سعيد السريحي الوجه الأكثر وضوحًا واكتمالًا للخطاب الفكري الليبرالي-د.عادل ضرغام

يمثل سعيد السريحي، الناقد والمفكر السعودي، مرحلة مهمة من مراحل تطوّر الخطاب الثقافي عامةً، والخطاب النقدي خاصةً، في المملكة العربية السعودية. ويعد مع الغذامي ومعجب الزهراني ومحمد العبّاس، وآخرين بالضرورة، المرايا العاكسة لحالة التناحر التي كانت موجودة وساخنة في حقبة سابقة، والتي سادت بين خطاب الليبرالية والصحوة الإسلامية، وبخاصة حين كان خطاب الصحوة مهيمنًا في ظل سطوته وتأثيره الكبير، لدرجة أن كثيرين كانوا يداهنون هذا الخطاب. فهؤلاء المفكرون -وإن كانوا ينتمون إلى أجيال مختلفة، ويتبعون أساليب ومنطلقات مختلفة في إسدال الفكر الليبرالي أو الحداثي في مواجهة الخطاب الآخر- لهم التأثير الكبير في زحزحة الأصولية من عرينها، في مقارباتهم للشأن الثقافي العام، بل كان لهم تأثير، بنسب متفاوتة، في التأسيس للخطاب الفكري الليبرالي، فأصبحت له هوية ووجود ملموس على أيديهم، في ظلّ منجزهم الكتابي.
الوجه الرائق
يمثل سعيد السريحي الوجه الرائق لهذا الخطاب، أو الوجه الأكثر وضوحًا واكتمالًا، ومنجزه هو الأكثر حضورًا لفكرة الحداثة في المملكة العربية السعودية، وربما يكون أكثر المفكّرين تضررًا؛ لأنه دفع ثمنًا غاليًا، لإيمانه بأفكاره، وتمسكه بها دون شبهة التخلي عنها أو التنصل منها، بالرغم من المحاولات العديدة التي بذلت في هذا السياق.
لكن مشروعه الفكري أو النقدي، بالرغم من كونه مشروعًا، لم يترك له المجال للتأثير بسهولة في عقول الأجيال اللاحقة؛ لأن أصحاب الاتجاه الأصولي كانوا يمارسون نوعًا من التعتيم والتشويه المتعمّدين لهذا الخطاب، وقد حكى لي كثير من طلابه، الذين ارتبطوا به وبمنهجه في التفكير، في مرحلة الجامعة، كيف كانوا يجلّونه، ويحترمونه، وينظرون لأفكاره بكثير من القداسة، وبخاصة هؤلاء الطلاب الذين كان لديهم ميل إلى الكتابة الإبداعية؛ لأنهم يعرفون قيمة الحرية، وينفرون من القيود،؛ فقد عوّدهم على أن يقاربوا الجديد ويعاينوه دون خوف من سلطة المحو أو الانسحاق. وبوسع أي باحث لتاريخ حركة الحداثة في المملكة أن يتوقف عند هؤلاء الطلاب ودورهم المغاير في مقاربة الأمور.
في أثناء حديثي مع طلابه، الذين صاروا أساتذة، أدركت كثيرًا من الأمور الغريبة، وعرفت بعضًا من أسماء الأعلام المتورطين في هذه المشكلة التي لا يدفع ثمنها، من جهده وعقله وراحته، إلا كل مغاير، أو كلّ صاحب نظرة أو توجه مختلفين عن السائد. فمنهجه في كل ما كتب جاء محمّلًا بالرغبة في نفض الغبار عن كل الخطابات الأصولية المتكلّسة، وموجّهًا نحو مقاربة كل الأمور في سياق وجهة نظر تحتمي بالعقل والمنطق، بعيدًا من المعاد والمكرّر غير القادر على تحريك الساكن، أو غير القادر على بثّ الحياة في الأجزاء التالفة أو الميّتة. فقد كشفت نظرته للتراث عن عين انتقائية في البحث عن الأشياء المهمة؛ لينقلها إلى منزلة مغايرة داخل خطابه الذي يعيد تخصيبها مرّة أخرى وفق توجّه جديد يتساوق مع اللحظة الراهنة.



