📰 آخر الأخبار
نرجسية التحدث / توفيق قريرةحين يكتبُ الوعي تمرده .. سيرةُ الإنسان في كسر القالب وصناعةُ المعنى/ د. عصام البرّام - القاهرةأليف شافاك في حليب أسود/ د.علياء إبراهيمالإنسان ليس قاتلاً بطبيعته: جدلية الأخلاق والقانون والقوة العارية/ د. أحمد ديركيعشق الحقيقة والعدالة واشتراكية مارسيل بروست/ترجمة : الحسن علاجThe Plum Blossom Path/ Im Sol Naeايها الناقد السوري ( حسين علي الهنداوي ) إسمعني جيدًا:أين المقاربة الفنية والجمالية بين المتنبي ووليد الصراف! الناقد ياس الركابيكبرياء الألم بين أحمد شاملو ويانيس ريتسوس/إبراهيم أبو عواد / الأردنبيان الثّورة الثقافية لإنقاذ أدب الطفل العربي - حسين عبروسفرنسا و كرة القدم: من السيادة المؤجرة إلى السيادة الملهاة/تأليف و اعداد محمد مبارك الوحدانيدمٌ أصفر/ رانية مرجيةحَبٌ في جُبّ / سميرة جدي - الجزائرليل / عارف عبد الرحمنتراتيل على ركام الروح/ الداودي الخالدي/المغرب حين ترتدي الثقافة العربية ثياب المهرّج وتطالبنا بالتصفيق الأعمى/سيّار الجميلالكتابة كفعل نجاة / د. شهيرة لاشينعوالم كافكا الكابوسيَّة وانعكاساتها على الأدب العربي الحديث/ نمر سعديلماذا نقرأ الأدب؟محمد عالي الحيرش، باحث في الأدب المغاربيقهوةٌ وعينيكِ / إيمان صلاححمام سخن .. شاعرية الاحتجاج الأنثوي/عبد المنعم أديب30 ثانية للأبد / نانسي ساميفقاعة / أيار عبد الكريمقصائد تانكا للشاعر الامريكي  ساداكيشي هارتمان/ترجمة سالم الياس مدالوبعدَ ورديةِ ليل / رانية مرجيةقلْ للزّمانِ/أسامة محمد صالح زامل
نرجسية التحدث / توفيق قريرةحين يكتبُ الوعي تمرده .. سيرةُ الإنسان في كسر القالب وصناعةُ المعنى/ د. عصام البرّام - القاهرةأليف شافاك في حليب أسود/ د.علياء إبراهيمالإنسان ليس قاتلاً بطبيعته: جدلية الأخلاق والقانون والقوة العارية/ د. أحمد ديركيعشق الحقيقة والعدالة واشتراكية مارسيل بروست/ترجمة : الحسن علاجThe Plum Blossom Path/ Im Sol Naeايها الناقد السوري ( حسين علي الهنداوي ) إسمعني جيدًا:أين المقاربة الفنية والجمالية بين المتنبي ووليد الصراف! الناقد ياس الركابيكبرياء الألم بين أحمد شاملو ويانيس ريتسوس/إبراهيم أبو عواد / الأردنبيان الثّورة الثقافية لإنقاذ أدب الطفل العربي - حسين عبروسفرنسا و كرة القدم: من السيادة المؤجرة إلى السيادة الملهاة/تأليف و اعداد محمد مبارك الوحدانيدمٌ أصفر/ رانية مرجيةحَبٌ في جُبّ / سميرة جدي - الجزائرليل / عارف عبد الرحمنتراتيل على ركام الروح/ الداودي الخالدي/المغرب حين ترتدي الثقافة العربية ثياب المهرّج وتطالبنا بالتصفيق الأعمى/سيّار الجميلالكتابة كفعل نجاة / د. شهيرة لاشينعوالم كافكا الكابوسيَّة وانعكاساتها على الأدب العربي الحديث/ نمر سعديلماذا نقرأ الأدب؟محمد عالي الحيرش، باحث في الأدب المغاربيقهوةٌ وعينيكِ / إيمان صلاححمام سخن .. شاعرية الاحتجاج الأنثوي/عبد المنعم أديب30 ثانية للأبد / نانسي ساميفقاعة / أيار عبد الكريمقصائد تانكا للشاعر الامريكي  ساداكيشي هارتمان/ترجمة سالم الياس مدالوبعدَ ورديةِ ليل / رانية مرجيةقلْ للزّمانِ/أسامة محمد صالح زامل

 مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
القصة القصيرة

مدينة إفني حَارِسَةُ المَمَرِّ/محمد مبارك الوحداني 

Copilot 20260722 000629

كَانَ “سُلَيْمَانُ المُبَارَكُ” قَاضِياً فِي مَدِينَةٍ كُبْرَى في أقاصي الكون ، يَمْلِكُ قَانُوناً مَكْتُوباً بِمِدَادٍ لَا يَمْحَى. لَكِنَّ كُلَّمَا حَكَمَ، بَقِيَتِ الدَّائِرَةُ مُغْلَقَةً. يُصْدِرُ الحُكْمَ، فَيُولَدُ ظُلْمٌ جَدِيدٌ. فَاسْتَقَالَ…! وَ حَمَلَ حَقِيبَتَهُ، وَ سَارَ جَنُوباً حَتَّى انْتَهَى الطَّرِيقُ عِنْدَ صَخْرَةٍ بَيْضَاءَ تُطِلُّ عَلَى المُحِيطِ.

قَالُوا لَهُ: “وَرَاءَكَ الصَّحْرَاءُ، وَ أَمَامَكَ بَحْرُ الظُّلُمَاتِ. لَا شَيْءَ هُنَا غَيْرَ خلاء التخلي و سور الهجر”.

فَابْتَسَمَ وَ قَالَ: “إِذَنْ وَصَلْتُ إِلَى المَكَانِ الَّذِي لَا شَيْءَ فِيهِ… إِلَّا الحِكْمَةَ”.

فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ، نَامَ عَلَى صَخْرَةٍ بَارِدَةٍ. فِي عُرُوقِهَا عُرُوقُ حَجَرِ المَرُّو تَلْمَعُ تَحْتَ القَمَرِ. كُلَّمَا هَبَّتِ الرِّيحُ مِنَ الأَطْلَسِ، سَمِعَ الصَّخْرَةَ تَهْمِسُ. لَمْ يَكُنْ صَوْتاً، بَلْ إِحْسَاساً يَسْرِي فِي عِظَامِهِ: كَأَنَّ الأَرْضَ تَضْغَطُ عَلَى صَدْرِهِ بِرِفْقٍ، فَتُولَدُ فِي دَمِهِ شُحْنَةٌ خَفِيفَةٌ. اسْتَيْقَظَ فَوَجَدَ رَأْسَهُ صَافِياً لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً.

فِي الصَّبَاحِ، جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ عَجُوزٌ اسْمُهَا “تَمْgرْتْ” – حَارِسَةُ المَمَرِّ، كَمَا نَادَاهَا أَهْلُ إِفْنِي.

قَالَتْ: ” أَنْتَ القَاضِي الَّذِي جَاءَ يَبْحَثُ عَنْ مِفْتَاحٍ، وَ لَيْسَ عَنْ كُرْسِيٍّ “.

قَالَ: “أَبْحَثُ عَنْ طَرِيقَةٍ أَحْكُمُ بِهَا فَلَا أَظْلِمُ”.

قَالَتْ: ” هُنَا لَا نَحْكُمُ عَلَى النَّاسِ. هُنَا نُحَاكِمُ الدَّوَائِرَ المَفْتُوحَةَ وَ المُغْلَقَةَ “.

وَ أَخَذَتْهُ إِلَى الشاطئ. جَلَسَا عَلَى حَافَّةِ الصَّخْرِ حَيْثُ يَرْتَطِمُ المَوْجُ…

قَالَتْ: “انْظُرْ”. فَأَشَارَتْ إِلَى الأُفُقِ. خَطٌّ وَاحِدٌ يَفْصِلُ الأَزْرَقَ عَنِ الأَزْرَقِ، بِلَا بِدَايَةٍ وَ لَا نِهَايَةٍ.

” هَذَا هُوَ الفَرَاغُ البَصَرِيُّ ” هَمَسَتْ. “عِنْدَمَا يَنْظُرُ الإِنْسَانُ إِلَى اللَّا نِهَايَةِ، يَنْسَى حُدُودَهُ. وَ يَنْسَى أَنَّ الحُكْمَ قَفَصٌ”.

ثُمَّ أَشَارَتْ إِلَى المَوْجِ: “اسْمَعْ”. كُلُّ مَوْجَةٍ تَضْرِبُ الصَّخْرَ فَتَنْفَجِرُ إِلَى أَلْفِ رَذَاذٍ. فِي الهَوَاءِ تَرْقُصُ ذَرَّاتٌ لَا تُرَى، تُسَمِّيهَا كُتُبُكَ ” أَيُوناتٍ سَالِبَةً “. أَهْلُ إِفْنِي يُسَمُّونَهَا “نَفَسَ المَحْكَمَةِ”. مَنِ اسْتَنْشَقَهَا، هَدَأَ قَلْبُهُ، وَ سَمِعَ صَوْتَ روحه لِلْمَرَّةِ الأُولَى.

قَالَ سُلَيْمَانُ المُبَارَكُ: ” وَ مَاذَا بَعْدُ؟ “

قَالَتْ تَمْgرْتْ: ” المَحْكَمَةُ لَهَا أَبْوَابٌ، وَ لَا تُفْتَحُ إِلَّا بِالسُّؤَالِ الصَّحِيحِ “.

_المَمَرُّ الأَوَّلُ: الغَازِي_

مُنْذُ قُرُونٍ خَمْسَةٍ، وَقَفَ عَلَى هَذَا الشَّاطِئِ قَوْمٌ جَاءُوا مِنْ وَرَاءِ البَحْرِ، يَحْمِلُونَ الحَدِيدَ وَ يَعُدُّونَ الأَيَّامَ. ظَنُّوا أَنَّ الصَّخْرَةَ تُفْتَحُ بِالقُوَّةِ. فَحَاصَرُوهَا سِنِيناً، وَ حَفَرُوا حَوْلَهَا الخَنَادِقَ، وَ بَنَوْا أَبْرَاجاً مِنْ حَجَرٍ وَ غُبَارٍ. لَكِنَّ الصَّخْرَةَ لَمْ تُفْتَحْ. كُلُّ مَنْ دَخَلَهَا غَازِياً، خَرَجَ مِنْهَا ضَيْفاً يَطْلُبُ الصُّلْحَ.

وَ فِي يَوْمٍ نَكَثُوا عَهْدَهُمْ، رَحَلَ كَبِيرُهُمْ فَجْأَةً، لَا بِسَيْفٍ وَ لَا بِحَرْبٍ، بَلْ بِدَاءٍ خَفِيٍّ أَكَلَهُ مِنْ الدَّاخِلِ، كَأَنَّ الأَرْضَ سَحَبَتْ مِنْهُ عُمْرَهُ دَفْعَةً وَاحِدَةً.

” المِفْتَاحُ هُنَا: أَنْ تَفْهَمَ قَبْلَ أَنْ تَحْكُمَ. وَ مَنْ خَانَ العَهْدَ، حَاكَمَتْهُ الأَرْضُ بِعُمْرِهِ “

_المَمَرُّ الثَّانِي: بَابُ النِّسْيَانِ_

سَنَوَاتٌ طَوِيلَةٌ، أَرَادُوا أَنْ تَمُوتَ بحيرة المقدسة إِفْنِي فِي الخَرَائِطِ. سَمَّوْهَا رَقْماً، وَ مَسَحُوا اسْمَهَا. لَكِنَّ فِي يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ يُونْيُو، عِنْدَمَا لَمَسَ العَلَمُ صَخْرَتَهَا، تَذَكَّرَتِ الأَرْضُ عُمْرَهَا. مِلْيَارَانِ مِنَ السِّنِينَ لَا تُنْسَى. فَعَادَتِ المَدِينَةُ تَنْبِضُ.

تَحْكِي الحِكَايَةُ أَنَّ مَلِكاً فِي عَهْدِ كُوشٍ جَاءَ مِنَ الشَّرْقِ، وَ وَقَفَ عَلَى صَخْرَتِهَا وَ قَالَ: ” أَنَا الَّذِي سَيَفْتَحُهَا ! “. فَظَنَّ أَنَّهُ يَمْلِكُهَا. فَاتَّهَمَ أَهْلَهَا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوهُ، وَ رَفَعَ سَيْفَ الشَّكِّ عَلَيْهِمْ. فَمَا لَبِثَتِ الأَيَّامُ حَتَّى خَرَجَتْ لَهُ مِنَ الرِّمَالِ قَضِيَّةٌ لَا تُغْلَقُ، دُوَّامَةٌ مِنْ تُرَابٍ وَ دَمٍ دَارَتْ حَوْلَهُ وَ حَوْلَ مُلْكِهِ أَرْبَعِينَ عَاماً مِنَ التِّيهِ فِي صَحْرَاءِ سِينَاءَ.

” المِفْتَاحُ هُنَا: أَنْ تَتَذَكَّرَ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ قَدِيمٌ، فَيَصْغُرَ غُرُورُكَ. وَ مَنِ اتَّهَمَ تاريخ الصَّخْرَ بِالخِيَانَةِ، خَانَتْهُ تفاصيل الجُغْرَافِيَا “.

_المَمَرُّ الثَّالِثُ: المُؤَامَرَةُ_

فِي زَمَنٍ عَابِرٍ مَضَى، جَلَسَ عَلَى هَذِهِ الصَّخْرَةِ رَجُلٌ قَوِيٌّ يَحْمِلُ أَسْرَارَ القُصُورِ. هَمَسَ فِي أُذُنِ المَلِكِ: ” سَيَغْتَالُونَكَ هُنَا فِي افني “. فَصَدَّقَهُ المَلِكُ. لَكِنَّ الحَقِيقَةَ كَانَتْ مَدْفُونَةً فِي غَابَاتِهَا: مَجْمُوعَةٌ تَتَدَرَّبُ فِي صَمْتٍ عَلَى ظِلِّ المَلِكِ نَفْسِهِ.

وَ لَمْ تَمْضِ أَيَّامٌ حَتَّى انْقَلَبَ السِّحْرُ عَلَى السَّاحِرِ. الرَّجُلُ القَوِيُّ سَقَطَ فِي قَاعَةٍ مُغْلَقَةٍ، بِلَا شُهُودٍ وَ لَا صَوْتٍ، غير صوت رصاصات… سقط كَمَا خَطَّطَ لِسُقُوطِ غَيْرِهِ.

” المِفْتَاحُ هُنَا: أَنْ تَرَى نِيَّتَكَ فِي المِرْآةِ قَبْلَ أَنْ تَرَى نِيَّةَ غَيْرِكَ. وَ مَنْ حَفَرَ لِإِفْنِي حُفْرَةً، وَقَعَ فِيهَا ! “.

_المَمَرُّ الرَّابِعُ: الكَرَامَةُ_

فِي زَمَنٍ أَقْرَبَ، خَرَجَ مِنْ زُقَاقٍ ضَيِّقٍ هُنَا فِي مَمَرِّ الصَّيْفِ سُؤَالٌ صَغِيرٌ: “أَيْنَ حَقُّنَا؟” لَمْ يَكُنْ خِطَاباً، كَانَ هَمْساً. فَأَسْقَطَ فِي مَحْكَمَةِ الرَّبِيعِ عُرُوشاً وَ مَمَالِكَ! لِأَنَّ مَمَرَّ هَمْسِ إِفْنِي يُسَافِرُ مَعَ الرِّيحِ أَسْرَعَ مِنَ البَرْقِ.

وَ كَانَ أَنْ غَضِبَ عَابِرٌ مِنْ الحَلْقَةِ الثَّامِنَةِ مِنْ رِجَالِ الحَدِيدِ، مِنْ هَذَا الهَمْسِ فَأَمَرَ بِالسَّوْطِ وَ السِّجْنِ وَ اللَّيْلِ الطَّوِيلِ. حَتَّى ظَنَّ أَنَّ الصَّمْتَ سَيُدْفَنُ تَحْتَ التُّرَابِ.

فَمَا لَبِثَ أَنْ سَقَطَ هُوَ، لَا عَلَى قَدَمَيْهِ، بَلْ عَلَى كُرْسِيٍّ بِعَجَلَاتٍ. ثُمَّ فِي يَوْمٍ غَائِمٍ، ابْتَلَعَتْهُ حَادِثَةُ طَرِيقٍ، فَاخْتَفَى كَمَا تَخْتَفِي الكَلِمَةُ الَّتِي لَا مَكَانَ لَهَا فِي مَحْكَمَةِ الصَّخْرِ.

“المِفْتَاحُ هُنَا: أَنْ تَسْأَلَ قَبْلَ أَنْ تَأْمُرَ. وَ مَنْ عَذَّبَ الكَرَامَةَ، عَذَّبَتْهُ النِّهَايَةُ”.

صَمَتْ تَمْgرْتْ، ثُمَّ وَضَعَتْ فِي يَدِ سُلَيْمَانَ المُبَارَكِ حَصَاةً صَغِيرَةً مِنْ حَجَرِ المَرُّو.

قَالَتْ: “هَذَا مِفْتَاحُ إِفْنِي وَ قُفْلُهُ، هُمَا لَيْسَا مِنْ ذَهَبٍ، وَ لَا مِنْ غَيْرِهِ! بَلْ مِنْ صَبْرِ الأَرْضِ! وَ نُورِ المَمَرِّ! خُذْهُ وَ عُدْ إِلَى مَدِينَتِكَ. لَا تُصْدِرْ أَحْكَاماً بَعْدَ اليَوْمِ. اجْلِسْ خُصُومَكَ عَلَى صَخْرَةٍ، وَ دَعْهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَى الأُفُقِ، وَ يَسْتَنْشِقُونَ المِلْحَ، وَ يَسْمَعُونَ هَمْسَ الأَرْضِ. عِنْدَهَا سَتَجِدُ أَنَّ الدَّائِرَةَ المُغْلَقَةَ… كَانَتْ فِي عُقُولِهِمْ فَقَطْ”.

عَادَ سُلَيْمَانُ المُبَارَكُ إِلَى مَدِينَتِهِ. لَمْ يَعُدْ قَاضِياً. صَارَ ” حَارِسَ المَمَر ! ” .

فِي قَاعَةِ المَحْكَمَةِ، بَدَلَ المِنَصَّةِ، وَضَعَ صَخْرَةً مِنْ إِفْنِي. وَ بَدَلَ مِطْرَقَةِ الحُكْمِ، عَلَّقَ عَلَى الجِدَارِ صُورَةً لِلأُفُقِ اللَّا نِهَائِيِّ.

وَ مُنْذُ ذَلِكَ اليَوْمِ، لَمْ تُغْلَقْ قَضِيَّةٌ وَاحِدَةٌ فِي قَاعَتِهِ.

لِأَنَّ الخُصُومَ، قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمُوا، كَانُوا يَنْظُرُونَ إِلَى الصَّخْرَةِ، فَيَتَذَكَّرُونَ أَنَّهُمْ بَشَرٌ… لَا آلِهَةٌ.

وَ فِي إِفْنِي، كُلَّ لَيْلَةٍ، تَجْلِسُ تَمْgرْتْ عَلَى حَافَّةِ الصَّخْرِ، تَنْتَظِرُ القَاضِيَ التَّالِي.

لِأَنَّ المَمَرَّ لَا يُغْلَقُ أَبَداً.

وَ لِأَنَّهُ _كَايْنْ إِفْنِي، وَ كَايْنْ العَالَمْ_… المِفْتَاحُ دَائِماً فِي يَدِ مَنْ يَمْلِكُ الحِكْمَةَ.

البَابُ الأَوَّلُ: بَابُ المَحْكَمَةِ : 

فِي آخِرِ اللَّيْلِ، حِينَ تَسْكُنُ المَحْكَمَةُ وَ تَهْدَأُ الصُّخُورُ، يُفْتَحُ بَابُ إِفْنِي الأَزَلِيِّ. لَيْسَ بَابَ خَشَبٍ وَ لَا حَدِيدٍ، بَابٌ مِنْ رِيحٍ وَ مِلْحٍ وَ ذَاكِرَةٍ.

يَجْلِسُ القَاضِي الأَعْلَى عَلَى صَخْرَةٍ تُطِلُّ عَلَى اللَّا نِهَايَةِ. لَا يَمْلِكُ مِيزَاناً وَ لَا سَيْفاً. مِيزَانُهُ البَحْرُ، وَ سَيْفُهُ الصَّبْرُ.

يَأْتِي المُلُوكُ يَطْلُبُونَ الأَرْضَ فَيُحَاكَمُونَ. يَأْتِي القُوَّادُ يَطْلُبُونَ الطَّاعَةَ فَيُحَاكَمُونَ. يَأْتِي التُّجَّارُ يَطْلُبُونَ الرِّبْحَ الفاسد فَيُحَاكَمُونَ.

وَ كُلُّ مَنْ وَقَفَ عَلَى عَتَبَةِ إِفْنِي بِقَلْبٍ طَامِعٍ، رَدَّتْهُ المَحْكَمَةُ خَاسِراً. وَ مَنْ وَقَفَ بِقَلْبٍ خَفِيفٍ، وَهَبَتْهُ سِرَّهَا: إن اللَّا نِهَايَةَ لَا تُسْجَنُ.

وَ مُنْذُ ذَلِكَ اليَوْمِ يَقُولُ أَهْلُ إِفْنِي: المُلُوكُ يَمُرُّونَ فَيُحَاكَمُونَ، وَ القُوَّادُ يَمُرُّونَ فَيُحَاكَمُونَ، وَ أَمَّا أَهْلُ إِفْنِي… فَهُمُ المَحْكَمَةُ ذَاتُهَا.

البَابُ الثَّانِي: بَابُ تَمْgرْتْ : 

حَارِسَةُ المَمَرِّ، ابْنَةُ الرِّيحِ وَ البَحْرِ، وَاقِفَةٌ عَلَى العَتَبَةِ الأُولَى. لَا تَمْنَعُ أَحَداً مِنَ الدُّخُولِ، وَ لَكِنَّهَا تَسْأَلُ كُلَّ دَاخِلٍ: “مَاذَا تَحْمِلُ فِي يَدِكَ؟”

مَنْ حَمَلَ السَّيْفَ رَدَّتْهُ. مَنْ حَمَلَ الطَّمَعَ رَدَّتْهُ. وَ مَنْ حَمَلَ قَلْباً خَفِيفاً فَتَحَتْ لَهُ.

تَمْgرْتْ تَعْرِفُ سِرَّ الأُفُقِ: إن الخَطَّ الَّذِي يُفْزِعُ المُلُوكَ هُوَ نَفْسُهُ الَّذِي يُطَمْئِنُ الفَقِيرَ. وَ تَعْرِفُ سِرَّ نَفَسِ المَحْكَمَةِ: أَنَّهُ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ قَصْرٍ وَ كُوخٍ، يَهَبُ السَّكِينَةَ لِمَنْ كَانَ صَدْرُهُ وَاسِعاً.

البَابُ الثَّالِثُ: بَابُ حَجَرِ المَرُّو : 

فِي يَدِ تَمْgرْتْ حَصَاةٌ صَغِيرَةٌ مِنْ حَجَرِ المَرُّو. تُعْطِيهَا لِكُلِّ مَنْ فَهِمَ السُّؤَالَ. تَقُولُ: “خُذْ، هَذَا مِفْتَاحُ إِفْنِي. لَيْسَ مِفْتَاحَ الأَبْوَابِ، مِفْتَاحُ الصَّبْرِ”.

مَنْ مَسَّ حَجَرَ المَرُّو سَكَنَ قَلْبُهُ، وَ رَأَى فِي انْعِكَاسِهِ أَنَّ الضَّعِيفَ لَا يُحَاكَمُ، وَ إِنَّمَا يُحَاكَمُ القَوِيُّ الَّذِي ظَلَمَهُ.

البَابُ الرَّابِعُ: بَابُ سِيدِي عَلِي إِفْنِي : 

حَارِسُ الصَّخْرِ، المَدْفُونُ عِنْدَ الضَّرِيحِ، أَمَرَتْهُ الأَنْوَارُ الرَّبَّانِيَّةُ أَنْ يَحْرُسَ البَابَ. مُنْذُ ارْتَقَتْ رُوحُهُ إِلَى السَّمَاءِ وَ هُوَ فِي تَوَاصُلٍ رُوحِيٍّ مَعَ المَقَامِ.

مَنْ جَلَسَ عِنْدَ ضَرِيحِهِ بِقَلْبٍ مَكْسُورٍ، سَمِعَ هَمْسَهُ: “يَا وَلَدِي، إِفْنِي لَيْسَتْ مَدِينَةً تُحْتَلُّ… إِفْنِي سِرٌّ يُحْفَظُ”.

البَابُ الخَامِسُ: بَابُ الإِنْسَانِ العَادِيِّ : 

فِي آخِرِ اللَّيْلِ، حِينَ تَسْكُنُ المَحْكَمَةُ وَ تَهْدَأُ الصُّخُورُ، تَأْتِي “حَوَّاءُ البَحْرِ” كَمَا يُسَمِّيهَا أَهْلُ إِفْنِي.

امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِهَا، يَدَاهَا مِنْ مِلْحٍ، وَ شَعْرُهَا مِنْ رِيحٍ، وَ عُمْرُهَا مِنْ عُمْرِ المَدِينَةِ ذَاتِهَا.

لَا تَحْمِلُ سَيْفاً وَ لَا دَعْوَى. تَحْمِلُ شَبَكَةً مُثَقَّبَةً، وَ قَلْباً مُثَقَّباً أَكْثَرَ.

تَجْلِسُ عَلَى الصَّخْرَةِ ذَاتِهَا الَّتِي جَلَسَ عَلَيْهَا الجِنِرَالُ وَ المَلِكُ وَ الوَزِيرُ. لَكِنَّهَا لَا تَطْلُبُ حُكْماً.

تَطْلُبُ أَنْ يَنْفَتِحَ البَحْرُ.

تَقُولُ لِـ تَمْgرْتْ حَارِسَةِ المَمَرِّ: “يَا أُمَّاهُ، اليَوْمَ المَوْجُ عَالٍ وَ الرِّزْقُ قَلِيلٌ.

ابْنِي مَرِيضٌ، وَ الشَّبَكَةُ خَاوِيَةٌ، وَ السَّمَاءُ لَا تُمْطِرُ إِلَّا عَلَى القُصُورِ”.

فَتَبْتَسِمُ تَمْgرْتْ، وَ تَضَعُ فِي كَفِّهَا حَصَاةً صَغِيرَةً مِنْ حَجَرِ المَرُّو، وَ تَقُولُ:

“يَا ابْنَتِي، أَنْتِ وَحْدَكِ مَنْ فَهِمْتِ سِرَّ المَحْكَمَةِ.

المُلُوكُ يَأْتُونَ يَطْلُبُونَ الأَرْضَ، وَ القُوَّادُ يَطْلُبُونَ الطَّاعَةَ، وَ أَنْتِ تَطْلُبِينَ الرِّزْقَ.

لِذَلِكَ بَابُكِ هُوَ الوَحِيدُ الَّذِي لَا يُغْلَقُ أَبَداً”.

ثُمَّ تُشِيرُ إِلَى الأُفُقِ.

“انْظُرِي. ذَلِكَ الخَطُّ الَّذِي يُفْزِعُ المُلُوكَ، هُوَ عَيْنُهُ الَّذِي يُطَمْئِنُكِ.

لِأَنَّ اللَّا نِهَايَةَ لَمْ تَكُنْ يَوْماً قَفَصاً لِلفَقِيرِ. القَفَصُ إِنَّمَا هُوَ لِلطَّامِعِ”.

ثُمَّ تُشِيرُ إِلَى المَوْجِ.

“اسْمَعِي. تِلْكَ الأَيُوناتُ الَّتِي تَكْسِرُ كِبْرِيَاءَ الغَازِي، هِيَ عَيْنُهَا الَّتِي تَشْفِي صَدْرَكِ مِنَ التَّعَبِ.

نَفَسُ المَحْكَمَةِ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ قَصْرٍ وَ كُوخٍ. يَهَبُ السَّكِينَةَ لِمَنْ كَانَ قَلْبُهُ خَفِيفاً”.

فَتَصْمُتُ حَوَّاءُ البَحْرِ، تَسْتَنْشِقُ المِلْحَ، وَ تَنْظُرُ إِلَى اللَّا نِهَايَةِ حَتَّى يَسْكُنَ قَلْبُهَا.

ثُمَّ تَنْهَضُ، وَ تُلْقِي شَبَكَتَهَا فِي المَاءِ، وَ هِيَ تَعْرِفُ قَاعِدَةَ إِفْنِي الخَامِسَةَ:

_المَحْكَمَةُ لَا تُحَاكِمُ الفَقِيرَ. المَحْكَمَةُ تُحَاكِمُهُ هُوَ._

وَ مُنْذُ ذَلِكَ اليَوْمِ، يَخْرُجُ صَيَّادُو إِفْنِي كُلَّ فَجْرٍ إِلَى البَحْرِ وَ هُمْ يَهْمِسُونَ:

“بِسْمِ اللهِ، وَ بِسْمِ المَمَرِّ، وَ بِسْمِ حَجَرِ المَرُّو”.

فَيَرْجِعُونَ وَ شِبَاكُهُمْ مِلْأَى، لِأَنَّهُمْ أَدْرَكُوا السِّرَّ:

إِفْنِي لَمْ تُعْطِهِمُ السَّمَكَ. إِفْنِي وَهَبَتْهُمُ الصَّبْرَ لِيَصْبِرُوا حَتَّى يَجِيءَ السَّمَكُ.

وَ فِي إِفْنِي يَقُولُونَ:

_المُلُوكُ يَمُرُّونَ فَيُحَاكَمُونَ، وَ القُوَّادُ يَمُرُّونَ فَيُحَاكَمُونَ،

وَ أَمَّا أَهْلُ إِفْنِي… فَهُمُ المَحْكَمَةُ ذَاتُهَا._

البَابُ الخَامِسُ مكرر : بَابُ الإِنْسَانِ العَادِيِّ – حِكَايَةُ المَرْأَتَيْنِ وَ الحُورِيَّةِ القَادِمَةِ : 

فِي زَوَالِ جُمُعَةٍ، بَعْدَ “مَعْرُوفٍ” تُذْبَحُ فِيهِ الأُضْحِيَّةُ وَ تَلْتَقِي قُلُوبُ المَدِينَةِ العَتِيقَةِ عَلَى صِلَةِ الرَّحِمِ، تَصْعَدُ إِلَى المَقَامِ امْرَأَتَانِ.

الأُولَى: صَاحِبَةُ الشَّبَكَةِ المُثَقَّبَةِ

تَجْلِسُ عَلَى الصَّخْرَةِ ذَاتِهَا الَّتِي جَلَسَ عَلَيْهَا الجِنِرَالُ وَ المَلِكُ. لَا تَطْلُبُ حُكْماً، تَطْلُبُ أَنْ يَنْفَتِحَ البَحْرُ. تَسْمَعُ مِنْ تَمْgرْتْ سِرَّ الأُفُقِ وَ نَفَسَ المَحْكَمَةِ، فَتَنْهَضُ وَ تُلْقِي شَبَكَتَهَا وَ هِيَ تَعْرِفُ أَنَّ المَحْكَمَةَ لَا تُحَاكِمُ الفَقِيرَ.

الثَّانِيَةُ: بِنْتُ إِفْنِي العَامِلَةُ

أَرْمَلَةُ بَحْرِيٍّ، لَهَا أَبْنَاءٌ جِيَاعٌ. تَنْزِلُ كُلَّ فَجْرٍ تَجْمَعُ “الصَّرْمْبَكَ” مِنْ صُخُورِ الشَّاطِئِ، وَ فِي مَوْسِمِ المَرْسَى تَغْسِلُ القَوَارِبَ وَ المَرَاكِبَ الَّتِي بَنَاهَا الإِسْبَانُ فَوْقَ المِينَاءِ القَدِيمِ، مُقَابِلَ سَرْدِينَةٍ، ثُمَّ تَبِيعُهَا فِي “سُوقِ المَارْشِي” الَّذِي شَيَّدَهُ الغُزَاةُ وَ بَقِيَ لِلأَهَالِي.

تَجْلِسُ هَذِهِ الثَّانِيَةُ عِنْدَ ضَرِيحِ سِيدِي عَلِي إِفْنِي، حَارِسِ المَدِينَةِ مِنْ أَوْلَادِ بِنِ السَّبْعِ، بِجَانِبِ امْرَأَةٍ غَرِيبَةٍ. وَجْهُهَا كَالقَمَرِ المَنْسِيِّ، وَ عَيْنَاهَا خُضْرٌ كَعُمْقِ وَادِ عَيْنِ إِفْنِي.

تَقُولُ لَهَا الغَرِيبَةُ: “رَأَيْتُكِ تَرْفَعِينَ الصَّرْمْبَكَ وَ تَغْسِلِينَ القَوَارِبَ. فَاعْلَمِي أَنَّ التَّعَبَ هُوَ البَابُ الَّذِي يَدْخُلُ مِنْهُ الرِّزْقُ”.

ارْتَجَفَتْ بِنْتُ إِفْنِي. مَنْ هَذِهِ؟

ابْتَسَمَتِ الغَرِيبَةُ: “أَنَا حُورِيَّةُ البَحْرِ القَادِمَةُ. قِصَّتِي بَدَأَتْ قَبْلَ أَنْ تُولَدِي أَنْتِ وَ قَبْلَ أَنْ تُبْنَى مَدِينَتُكِ.

أَوَّلُ مَا اسْتَقَرَّتْ قَدَمَايَ عَلَى اليَابِسَةِ كَانَ فِي مَرْسَى عَيْنِ إِفْنِي، عِنْدَ دُوَّارِ العَيْنِ، حَيْثُ بَنَى البُرْتُغَالِيُّونَ مِينَاءَ الرَّسْوِ فَوْقَ بِئْرِ المَاءِ العَذْبِ. أَحْبَبْتُ المَكَانَ لِأَنَّ المَاءَ العَذْبَ كَانَ يُعَانِقُ المِلْحَ، وَ كَانَ الصَّيَّادُونَ الأَوَائِلُ يَرْمُونَ لِي الخُبْزَ فِي المَاءِ. وَ لَمَّا رَحَلَ البُرْتُغَالِيُّونَ وَ هَجَرَتْ سُفُنُهُمْ، هَجَرْتُ مِينَاءَهُمْ.

بَقِيتُ وَحْدِي بَيْنَ الأَطْلَالِ أَبْحَثُ عَنْ مَقَامٍ يَلِيقُ بِمَنْ دَارَتِ الأَرْضُ. فَكُنْتُ قَبْلَ إِفْنِي فِي أَمَاكِنَ مُقَدَّسَةٍ لَا يُحْصَى عَدَدُهَا:

كُنْتُ فِي القُدْسِ، حَيْثُ يَلْتَقِي الحَجَرُ بِالسَّمَاءِ وَ يُصَلِّي البَحْرُ صَلَاةً خَفِيَّةً.

وَ كُنْتُ فِي مَحْمِيَّةِ بَابَاهَانُومُوكُوَاكِيَا بِهَاوَايِ، حَيْثُ يَعْتَقِدُ الأَصْلِيُّونَ أَنَّ أَصْلَ الحَيَاةِ خَرَجَ مِنَ البَحْرِ.

وَ كُنْتُ فِي خَلِيجِ هَا لُونْغ بِفِيتْنَامَ، بَيْنَ التَّكْوِينَاتِ الكَارِسْتِيَّةِ الَّتِي تَتَوَسَّطُهَا المَعَابِدُ البُوذِيَّةُ.

وَ كُنْتُ فِي مِيَاجِيمَا بِاليَابَانِ، عِنْدَ بَوَّابَةِ التُّورِي العَائِمَةِ الَّتِي تُقَدِّسُ إِلَهَ البِحَارِ وَ المُحِيطَاتِ.

وَ كُنْتُ فِي جُزُرِ كُوكَ بِالمُحِيطِ الهَادِئِ، حَيْثُ قَانُونُ “التَّابُو” العُرْفِيُّ يَحْمِي البَحْرَ كَمَا تَحْمِي الأُمُّ ابْنَهَا.

وَ كُنْتُ فِي مَعْبَدِ تَانَاهْ لُوتْ بِبَالِي، المَبْنِيِّ عَلَى صَخْرَةٍ بَحْرِيَّةٍ لِآلِهَةِ الهِنْدُوسِ.

وَ كُنْتُ عَلَى سَاحِلِ النُّورِ فِي الهِنْدِ، حَيْثُ يُطَهِّرُ النَّاسُ أَجْسَادَهُمْ فِي المَاءِ المُقَدَّسِ.

دُرْتُ كُلَّ هَذِهِ الحَلَقَاتِ المُقَدَّسَةِ حَتَّى اكْتَمَلَ مَسَارُ دَوَائِرِهَا. فَأُذِنَ لِي بِالأَمْرِ كَيْ أَسْتَقِرَّ فِي مَجْمَعِ الأَنْوَارِ وَ بَوَّابَاتِ المُدُنِ المُقَدَّسَةِ.

فَوَجَدْتُ المَقَامَ النُّورَانِيَّ هُنَا، حَيْثُ دُفِنَ سِيدِي عَلِي إِفْنِي. أَمَرَتْهُ الأَنْوَارُ الرَّبَّانِيَّةُ أَنْ يَحْرُسَ البَابَ. وَ مُنْذُ ارْتَقَتْ رُوحُهُ إِلَى السَّمَاءِ وَ أَنَا أُقِيمُ فِي التَّوَاصُلِ الرُّوحِيِّ مَعَ مَقَامِهِ. هُوَ حَارِسُ الصَّخْرِ، وَ أَنَا حَارِسَةُ المَوْجِ القَادِمَةُ”.

صَمَتَتْ، ثُمَّ وَضَعَتْ يَدَهَا عَلَى كَتِفِ بِنْتِ إِفْنِي وَ قَالَتْ:

“دُرْتُ الأَرْضَ كُلَّهَا أَبْحَثُ عَنْ سِدْرَةِ البَابِ. فَوَجَدْتُهَا هُنَا. فِي سَانْتَا كْرُوزْ دِي مَارْ بِيكِيّا. فِي إِفْنِي.

لِأَنَّ اللَّا نِهَايَةَ هُنَا لَا تُغْلَقُ، وَ لِأَنَّ الصَّبْرَ هُنَا لَا يَنْفَدُ”.

مُنْذُ ذَلِكَ اليَوْمِ، صَارَتْ بِنْتُ إِفْنِي العَامِلَةُ لَا تَنْزِلُ وَحْدَهَا.

كَانَتِ الحُورِيَّةُ القَادِمَةُ تَمْشِي مَعَهَا تَحْتَ المَاءِ، تَدُلُّهَا عَلَى أَمَاكِنِ الصَّرْمْبَكِ الَّتِي لَا يَعْرِفُهَا أَحَدٌ.

وَ كَانَتْ تَهْمِسُ لَهَا كُلَّ فَجْرٍ: “يَا ابْنَةَ إِفْنِي، المُلُوكُ يَطْلُبُونَ الأَرْضَ فَيُحَاكَمُونَ، وَ القُوَّادُ يَطْلُبُونَ الطَّاعَةَ فَيُحَاكَمُونَ، وَ أَنْتِ تَطْلُبِينَ الرِّزْقَ لِعِيَالِكِ… لِذَلِكَ أَنْتِ المَحْكَمَةُ ذَاتُهَا”.

وَ ذَاتَ لَيْلَةٍ عَاصِفَةٍ، حِينَ عَادَ الصَّيَّادُونَ بِلَا سَمَكٍ، جَمَعَتِ المَرْأَتَانِ النِّسَاءَ عِنْدَ الضَّرِيحِ.

وَقَفَتْ بِنْتُ إِفْنِي العَامِلَةُ فَوْقَ الصَّخْرِ، رَفَعَتِ الشَّبَكَةَ المُثَقَّبَةَ إِلَى السَّمَاءِ، وَقَفَتْ صَاحِبَةُ الشَّبَكَةِ بِجَانِبِهَا، وَ قَالَتَا مَعاً:

“يَا سِيدِي عَلِي، يَا حَارِسَ البَابِ، يَا حُورِيَّةَ الوَادِ القَادِمَةِ، إِنْ كَانَ البَحْرُ قَدْ أَغْلَقَ بَابَهُ، فَافْتَحُوا بَابَ الصَّبْرِ فِي قُلُوبِنَا”.

فَانْشَقَّ الغَيْمُ فَجْأَةً، وَ نَزَلَ عَمُودُ نُورٍ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى البَحْرِ، تَمَاماً حَيْثُ تَلْتَقِي الأَمْوَاجُ بِالصَّخْرِ.

وَ فِي ذَلِكَ العَمُودِ، رَأَتِ النِّسَاءُ دَوَائِرَ مِنْ نُورٍ تَدُورُ: دَائِرَةُ القُدْسِ، وَ دَائِرَةُ هَاوَايِ، وَ دَائِرَةُ فِيتْنَامَ، وَ دَائِرَةُ اليَابَانِ، وَ دَائِرَةُ بَالِي، وَ دَائِرَةُ الهِنْدِ…

وَ كُلُّهَا تَتَّصِلُ بِدَائِرَةٍ خَامِسَةٍ فِي الوَسَطِ: دَائِرَةُ إِفْنِي.

مَاتَتِ المَرْأَتَانِ السِّرَّ الأَخِيرَ:

إِفْنِي لَيْسَتْ مَدِينَةً. إِفْنِي هِيَ العُقْدَةُ الَّتِي تُعْقَدُ فِيهَا كُلُّ الحَلَقَاتِ المُقَدَّسَةِ لِلبَحْرِ.

وَ مَنْ جَلَسَتْ عَلَى صَخْرَتِهَا بِقَلْبٍ مَكْسُورٍ وَ شَبَكَةٍ مُثَقَّبَةٍ، أُعْطِيَتْ مِفْتَاحَ العَالَمِ.

وَ مُنْذُ ذَلِكَ اليَوْمِ، يَقُولُ أَهْلُ إِفْنِي:

_الشَّبَكَةُ المُثَقَّبَةُ لَا تَصِيدُ السَّمَكَ… الشَّبَكَةُ المُثَقَّبَةُ تَصِيدُ المُعْجِزَاتِ._

وَ لِأَنَّ المَرْأَتَيْنِ فَهِمَتَا ذَلِكَ، صَارَ فَقْرُهُمَا غِنًى، وَ صَارَ تَعَبُهُمَا كَرَامَةً، وَ صَارَ بَابُهُمَا المَفْتُوحُ بَاباً لِكُلِّ بَابٍ.

وَ فِي إِفْنِي، كُلَّ زَوَالِ جُمُعَةٍ، مَا زَالَتِ الحُورِيَّةُ القَادِمَةُ تَجْلِسُ عِنْدَ الضَّرِيحِ،

وَ تَنْتَظِرُ امْرَأَةً أُخْرَى بِقَلْبٍ مُثَقَّبٍ،

لِتُعَلِّمَهَا أَنَّ المِفْتَاحَ لَيْسَ فِي يَدِ القَوِيِّ…

_المِفْتَاحُ فِي يَدِ مَنْ بَقِيَ وَاقِفاً رَغْمَ الثُّقْبِ._

البَابُ السَّادِسُ: بَابُ الرِّيحِ – حِكَايَةُ الرَّسَائِلِ المُعَلَّقَةِ : 

بَعْدَ لَيْلَةِ عَمُودِ النُّورِ، وَ بَعْدَ أَنْ عَرَفَتِ المَرْأَتَانِ أَنَّ إِفْنِي عُقْدَةُ الدَّوَائِرِ المُقَدَّسَةِ، بَدَأَتِ الرِّيحُ تَتَبَدَّلُ.

مَعَ كُلِّ فَجْرٍ، حِينَ تَسْكُنُ المَحْكَمَةُ وَ تَهْدَأُ الصُّخُورُ، تَهُبُّ رِيحٌ خَفِيفَةٌ مِنْ جِهَةِ البَحْرِ. لَا تَحْمِلُ الغُبَارَ، تَحْمِلُ الأَوْرَاقَ.

أَوْرَاقٌ صَغِيرَةٌ مُقَطَّعَةٌ مِنْ رَقِّ الغَزَالِ، مَرْبُوطَةٌ بِخَيْطِ صُوفٍ أَسْوَدَ. تَتَعَلَّقُ فِي شَوْكِ الأَرْكَانِ، وَ عَلَى سَقْفِ الضَّرِيحِ، وَ فِي يَدِ تَمْgرْتْ حَارِسَةِ المَمَرِّ.

وَ سَمَّاهَا أَهْلُ إِفْنِي: ” رَسَائِلَ الرِّيحِ المُعَلَّقَةِ”.

رَفَعَتِ الحُورِيَّةُ القَادِمَةُ أَوَّلَ وَرَقَةٍ، فَشَمَّتْهَا، وَ اغْرَوْرَقَتْ عَيْنَاهَا الخَضْرَاوَانِ كَعُمْقِ وَادِ عَيْنِ إِفْنِي. وَ قَالَتْ لِبِنْتِ إِفْنِي العَامِلَةِ وَ لِصَاحِبَةِ الشَّبَكَةِ المُثَقَّبَةِ:

“هَذِهِ لَيْسَتْ أَوْرَاقاً. هَذِهِ أَرْوَاحٌ. كُلُّ رُوحٍ لِغَرِيقٍ مَاتَ بَيْنَ الدَّوَائِرِ المُقَدَّسَةِ الَّتِي مَرْتُ بِهَا… وَ الآنَ وَصَلَتْ إِلَى العُقْدَةِ. وَصَلَتْ إِلَى إِفْنِي لِتَرْتَاحَ”.

فَتَحَتْ بِنْتُ إِفْنِي أَوَّلَ قَارُورَةٍ خَضْرَاءَ وَجَدَتْهَا بَيْنَ الصُّخُورِ، مَرْبُوطَةً بِخَيْطِ صُوفٍ أَسْوَدَ. فِي دَاخِلِهَا رَقٌّ جِلْدِيٌّ، حِبْرُهُ بَاهِتٌ كَالدَّمِ القَدِيمِ:

مِنْ كْرِيسْتُوفَ البُرْتُغَالِيِّ… إِلَى مَمَّاسَ وَ يُوسُفَ وَ إِلَى عَيْنِ إِفْنِي!

رُوحِي مُعَلَّقَةٌ بَيْنَ البَرْزَخِ وَ الصِّرَاطِ : الغَوْثَ الغَوْثَ

أَغِيثُونِي! 

ارْتَجَفَتِ المَرْأَتَانِ. الاسْمُ يَحْرِقُ: كْرِيسْتُوفَ. الَّذِي كَانَ يُدْعَى بَيْنَ النَّاسِ “عِيسَى”.

و هذه حِكَايَةُ كْرِيسْتُوفَ/عِيسَى – التَّاجِرُ الَّذِي كَانَ جُنْدِيّاً : 

جَاءَ فِي حَمْلَةٍ بُرْتُغَالِيَّةٍ عَلَى هَيْئَةِ سُفُنٍ تِجَارِيَّةٍ. دَخَلَ عَلَى سُكَّانِ مُسْتِي وَ آيَتْ إِيخْلَفَ بِالسَّلَامِ وَ البَيْعِ وَ الشِّرَاءِ. اتَّفَقَ مَعَ الشُّيُوخِ عَلَى بِنَاءِ مَرَاسٍ تِجَارِيَّةٍ فِي عَيْنِ إِفْنِي وَ فَمِ الوَادِ. وَ لَكِنَّ المَرْسَى الَّذِي بُنِيَ، بُنِيَتْ بِجِوَارِهِ قَلْعَةٌ. وَ سَكَنَ القَلْعَةَ جُنُودٌ بِلِبَاسِ التُّجَّارِ.

لِيَكْسِبَ الثِّقَةَ، أَعْلَنَ إِسْلَامَهُ. سَمَّى نَفْسَهُ عِيسَى. تَزَوَّجَ مَمَّاسَ، ابْنَةَ الشَّيْخِ مُحَنْدَ زَعِيمِ القَبِيلَةِ، فَصَارَ صِهْرَهُ وَ شَرِيكَهُ فِي تِجَارَةِ وَادِ نُونٍ وَ إِيليغَ وَ لَاخْصَاصَ. وَ أَصْبَحَ يَحْضُرُ مَجَالِسَ شُيُوخِ القَبَائِلِ، وَ صَارَ أَباً لِحَفِيدِ الشَّيْخِ مِنْ ابْنَتِهِ مَمَّاسَ… وَ سَمَّاهُ يُوسُفَ.

وَ لَكِنَّ فِي اللَّيْلِ، كَانَ عِيسَى يَنْسَحِبُ خُفْيَةً إِلَى مَرْكَزِ الحِرَاسَةِ فِي مَرْسَى عَيْنِ إِفْنِي. لَاحَظَتْ مَمَّاسُ ذَلِكَ. فَارْتَابَتْ. وَ قَالَتْ فِي نَفْسِهَا: أَلَهُ عَلَاقَةٌ بِهَاجَرَ؟ تِلْكَ الفَتَاةُ الزَّرْقَاءُ العَيْنِ، الشَّقْرَاءُ الشَّعْرِ، حَفِيدَةُ البَحَّارِ الإِسْبَانِيِّ الَّذِي غَرِقَتْ سَفِينَتُهُ قُبَالَةَ سَاحِلِ إِفْنِي مُنْذُ رُبْعِ قَرْنٍ، وَ نَجَا وَحْدَهُ، فَاسْتَقَرَّ وَ تَزَوَّجَ ابْنَةَ العَائِلَةِ الَّتِي أَنْقَذَتْهُ؟

تَبِعَتْهُ لَيْلَةً. فَوَجَدَتْهُ دَاخِلَ القَلْعَةِ، لَا عِنْدَ هَاجَرَ. وَجَدَتْهُ يَهْمِسُ بِالبُرْتُغَالِيَّةِ لِعَوْنِ المُرَاقَبَةِ: “السَّعْدِيُّونَ يَسْتَعِدُّونَ لِلحَرْبِ… أَبُو حَسُّونَ السُّمْلَالِيُّ قَادِمٌ… الشَّيْخُ مُحَنْدٌ يَجْمَعُ الرِّجَالَ”.

عَادَتْ مَمَّاسُ إِلَى البَيْتِ مُضْطَرِبَةً. خَجِلَتْ مِنْ ظَنِّهَا، وَ لَكِنَّ قَلْبَ الزَّوْجَةِ يُحِسُّ. حَكَتْ لِأُمِّهَا، وَ حَكَتِ الأُمُّ لِلشَّيْخِ مُحَنْدَ. فَلَمْ يَغْضَبِ الشَّيْخُ. قَالَ: “السِّرُّ سِرٌّ، وَ مَنْ خَانَ العَيْشَ وَ المِلْحَ خَانَ اللهَ”. وَ كَلَّفَ عَبْدَهُ مُبَارَا، الَّذِي كَانَ يُتْقِنُ البُرْتُغَالِيَّةَ، بِمُرَاقَبَةِ عِيسَى.

فِي لَيْلَةِ الرَّعْدِ، سَمِعَ مُبَارَا كُلَّ شَيْءٍ. كَانَ عِيسَى يُبَلِّغُ قَائِدَهُ فِي إِحْدَى جُزُرِ الأَطْلَسِيِّ بِكُلِّ اسْتِعْدَادَاتِ الحَرْبِ. أَرَادَ مُبَارَا الانْسِحَابَ، فَوَطِئَتْ قَدَمُهُ حَجَراً. فَسَمِعَهُ عِيسَى. فَفَرَّ رِجَالُ المَرْكَزِ رَاكِبِينَ السَّفِينَةَ.

وَ البَحْرُ لَا يَرْحَمُ الخَائِنَ.

تَكَدَّسَتِ السَّمَاءُ بِالغُيُومِ، دَوَّى الرَّعْدُ، شَقَّ البَرْقُ اللَّيْلَ، وَ عَوَتِ الرِّيحُ كَعِفْرِيتٍ. وَ صَارَتْ سَفِينَةُ عِيسَى وَرَقَةً يَابِسَةً تَلْعَبُ بِهَا أَمْوَاجُ “بَحْرِ الظُّلُمَاتِ”. وَ هُوَ يَغْرَقُ، مُمْسِكاً بِالصَّلِيبِ وَ مُنَادِياً رَبَّهُ: “أَغِثْنِي حَتَّى أُبَلِّغَ الرِّسَالَةَ”.

وَ فِي اللَّحْظَةِ الأَخِيرَةِ، لَمْ يَرَ قَائِدَهُ وَ لَا الجَزِيرَةَ… رَأَى مَمَّاسَ، وَ رَأَى يُوسُفَ وَلَدَهُ، وَ رَأَى عَيْنَ إِفْنِي دَائِرَةً مَفْتُوحَةً تَبْتَلِعُهُ إِلَى الهَاوِيَةِ.

فَكَتَبَ رِسَالَتَهُ الأَخِيرَةَ، وَضَعَهَا فِي قَارُورَةٍ خَضْرَاءَ، رَمَاهَا لِلبَحْرِ، وَ رَبَطَهَا بِخَيْطِ صُوفٍ أَسْوَدَ… خَيْطٍ قَطَّعَتْهُ لَهُ مَمَّاسُ مِنْ عَبَاءَتِهَا لَيْلَةَ العُرْسِ.

حَمَلَتْ صَاحِبَةُ الشَّبَكَةِ المُثَقَّبَةِ الرَّقَّ الجِلْدِيَّ وَ بَكَتْ. وَ قَالَتْ: “هَذِهِ الرُّوحُ مُعَلَّقَةٌ. لَا هِيَ مَعَ البُرْتُغَالِ، وَ لَا هِيَ مَعَ إِفْنِي. مُعَلَّقَةٌ بَيْنَ البَرْزَخِ وَ الصِّرَاطِ”.

قَالَتِ الحُورِيَّةُ: “الآنَ فَهِمْتِ لِمَاذَا تَجِيءُ الرِّيحُ بِالرَّسَائِلِ. كُلُّ رُوحٍ غَارِقَةٍ بَيْنَ الدَّوَائِرِ المُقَدَّسَةِ، تَأْتِي إِلَى العُقْدَةِ لِنَرُدَّهَا إِلَى طَرِيقِهَا. مَهَمَّتُنَا لَيْسَتْ أَنْ نَحْكُمَ عَلَى عِيسَى. مَهَمَّتُنَا أَنْ نَرُدَّ عَلَيْهِ”.

وَ مُنْذُ ذَلِكَ اليَوْمِ، صَارَتْ مَهَمَّةُ المَرْأَتَيْنِ كُلَّ فَجْرٍ:

أَنْ تَذْهَبَا إِلَى الصُّخُورِ، تَبْحَثَانِ عَنِ القَوَارِيرِ الخَضْرَاءِ المَرْبُوطَةِ بِخَيْطِ الصُّوفِ. تَفْتَحَانِهَا، تَقْرَآنِ الاسْمَ، وَ تَرُدَّانِ بِدُعَاءٍ.

“اللَّهُمَّ ارْحَمْكَ يَا كْرِيسْتُوفَ بْنَ… يَا عِيسَى زَوْجَ مَمَّاسَ… سَامَحْنَاكَ، فَسَامِحْنَا”.

وَ كُلَّمَا رَدَّتَا عَلَى رِسَالَةٍ، انْحَلَّ خَيْطُ الصُّوفِ الأَسْوَدُ، وَ طَارَتِ الوَرَقَةُ مَعَ الرِّيحِ إِلَى السَّمَاءِ، وَ ظَهَرَ نَجْمٌ صَغِيرٌ فَوْقَ وَادِ عَيْنِ إِفْنِي.

وَ أَخَذَ أَهْلُ إِفْنِي يَقُولُونَ:

بَابُ الرِّيحِ لَا يُدْخِلُ الغُبَارَ… بَابُ الرِّيحِ يُدْخِلُ الأَرْوَاحَ الضَّائِعَةَ لِكَيْ تَجِدَ سَكِينَتَهَا فِي العُقْدَةِ.

وَ الحُورِيَّةُ القَادِمَةُ وَاقِفَةٌ عَلَى الصَّخْرِ كُلَّ لَيْلَةٍ بِلَا نُجُومٍ، تَهْمِسُ:

“يَا ابْنَةَ إِفْنِي، سِدْرَةُ البَابِ لَيْسَتْ شَجَرَةً… سِدْرَةُ البَابِ هِيَ قَلْبُكِ

حِينَ يَغْفِرُ لِلعَدُوِّ الَّذِي تَزَوَّجَ ابْنَةَ عَمِّكِ”.

البَابُ السَّابِعُ: بَابُ الحَجَرِ النَّائِمِ – حِكَايَةُ مِيغِيلَ/بَاهَا وَ عَلِيٍّ : 

فِي لَيْلَةٍ كَانَ القَمَرُ خَطّاً أَبْيَضَ يَتَّكِئُ عَلَى صَفْحَةِ سَمَاءٍ صَافِيَةٍ، وَ كَانَ مَدُّ الجَزْرِ يُدَاعِبُ شَاطِئَ إِفْنِي. وَ صَوْتُ البَحْرِ الهَادِرِ دَائِماً فِي هَذِهِ المَنَاطِقِ، كَانَ عَلَى غَيْرِ عَادَتِهِ هَادِئاً… لَا يَكَادُ أَحَدٌ يَسْمَعُ إِلَّا هَدِيرَهُ إِلَّا قَلِيلاً.

خَرَجَتِ الحُورِيَّةُ وَحْدَهَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ. حَافِيَةَ القَدَمَيْنِ، تَتَمَشَّى عَلَى رِمَالٍ نُورَانِيَّةٍ مُمْتَدَّةٍ حَدَّ البَصَرِ. كُلُّ خُطْوَةٍ تَتْرُكُ دَوَائِرَ ضَوْءٍ صَغِيرَةً، فَتَبْتَلِعُهَا الأَمْوَاجُ قَبْلَ أَنْ تَصِلَ الثَّانِيَةُ.

فَجْأَةً ارْتَطَمَتْ قَدَمُهَا اليُمْنَى بِشَيْءٍ صُلْبٍ. انْحَنَتْ قَلِيلاً وَ حَمَلَتْهُ بِرِفْقٍ بَيْنَ كَفَّيْهَا: قَارُورَةً. لَمْ تَتَبَيَّنْ لَوْنَهَا فِي الظَّلَامِ الكَثِيفِ الَّذِي يَحُولُ دُونَ مَعْرِفَةِ مَا تَحْمِلُ مِنْ أَسْرَارٍ. لَكِنَّ انْعِكَاسَ النُّجُومِ وَ خَيْطَ ضَوْءِ الهِلَالِ الأَبْيَضِ جَعَلَهَا تَرَى وَرَقَةً رَمَادِيَّةً بَاهِتَةً مَلْفُوفَةً دَاخِلَهَا، مَرْبُوطَةً بِخَيْطِ صُوفٍ بُنِّيٍّ… لَوْنُ التُّرَابِ وَ لَوْنُ الدَّمِ القَدِيمِ.

رَأَتْ مِنْ بَعِيدٍ قَبَسَ نَارٍ. وَ كُلَّمَا اقْتَرَبَتْ مِنْهُ تَظْهَرُ ظِلَالُ أَجْسَادٍ تَتَرَاقَصُ مِثْلَ سَرَابٍ. وَ حِينَ وَصَلَتْ إِلَى النَّارِ وَجَدَتْ مَجْمُوعَةَ بَحَّارَةٍ يَتَكَلَّمُونَ لُغَةَ الأَمَازِيغِ المَحَلِّيِّينَ. فَهَبُّوا لِلسَّلَامِ عَلَيْهَا مُرَحِّبِينَ بِهَا، وَ أَفْسَحُوا لَهَا مَجْلِساً بَيْنَهُمْ.

تَوَجَّهَ إِلَيْهَا بْلْعِيدَ، بَحَّارٌ شَابٌّ مِنَ المَنْطِقَةِ، بِابْتِسَامَةٍ فُضُولِيَّةٍ: “مَاذَا يُوجَدُ فِي تِلْكَ القَارُورَةِ يَا حُورِيَّةُ؟”

فَرَدَّتْ عَلَيْهِ: “فَلْنَفْتَحْهَا إِذَنْ وَ نَكْتَشِفْ مَا بِدَاخِلِهَا.”

مَدَّتْهَا إِلَيْهِ، فَحَاوَلَ مِرَاراً فَتْحَهَا وَ هُوَ مُتَوَتِّرٌ، يَضْغَطُ عَلَى السَّدَّادَةِ الحَمْرَاءِ بِأَصَابِعِهِ.

فَقَالَتْ لَهُ بِهُدُوءٍ: “يَا بْلْعِيدَ، الأَبْوَابُ وَ السَّدَّادَاتُ لَا تُفْتَحُ عَنْوَةً. خَيْطُ صَبْرِكَ قَصِيرٌ، وَ لَوْ فَتَحْتَهَا بِالقُوَّةِ لَتَحَطَّمَتِ الوَرَقَةُ وَ مَاتَ السِّرُّ مَعَهَا.”

بَعْدَ مُحَاوَلَاتٍ عَدِيدَةٍ لَمْ يُفْلِحْ. كَانَ عَبْلَا، فَقِيهُ مُسْتَاوِيٌّ هَادِئٌ، يَنْظُرُ إِلَى مَا يَدُورُ مُنْذُ عَادَ قَبْلَ سَنَوَاتٍ إِلَى بَلْدَتِهِ، حَيْثُ كَانَ إِمَاماً بِنَوَاحِي أَكْلُو. لَا أَحَدَ يَعْرِفُ لِمَاذَا عَادَ وَ مَا السِّرُّ الَّذِي تَرَكَهُ وَرَاءَهُ هُنَاكَ. طَبْعُهُ السَّكِينَةُ.

أَخَذَتِ الحُورِيَّةُ القَارُورَةَ البُنِّيَّةَ ذَاتَ السَّدَّادَةِ الحَمْرَاءِ وَ مَدَّتْهَا لِعَبْلَا. بِكُلِّ هُدُوءٍ وَ تَرْكِيزٍ أَدَارَ قُفْلَهَا فِي الاتِّجَاهِ المُعَاكِسِ، كَمَا تُدَارُ مَفَاتِيحُ الدَّوَائِرِ المُقَدَّسَةِ. فَانْفَتَحَتْ تَحْتَ أَنْظَارِ الجَمْعِ بِصَوْتٍ يُشْبِهُ تَنَهُّدَةً قَدِيمَةً.

فَغَرَ بْلْعِيدُ فَمَهُ مُتَعَجِّباً: “مُجَرَّدُ حَظٍّ يَا حُورِيَّةُ!”

فَرَدَّتْ عَلَيْهِ: “فَتْحُ الدَّوَائِرِ لَيْسَ حَظّاً… إِنَّهُ رِزْقٌ وَ هُدُوءُ الحِكْمَةِ.”

أَخْرَجَتِ الحُورِيَّةُ الوَرَقَةَ الرَّمَادِيَّةَ وَ بَدَأَتْ تُتَرْجِمُ لِلحَاضِرِينَ بِصَوْتٍ خَافِتٍ كَأَنَّهَا تَقْرَأُ مِنْ عُمْقِ البَحْرِ:

“مِنْ مِيغِيلَ دِيلَامَانْشَا إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَانِ شَيْخِ قَبِيلَةِ مُسْتِي وَ عَبْدِ الكَرِيمِ شَيْخِ قَبِيلَةِ آيَتْ إِيخْلَفَ:

إِذَا وَصَلَتْ رِسَالَتِي إِلَيْكُمَا أَرْجُو الدُّعَاءَ لِي بِالخَلَاصِ، وَ اسْتَسْمِحُكُمَا أَمَامَ الرَّبِّ كَيْ يَكُونَ لِي مَكَانٌ فِي السَّمَاءِ مَعَ مُخَلِّصِنَا يَسُوعَ المَسِيحِ.

كُنْتُ أَقُومُ بِوَاجِبِي الدِّينِيِّ وَ الطَّاعَةِ لِحَاكِمِنَا دِييغُو غَارْسِيَا، وَ إِلَّا فَإِنَّ رُوحِي سَتَظَلُّ مَسْحُوقَةً هُنَا فِي جَحِيمِ بَحْرِ الظُّلُمَاتِ.”

تَعَجَّبَ الجَمْعُ مِنَ الوَارِدِ فِي رِسَالَةِ القَارُورَةِ وَ لَمْ يَفْهَمُوا شَيْئاً مِنْهَا.

تَوَجَّهُوا لِلحُورِيَّةِ وَ كُلُّهُمْ فُضُولٌ: “مَنْ هُوَ مِيغِيلُ هَذَا؟ وَ مَنْ هُوَ دِييغُو غَارْسِيَا؟”

ابْتَسَمَتِ الحُورِيَّةُ، وَ بَدَأَتِ الحِكَايَةَ كَمَا تَرْوِيهَا الأَمْوَاجُ حِينَ تَنَامُ:

قَبْلَ قُرُونٍ، عَامَ 1463، كَانَ دِييغُو غَارْسِيَا حَاكِمَ جُزُرِ الكَنَارِيِّ، بَعْدَ أَنْ اقْتَطَعَ لَهُ المَلِكُ الإِسْبَانِيُّ إِنْرِيكِي الرَّابِعُ أَرَاضِيَ وَاسِعَةً بِهَذِهِ الجُزُرِ، وَ مَنَحَهُ حُقُوقاً لِتَأْسِيسِ مَوْطِئِ قَدَمٍ عَلَى السَّاحِلِ الأَفْرِيقِيِّ.

وَ فِي عَامِ 1476، أَرْسَلَ دِييغُو حَمْلَةً اسْتِكْشَافِيَّةً إِلَى مِنْطَقَةِ إِفْنِي. وَ كَانَ مِنْ بَيْنِ عَنَاصِرِهَا مِيغِيلُ… جَاسُوسٌ فِي ثِيَابِ رَجُلِ دِينٍ. قِسِّيسُ الحَمْلَةِ الَّتِي كَانَ مِنْ بَيْنِهَا تُجَّارٌ أَيْضاً.

