لا تختبر إنسانًا في حب والديه – هشام فرجي
الوالدان هما الروح التي تنبض في أعماق الإنسان، والجذور التي تمده بالقوة والحياة. حبهما لا يعتبر فقط شعورا عابرا أو التزاما اجتماعيا، بل هو امتداد للهوية، وجزء من الفطرة، ونور في دروب الحياة. هو ذلك الحبل السري الذي لم ينقطع أبدًا، وإن اعتقد الجميع أنه بثر لحظة الولادة.
لذلك، لا تختبر إنسانًا في حب والديه، لأنك بذلك تعبث بأقدس ما لديه. فأنت لا تعرف حجم التضحيات التي قدموها له، ولا تدرك كم الليالي التي سهروا فيها من أجله، ولا تستطيع أن تقدر كمية الحب التي زرعوها في قلبه منذ أن فتح عينيه في هذه الدنيا.حيث أصبحوا منذ حينها كل حياته ، ظلّه الذي لا يفارقه، وسنده الذي لا يتوقف أبدا.
هناك خطوط لا يجب تجاوزها، وحدود لا ينبغي اختبارها، ومن أشدها قدسية حب الإنسان لوالديه. فقد يختلف معك في أي شيء، لكنه لن يسمح لك أبدًا بالمساس بكرامة من كانوا سبب وجوده. وإذا كان هناك شيء في هذه الحياة لا يقبل المساومة، فهو حب الأب والأم.
لا تختبر إنسانًا في هذا الحب، لأنه شعور عاطفي ويقين مترسخ، لا تهزه الأيام ولا تضعفه المسافات. هو الحبل الذي لا ينقطع، وإن ظننت لوهلة أنه قد تراخى. فإن كان للإنسان خط أحمر، فهو كرامة من منحاه الحياة، من حملاه صغيرًا، وسهرا على راحته، وتحملا لأجله الألم قبل أن يعرف هو معنى الألم.
ولكن، إن تجرأت يومًا على إهانة والديه أو المساس بهما، فلا تتوقع كيف سيكون الرد. قد تظن أنك تعرف ذلك الإنسان، أنك قادر على التنبؤ بانفعالاته، لكنك ستكون مخطئًا. لأنك حين تقترب من هذه النقطة، فإنك تلامس أعمق ما في روحه، وأقدس ما في قلبه. قد يصمت، فيختزن الألم في صدره كجمرة مشتعلة تحرقه كل لحظة، لكنه لن يغفر. قد يثور، فتتحول طيبته إلى شراسة لا تعرف الرحمة، ليذكّرك أنك تجاوزت حدودك. قد يتحول إلى مقاتل لا يبالي بشيء سوى رد اعتبار من هم أقدس عنده من نفسه.
قد يغضب، قد يواجهك بعيون لا ترى فيك سوى معتدٍ يجب ردعه مهما بلغ قربك منه. قد تجد أمامك شخصًا آخر، غير الذي عرفته، لأنك مست موضعًا في روحه لا يقبل العبث. وقد يذهب إلى أبعد مما تتخيل، لأن حب الوالدين حين يُهان يتحول إلى قوة لا تُرد، وحين يُختبر يصبح نارًا تحرق كل من يظن أنه قادر على المساس بهذا الرابط المقدس.
لا تختبر إنسانًا في حب والديه، لأنك قد تكتشف أن هذا الحب أقوى من المنطق، أعمق من الزمن، وأقدس من أن يُمسّ او يهان. ومن يظن أنه قادر على العبث به، فليعلم أنه يلعب بالنار، نار قد لا تترك له فرصة للنجاة.






