سماوات في حيّ واحد | كوثر علي

لا أفهم كيف يمكن لمدينة واحدة أن تحتوي هذا العدد من السماوات.
لأن بعض البيوت يسكنها الليل منذ شهور. ليس ليلًا عاديًا، بل ليل كثيف يفتح النوافذ ويدخن في الشوارع. والغريب أنها تقع في الحي نفسه ولا يفصلها عن البيوت المضيئة سوى خطوتين أو ثلاث.
اليوم، في الزقاق المقابل، كانت السماء تمطر أزهارًا زرقاء، بينما أمطرت فوق رأسي رؤوسًا مقطوعة طوال النهار.
لذلك خرجت بمظلتي كأي شخص يستعد للمطر.
لم يبدُ أحد منزعجًا.
كانت الرؤوس ترتطم بالأرصفة ثم تتدحرج نحو المجاري الممتلئة بالدماء وألوان قوس قزح والورود.
عندما وصلت إلى البيت، سقط رأس فوق يدي تمامًا وأنا أحاول إدخال المفتاح في الباب.
ثم انزلق ببطء حتى استقر عند قدمي.
اعتذرت له دون سبب، ثم دخلت.
رميت مفاتيحي فوق الطاولة واتجهت نحو الثلاجة.
وجدت قطعة صغيرة من ملامحك محفوظة بين علبة دواء وليمونة يابسة.
وضعتها في المايكرويف.
كنت أشاهد وجهك يدور ببطء خلف الزجاج. بدا لونك يزداد احمرارًا بينما كانت الحرارة تتصاعد منك.
أكلتكَ كلك.
لكن الجوع بقي جالسًا مكاني.
تركته أمام الصحن الفارغ، ثم ذهبت إلى غرفتي.
كان فوق كتبي عنكبوت أصفر صغير.
جميلٌ إلى درجة جعلتني أشك في أنه ربما كان جنيًا ضائعًا.
لكنني قتلته بإصبعي قبل أن أقرر.
لماذا يأتي الندم دائمًا متأخرًا بما يكفي؟
بعدها تذكرت الضفادع الخضراء التي هربت أمس من تحت سريري.
كنت متأكدًا أنها طيور عندما نمت.
إحدى الضفادع توقفت عند الباب، التفتت نحوي لثوانٍ، ثم اختفت مع البقية.
دخل أخي إلى غرفتي ومعه بطة جديدة.
وكالعادة أصبحت مسؤولًا عنها.
لا أعرف لماذا تتركني الحيوانات أقترب منها بسهولة، بينما يقف البشر في الجهة المقابلة من الشارع بوجوه تشبه شاشات العرض المعطلة.
لقد ربيت كلابًا وقططًا وأسماكًا وحمامًا وبومة وبطًا.
أما الأرانب، فكانت تنظر إليّ دائمًا كأنها تعرف شيئًا مرعبًا عن مستقبلي.
وكنا نتبادل الهلع نفسه؛ لذلك تجنبت تربيتها.
قبل النوم احتضنت صغير البطة.
كان قلبه يخفق بسرعة داخل كفي، وذكرني بعقارب الثواني دائمة الاستعجال.
ثم فكرت بك.
أردت أن أعرف كيف تمضي لياليك.
هل ما زال شيء منك نائمًا في سريري؟
لأنني أراك كل ليلة تقريبًا.
أراك في الظل الذي يمر قرب الباب، وفي التجويف الفارغ من الوسادة الأخرى، وفي الأحلام التي تستيقظ قبلي وتغادر.
بعدها فكرت طويلًا في الناس، واكتشفت أن كثيرين منهم بلا وجوه.
مجرد بقع سوداء تمشي وتتكلم وتترك وراءها رائحة عفن خفيف.
لهذا أخذت بيد أفكاري وعدت إلى الحيوانات.
أما أنت…
فأتمنى في المرة القادمة أن تهرب مع الضفادع.



