا عزيزًا، فحزنّا عليه أيامًا، ثم جرفتنا الحياة وكأن شيئًا لم يكن؟ إن الموت لا ينتظرنا حتى نستعد له، ولا يمنحنا فرصة لتوديع من نحب. إنه القدر الذي يسير نحونا، دون أن نعرف متى يحين موعد الرحيل.
والموت في رمضان.. هو رسائل لمن أراد أن يعتبر، فهو شهر التأمل في حقائق الحياة الكبرى، والموت أعظمها. ففي هذا الشهر الفضيل، نفتقد بعض الأحبة ممن جلسوا معنا على مائدة الإفطار رمضان الماضي، وذكرياتهم لا زالت تحاصرنا عند كل وجبة إفطار وعند كل دعاء، وعند كل صلاة. وهذا يذكّرنا بأن الحياة مهما طالت، فهي مجرد وقفات قصيرة كما بين الأذانٍ والإقامة. وقد أخبرنا النبي ﷺ قائلا: “إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له.” فماذا أعددنا ليوم الرحيل؟ وهل سنكون ممن يتركون أثرًا بعدهم، أم أننا سنكون فقط أسماءٍ تُمحى مع مرور الزمن؟
فيا أيها الموت…
أما تعبت من اقتلاع الأحبة من بين أيدينا؟ أما اكتفيت من خطف القلوب التي كانت لنا نبضًا، والوجوه التي كانت لنا سكنًا؟ نخافك، رغم أننا نعرف أنك وعدٌ لا يُخلف، ونخشاك، رغم أننا نعلم أنك بابٌ سندخله جميعًا. لكننا لا نكرهك، بل نهاب غفلتنا أمامك، نخشَى أن تأتينا ونحن لم نتجهّز، أن تفاجئنا ونحن لم نعدّ الزاد. فرفقًا بنا أيها الموت، دعنا نستعد للقاء الله، دعنا نتوب، ونتخفّف من أوزارنا، ونجعل الرحلة إليك سهلةً، لنصل ونحن نحمل صحائفنا بيميننا، لا بشمالنا.
فكيف نستعد للموت؟
لا تؤجل التوبة: فالموت لا ينتظر إلى أن نكون مستعدين، بل يأخذنا على غفلة منا، دون إنذار مسبق.
اترك أثرًا طيبًا: فليكن لك صدقةٌ جارية، أو علمٌ ينتفع به، أو قلبٌ يسعد حين يذكرك، أو عمل صالح بينك وبين الله.
سامح واطلب السماح: فكم من أشخاصٍ رحلوا قبل أن نقول لهم “عذرًا”، وكم من وداعٍ لم يكتمل.
لا تترك الصلاة: فهي الصلة الأخيرة بينك وبين الله، والتي ستظل ترافقك حتى بعد موتك.
لا تترك مصاحبة القرآن: ليكون لك جليسا وصاحبا في قبرك وشفيعا لك عند ربك.
ختاما، فالموت إذا هو رسالة حياة، هو بداية الرحلة الحقيقية. ومن فهم ذلك، عاش حياته برؤية مختلفة، لا يغترّ بملذاتها، ولا يغفل عن حقيقتها. فلنكن في رمضان أكثر وعيًا بهذه الحقيقة، ولنجعل منه محطةً للتخفف من أثقال الدنيا، والاستعداد لدار البقاء. فاللهم اجعلنا من الذين يستعدون للقائك بالعمل الصالح، والتوبة الصادقة، وبقلوب طاهرة.