وَ بَعْدَ مُحَاوَلَاتٍ عَدِيدَةٍ نَجَحَتِ الحَمْلَةُ فِي بِنَاءِ الحِصْنِ وَ البُرْجِ الدِّفَاعِيِّ عَامَ 1478. كَانَتْ هَذِهِ القَلْعَةُ قَاعِدَةً اسْتِرَاتِيجِيَّةً لِتَشْجِيعِ التَّوَسُّعِ الاسْتِعْمَارِيِّ وَ تَسْهِيلِ التِّجَارَةِ بَيْنَ جُزُرِ الكَنَارِيِّ وَ المَنَاطِقِ المُجَاوِرَةِ. وَ سَمَّاهَا الإِسْبَانُ فِيمَا بَعْدُ: قَلْعَةَ سَانْتَا كْرُوزْ دِي مَارْ بِيكِينَا.

لَمَّا وَصَلَتِ الحَمْلَةُ إِلَى المِنْطَقَةِ، تَسَلَّلَ مِيغِيلُ الَّذِي كَانَ يُتْقِنُ اللُّغَةَ المَحَلِّيَّةَ بِاعْتِبَارِهِ قَضَى سَنَوَاتٍ كَثِيرَةً مُنْذُ اخْتِطَافِهِ وَ هُوَ طِفْلٌ مِنْ طَرَفِ قَرَاصِنَةِ سَعْدِيِّينَ فِي بَحْرِ أَكَادِيرَ. وَ كَانَتْ سَحْنَتُهُ الكَنَارِيَّةُ وَ إِتْقَانُهُ لُغَةَ أَهْلِ سُوسَ تَجْعَلَانِهِ يَبْدُو مِثْلَ أَهَالِي المِنْطَقَةِ.

مَرَّتْ عَلَيْهِ أَيَّامٌ وَ هُوَ مُخْتَبِئٌ فِي وَادِي أَمَانْ عَلِي دُونَ قُوتٍ، حَتَّى سَاءَتْ حَالَتُهُ وَجَدَهُ بَعْضُ البَحَّارَةِ مُلْقًى فَاقِداً لِوَعْيِهِ. فَأَخَذُوهُ إِلَى شَيْخِ البَحَّارَةِ هُنَاكَ الَّذِي سَلَّمَهُ لِلشَّيْخِ عَبْدِ الكَرِيمِ. اعْتَنَوْا بِهِ فِي زَاوِيَةٍ هُنَاكَ حَتَّى تَحَسَّنَتْ حَالُهُ.

وَ لَمَّا سَأَلُوهُ عَمَّا وَقَعَ لَهُ، قَالَ: إِنَّ مَجْمُوعَةً مِنْ قُطَّاعِ الطُّرُقِ بِنَوَاحِي مَاسَّةَ هَاجَمُوا قَافِلَتَهُمُ التِّجَارِيَّةَ المُتَّجِهَةَ لِلصَّحْرَاءِ، اسْتَوْلَوْا عَلَى بِضَاعَتِهِمْ وَ قَتَلُوا أَغْلَبَهُمْ وَ أَسَرُوا الشَّبَابَ مِنْهُمْ وَ العَبِيدَ، وَ اسْتَطَاعَ هُوَ الهَرَبَ مِنْهُمْ بِنَوَاحِي وَادِي سَالْگمَاضَ. وَ إِنَّهُ أَصْلاً مِنْ قَبِيلَةِ مَسْكِينَةٍ، وَ إِنَّ أَخَاهُ الوَحِيدَ الَّذِي تَبَقَّى لَهُ مِنْ عَائِلَتِهِ بَعْدَ أَنْ مَاتُوا جَمِيعاً فِي طَاعُونِ 1470 تَمَّ قَتْلُهُ مِنْ طَرَفِ قُطَّاعِ الطُّرُقِ.

تَعَاطَفَ مَعَهُ الجَمِيعُ. فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ اسْمَهُ “بَاهَا وَ عَلِيٌّ”، وَ إِنَّهُ يُجِيدُ الكِتَابَةَ وَ القِرَاءَةَ، وَ إِنَّهُ حَافِظٌ لِلقُرْآنِ وَ إِنَّهُ كَانَ مُؤَذِّناً.

فِي وَقْتٍ قَصِيرٍ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنَالَ ثِقَةَ الجَمِيعِ. حَتَّى أَنَّهُ أَصْبَحَ مُؤَذِّناً فِي المَسْجِدِ الكَبِيرِ لِآيَتْ إِيخْلَفَ بَعْدَ وَفَاةِ المُؤَذِّنِ الطَّاعِنِ فِي السِّنِّ. وَ كَانَ بَيْنَ الفَيْنَةِ وَ الأُخْرَى يَكْتُبُ الرَّسَائِلَ لِلشَّيْخِ عَبْدِ الكَرِيمِ وَ يَحْمِلُهَا بِنَفْسِهِ لِقَبَائِلِ آيَتْ بَاعَمْرَانَ. وَ كَانَتْ هَذِهِ فُرْصَةً لَهُ كَيْ يَطَّلِعَ عَلَى كُلِّ خُطَطِ وَ مَعْلُومَاتِ وَ تَحَرُّكَاتِ المُقَاوَمَةِ فِي المِنْطَقَةِ.

وَ بَعْدَ سِنِينَ انْتَقَلَ عِنْدَ شَيْخِ قَبِيلَةِ مُسْتِي الحَاجِّ عَبْدِ الرَّحْمَانِ بَعْدَ وَفَاةِ الشَّيْخِ عَبْدِ الكَرِيمِ، وَ أَصْبَحَ إِمَامَ القَبِيلَةِ وَ تَصَاهَرَ مَعَهُ حَيْثُ زَوَّجَهُ أُخْتَهُ. كَانَ غَدْرُهُ وَ تَجَسُّسُهُ عَلَى القَبِيلَتَيْنِ مِنْ بَيْنِ أَهَمِّ الأَسْبَابِ الَّتِي سَاعَدَتِ الحَمْلَةَ الإِسْبَانِيَّةَ عَلَى البَقَاءِ مُدَّةً طَوِيلَةً فِي المِنْطَقَةِ وَ بِنَاءِ حِصْنِهَا المَنِيعِ.

كَانَ يَنْقُلُ كُلَّ الأَخْبَارِ عَبْرَ وَسِيطٍ كَانَ تَاجِراً جَوَّالاً بَيْنَ القَبَائِلِ وَ فِي الأَسْوَاقِ الأُسْبُوعِيَّةِ. حَتَّى وَصَلَتْهُ رِسَالَةٌ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُبَلِّغَهَا لِلشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَانِ، فَلَمَّا قَرَأَ مَحْتَوَاهَا الَّذِي كَانَ فِيهِ أَنَّ التَّاجِرَ الجَوَّالَ إِسْحَاقَ تَمَّ القَبْضُ عَلَيْهِ، خَافَ أَنْ يُكْتَشَفَ أَمْرُهُ فَوَلَّى هَارِباً وَ قَصَدَ القَلْعَةَ الإِسْبَانِيَّةَ.

حَيْثُ قَضَى مُدَّةً مُتَخَفِّياً، ثُمَّ رَحَلَ مَعَ سَفِينَةٍ إِلَى جُزُرِ الكَنَارِيِّ لَمَّا بَلَغَهُ مَرَضُ قَائِدِهِ الحَاكِمِ دِييغُو غَارْسِيَا عَامَ 1485 الَّذِي أَصَابَهُ مَرَضٌ خَطِيرٌ. لَكِنَّ فِي مُنْتَصَفِ الطَّرِيقِ إِلَى جَزِيرَةِ فُوينْتِي بِينْتُرَا الَّتِي قَضَى فِيهَا دِييغُو آخِرَ أَيَّامِهِ، اشْتَعَلَتِ النَّارُ فِي السَّفِينَةِ وَ هُمْ نِيَامٌ.

وَ قَبْلَ أَنْ تَبْتَلِعَهُمُ الأَمْوَاجُ، كَتَبَ مِيغِيلُ/بَاهَا وَ عَلِيٌّ تِلْكَ الرِّسَالَةَ الأَخِيرَةَ، وَضَعَهَا فِي قَارُورَةٍ بُنِّيَّةٍ بِسَدَّادَةٍ حَمْرَاءَ، وَ رَبَطَهَا بِخَيْطِ صُوفٍ بُنِّيٍّ… خَيْطٍ قَطَعَهُ مِنْ عِمَامَتِهِ لَيْلَةَ صَارَ إِمَاماً. وَ كَتَبَ فِيهَا: “كُنْتُ أُؤَذِّنُ لَهُمْ خَمْسَ مَرَّاتٍ فِي اليَوْمِ… فَلِمَاذَا لَمْ يُؤَذِّنْ قَلْبِي مَرَّةً وَاحِدَةً لِلصِّدْقِ؟” طَالِباً الغُفْرَانَ وَ خَلَاصَ رُوحِهِ مِنْ أَصْدِقَاءَ وَثِقُوا بِهِ وَ صَلَّى بِهِمْ وَ أَذَّنَ لَهُمْ.”

صَمَتِ الحُورِيَّةُ. نَظَرَتْ إِلَى القَارُورَةِ البُنِّيَّةِ فِي يَدِهَا، ثُمَّ نَظَرَتْ إِلَى الأُفُقِ حَيْثُ اخْتَفَتْ سَفِينَةُ مِيغِيلَ بِالنَّارِ.

وَ قَالَتْ لِبْلْعِيدَ وَ عَبْلَا وَ البَحَّارَةِ: “الآنَ فَهِمْتُمْ لِمَاذَا تَجِيءُ الرِّيحُ بِالقَوَارِيرِ. هَذِهِ لَيْسَتْ رَسَائِلَ… هَذِهِ تَوْبَاتٌ. كُلُّ رُوحٍ خَانَتِ العَهْدَ فِي إِفْنِي، تَأْتِي إِلَى العُقْدَةِ لِتَطْلُبَ مِنْ أَهْلِهَا أَنْ يَرُدُّوا عَلَيْهَا بِدُعَاءٍ.”

1 2الصفحة التالية
زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة