مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات نقدية

الواقعية الرومانسية : محاكمة الذات في رواية (لن تفر مني) لابراهيم سليمان نادر- د.ازهر سليمان

 

collage 5

قد
يبدو الامر مربكا للقارئ في استقراء مصطلح (الواقعية الرومانسية) لسبب بسيط الا
وهو جمع مذهبين متناقضين في مصطلح واحد مما يؤدي الى إشكالية ذهنية محيرة. تقول
الروائية الروسية (آين ران)
أن ” الجمع بينهما يجعل الحياة أكثر جمالًا وإثارة
للاهتمام مما هي عليه في الواقع، مع منحها كل الواقع، وحتى واقع أكثر إقناعًا من
واقع وجودنا اليومي
.
وكان
 فيودور دوستويفسكي اول من
استخدم هذا الأسلوب السردي الفني وان سبقه في التنظير جوزيف جوبلز.
ويبدو لي ان الروائي إبراهيم
سليمان نادر قد استخدم هذا التكنيك في سرد روايته (لن تفر مني) بأسلوب شيق حيث
يتأرجح الرجل العجوز مع الراوي في محاكمة للذات ، ولكنه يحافظ على التوازن
الموضوعي بين ماهو واقعي وما هو رومانسي. ومع هذا فأن هذا التوازن يفقد سر قوته
مما يؤدي الى تلك الحيرة والدهشة عند بطل الرواية.
تقع احداث الرواية في
ميناء قديم حيث يتردد اليه بطل الرواية ليلتقي بشيخ يجلس أحيانا قبالته. يصف الراوي
هذا الشيخ: ” كنت أرقب خطاه الثقيلة بخطاي التي تشبه مشيته البطيئة، يتوقف كل
حين، يريح ساقيه وظهره المتعب ثم يواصل مشيته الرتيبة، يلتفت بين الحين والحين
باحثا عن ضالة خفية هو وحده يعرف سرها.”
لا يخفى ان الكاتب مازج عناصر
رمزية مع أسلوبه ليضيف زخما ذهنيا جميلا لدى المتلقي. يمثل الشيخ ظل السارد وذاته
التي تكتنز تجارب أعوام العمر ، تلك الذات التي تبحث عن كينونتها وسط ميناء الحياة
الصاخب. “ضوضاء وفوضى وضجيج في كل مكان… الخلق يتلاطمون ببعضهم في الذهاب
والأياب.” لايتوقف استمرار الحياة لكن الذات تبقى تبحث عن حقيقتها. ويصف
السارد شعوره بهذا الظل الشبحي قائلا “اعتدت عليه كما يعتاد التوأم على
توأمه.”
كان الشيخ محملا باتهامات متعددة
للسارد، اتهامات اختزنتها الذات عبر سنين طويلة لتلفظها جمرات من الادعاءات كي
تحاكمه في قفص الميناء: ” انك دمرت حياتك في هذه الأماكن الملعونة على رصيف
الميناء واطلقت النار على رغباتك ومواهبك، وسحقت شبابك كما تسحق نملة تحت
حذاء…” حقيقة كان السارد يخفيها في طي كتمان ذاكرته لكنه اليوم يواجه ذاته
مع لائحة من الاحباطات بشكل صريح ولا مفر منه. ولا تمثل هذه الاتهامات عتابا بأي
حال من الأحوال بل ضربا بالسياط بعنف وقسوة .
يحاول بطل الرواية تبرير
مواقفه للذات: “خسرت الحرب لأنني لم أعلم ولم أختر، ووقفت زمنا طويلا على
رصيف الميناء..أنا الآن وحدي، لامهرب، لا ملاذ، لاضمان..عالمي كان عريضا في الخارج،
الآن تقلص وارتد على اعقابه حتى صرت العالم أنا ولا عالم غيري.”
ويذكرني هذا الصراع
الواقعي-الرومانسي الحالم بقصيدة للشاعر ايرش كستنر (الرومانسية الواقعية) حيث
يقول:
ثماني سنوات، يعرفُون بعضهم البعض
(يُمْكِنُ القَوْل: أنَّهم يعرفون بعضهم البعض جيِّداً)،
فجأة، ضاع حُبُّهُمَا.
كما يضيعُ العُكاز أو تضيعُ القُبَّعة، للآخرين.
هنا ما حدث هو العكس حيث لم يضع شيئا بل أن شيئا انبثق ليواجه
السارد بمكنونات ذاته، تعشيق فني مابين ماهو واقعي وما هو في خبايا الخيال او
اللامرئي.
يستمر السرد على ذات المنوال الى ان يجد الشيخ العجوز فتاة كان
يعرفها ، تلك الفتاة التي تمثل انثاه الحبيبة القديمة والتي غيرت فيه فكرة
الاختفاء عن فضاءات ومعالم واشباح واكشاك. هنالك اسقاطات كثيرة من حياة الكاتب على
شخوصه والاحداث، اسقاطات تملؤها الاماني والترقب والانتظار والأمل.
حينما يجد الشيخ حبيبته يختفي تماما من المشهد لكن السارد
يستمر في البحث عنه أسابيع في الميناء وبين الاكشاك دونما جدوى. وذات يوم
“اليوم، وفي صحوة نهار فضي، وخلف كشك متهرئ،قبالة حانوت لبيع الشاي والبسكويت
المملح الرخيص، مصطبة عتيقة، ذات المصطبة التي كنت اجلس لصقه عليها…قبعة بنية
متهرئة ترقد جنبها عصا …كأنما كانتا القبعة والعصا تنظران ببلاهة وشرود نحو
اللاشئ… ربما… ولكن…! لن تفر مني..سأبقى اتبعك خطاك متوكأ على نبضي أينما حللت…حتى
لو فقدت بصري فدموعي ستراك، ضوءك قبالتي قد اعمى المكان….”
لم يتبقى في نهاية الرواية غير عصا وقبعة … بقايا غير مرئية
الا لساردها.. ولكن كيف للضوء ان يعمي المكان؟ جملة تركها إبراهيم سليمان نادر
لاستفزاز ذهنية المتلقي وتحليلها شخصيا. هي تقنية بريختية مأخوذة من النهايات
المفتوحة لمسرح برتولت بريخت الملحمي والواقعي.
أن رواية (لن تفر مني) عمل يستحق عناء القراءة والاستمتاع بسرد
فذ يمازج بين الرومانسية والواقعية والرمزية.
 
زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading