مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات اجتماعية

الرجال يموتون في الحرب والنساء تغني للسلام✍علي نفنوف – دبي

صورة ترويجية لفيلم "جميلة بوحيرد" مع صورة تاريخية لشخصيات بارزة.

في الحروب وعبر التاريخ  لا يسمع كل شيء

هناك أصوات تضيع تحت الركام

وأخرى تختفي مع أصحابها

وأخرى لا تجد وقتا لتقال

لكن بطريقة ما يبقى صوت واحد

لا يأتي من الجبهات ولا يظهر في بيانات النصر والهزيمة

بل يتسلل من البيوت التي فتحت أبوابها ولم يعد أحد

من الأمهات اللواتي ينتظرن دون أن يقلن إنهن ينتظرن

من النساء اللواتي تعلمن كيف يحملن الغياب دون أن ينكسرن

ذلك الصوت هو الغناء

ليس الغناء الذي نعرفه

بل غناء خافت مكسور يخرج كي لا يختنق صاحبه

في كل حرب هناك لحظة لا يعود فيها الموت كافيا لوصف ما حدث

هناك تبدأ النساء بالغناء

الحرب تكتب وقائعها بالأجساد

لكنها تعجز عن تفسيرها

ولهذا يظهر الصوت

خفاقاً كراية  انتصار

منذ الأزمنة الأولى يمكنني ان اذكر

 اسبرطة

 حيث كانت الحرب جزءا من الحياة كان الرجال يربون على القتال حتى الموت

وتودعهم النساء بعبارة قاسية عُد بدرعك أو عليه

لكن ما لا يقال في هذه العبارة هو ما يحدث بعد عودة الدروع

حين تبقى النساء ليحملن ما تبقى من الحياة

ليحفظن المجتمع من الانهيار

ليمنعن الموت من أن يتحول إلى فراغ كامل

وفي طروادة

لا يبقى من الحرب سوى صوت امرأة

أندروماخي وهي ترثي هكتور

لا تعيده ولا تغير ما حدث

لكنها تمنع موته من أن يصبح حدثا عابرا

تحوله إلى ذاكرة

إلى شيء يمكن حمله لا مجرد شيء وقع وانتهى

ومع انتقال التاريخ إلى زمنه الحديث يتكثف هذا المشهد ولا يختفي في اوروبا

 بعد الحرب العالمية الثانية

 لم يكن الخراب ماديا فقط

كان داخليا

مدن مهدمة وذاكرة مثقلة بما لا يقال

في ذلك الفراغ غنت مارلين ديتريش لألمانيا

ليس بصوت منتصر ولا حتى واضح

بل كأنها تحاول أن تقول إن الانسان رغم كل شيء لم ينته تماما

وفي الشوارع كانت النساء يرفعن الانقاض ويعدن بناء ما تهدم

والغناء الخافت يرافقهن كطريقة لتحمل ما لا يحتمل

في الارجنتين

 لم يكن هناك قتلى ظاهرون بل مختفون

غياب بلا قبور

لكن الامهات خرجن يحملن صور ابنائهن وبرزت حركه امهات ساحه مايو حيث خرجت الامهات الى ساحه مايو في بوينس ايرس حاملات صور ابنائهن في تظاهرات منتظمه في بدايتها اتخذت هذه الحركه شكل الصمت الجماعي ثم تطورت تدريجيا الى هتافات واناشيد تردد اسماء المفقودين وتطالب بالحقيقه بالحقيقه والعداله لم يكن هذا الغناء ذا طابع فني مستقل بل كان صوتا جماعيا بسيط البنيان يعتمد على التكرار والايقاع ويهدف الى تثبيت الذاكره في المجال العام وبذلك تحول الصوت النسائي في الارجنتين من تعبير خاص عن الحزن الى وسيله ضغط اجتماعي وسياسي يواجهوا كل محاولات الاخفاء بالنطق المستمر للاسماء

خطواتهن في الساحة صارت ايقاعا

والصمت نفسه تحول إلى صوت

لم يكن غناء تقليديا

بل شكل من اشكال الرفض

رفض ان يتحول الغياب إلى نسيان

وفي البوسنة بعد مجزرة سربرنيتسا سنة 1995 جلست النساء على المقابر الجماعية وغنين وكان هذا الغناء يسمى المراثي الجنائزيه كان يردد بعد مقتل الاف الرجال والاطفال

كانت الاصوات تنادي الميت كانها محاوله لابقائه على قيد الحياه لم يكن هذا الغناء فنا مستقلا بل كان طقس اجتماعي يهدف الى تثبيت الذاكره الجمعيه ومنع الفقد في ظل غياب الكثير من الجثامين او التعرف عليها حتى تطور الامر الى ان  او تشكلت منظمات مثل  منظمة امهات سربرنيتسا  تحول عملهن من المجال الجنائزي الى المجال العام من اجل المطالبه بالاعتراف بالعداله وقد نجحت البوسنيات في تحويل الحداد الفردي الى تثبيت الحدث في الذاكره التاريخيه

لم يكن ذلك تعبيرا عن الحزن فقط

بل رفضا لفكرة ان تنتهي الحكاية هنا

كان الصوت وسيلة لابقاء الحدث حيا في وجه محاولة محوه

وفي ليبيريا

بين عامي 1999 و 2003

لم تنتظر النساء نهاية الحرب

جلسن معا وغنين للسلام حيث ظهرت حركه تسمى نساء ليبيريا للعمل من اجل السلام بقياده ليما غبوي حيث اجتمعت نساء مسلمات ومسيحيات في اعتصامات متكرره استخدمنا الغناء الجماعي بالاضافه الى الصلوات والهتافات كوسيل كوسيله للضغط على الاطراف المتحاربه هذه الاصوات دفعت الى اتفاق في العام 2003 وبذلك بدا يظهر الغناء هنا كوسيله تدخل اثناء الحرب نفسها لا من تداعياتها اللاحقه

لم يكن الغناء انعكاسا لما يحدث بل محاولة لتغييره

شيئا فشيئا تحول الصوت إلى قوة ضغط

الى فعل حقيقي ساهم في ايقاف الحرب

في فلسطين

 لا يوجد ما يسمى بعد الحرب

الحرب مستمرة ولهذا الصوت مستمر

في الجنائز في البيوت في الذاكرة اليومية.. بقيت الاغاني نصوصا مرتجله تطورت مع تطور الحركه الوطنيه حتى برزت ريم بنا التي غنت  بهدوء يكاد يكون مؤلما

كأنها تعرف ان الصراخ لا يغير شيئا لكن الصمت أخطر

الغناء هنا ليس تعبيرا بل وسيلة للبقاء.. وربما كانت هنالك اصوات عربيه لمطربات عربيات غنينّ لفلسطين ولكنها كانت محاولات فرديه تدل عن الوعي الجماعي للمراه العربيه وفي لبنان

وفي لبنان تتخذ الحكاية شكلا أكثر تعقيدا.. لان الحرب الاهليه خلطت المفاهيم فكان

هناك صوت يقاوم ويرفع المعنويات

وصوت آخر يحاول حماية فكرة الوطن نفسها

جوليا بطرس غنت للصمود

كان صوتها مواجهة

كأنها تضع الكلمة في مستوى الرصاصة

وفي الجهة الأخرى غنت فيروز للبنان كما يجب أن يكون

لا كما هو

كأنها تحاول انقاذ صورة كاملة من الانهيار

بين هذين الصوتين يظهر شيء انساني دقيق

أن تقاوم وأن تحلم في الوقت نفسه

في مصر بعد النكسة لم يكن الجرح عسكريا فقط

كان داخليا

وكان لابد من شيء يعيد للناس قدرتهم على الوقوف

هنا ارتفع صوت ام كلثوم

لم يكن مجرد غناء

كان مساحة كاملة يتنفس فيها الناس

صوت يحملهم من الانكسار إلى امكانية النهوض

لم تكن تغني لتنسيهم

بل لتجعلهم قادرين على الاستمرار حيث اصبحت اغاني ام كلثوم جزءا من البرامج الاذاعيه والتلفزيونيه كصوت مركزي بالاضافه الى ظهور اصوات مثل شاديه التي ساهمت في ترسيخ الاغنيه الوطنيه ذات الطابع العاطفي المرتبط بالوطن

علي

وفي الجزائر لا تقف المرأة عند حدود الصوت

بل تتحول هي نفسها إلى معنى

جميلة بوحيرد لم تغن

لكنها صارت اسما يقال فيتحول إلى شيء أكبر من شخص

ثم جاء الصوت لاحقا

ليحفظ هذا المعنى

ليمنع الذاكرة من أن تنطفئ

هكذا عبر كل هذه الاماكن لا نكون امام قصص متفرقة

بل امام نمط يتكرر

يسقط الجسد

ويرتفع  الصوت

 ليمنع الموت من أن يكون بلا معنى

ربما لا تغير الاغاني مجرى الحروب

ولا توقف الرصاص

ولا تعيد أحدا

لكنها تبقي الباب مفتوحا قليلا

تمنع العالم من أن يغلق تماما

في مكان ما سينسى اسم معركة

وتمحى حدود

وتتغير الروايات

لكن سيبقى صوت امرأة

تغني

 لأنها ترفض

أن يمر كل هذا

دون أن يترك أثرا في القلب

وهذا ربما

هو المعنى الاكثر صدقا

للمقاومة

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading