التفرزيق بين العجب والرياء: نظرة أنثروبولوجية-ا.د حمام محمد..جامعة الجلفة…الجزائر

كثيرةٌ هي العبارات والكلمات الشعبية التي اختفت فجأة تحت وطأة الزخم الإعلامي، والحورات الفيلمية، والأفلام الكرتونية، وبعض الأعمال السينمائية المدبلجة. وكانت تلك الألفاظ تحمل دلالاتٍ معنوية وعلمية تشير إلى رقيّ مجتمعاتنا الناطقة باللغة العربية وعمقها الرمزي. ومن بين هذه الكلمات كلمة “التفرزيق”، وهي لفظةٌ بحثتُ عن جذورها في المعاجم، فلم أجد لها تأصيلاً صريحًا في كتاب لسان العرب لـابن منظور، ولا في المعجم الكبير،ولعل غيابها عن المدونات المعجمية لا يعني غيابها عن التداول الثقافي، إذ كثيرًا ما تحفظ الذاكرة الشعبية ألفاظًا ذات حمولة دلالية عميقة، لم ترقَ إلى التدوين، لكنها بقيت حيّة في الوجدان الجمعي.من الناحية الصوتية، قد يخطر بالبال التقارب بين لفظ “التفرزيق” واسم الشاعر الأموي الفرزدق، غير أن ذلك يبقى ضربًا من المقاربة الصوتية لا الاشتقاق اللغوي. وقد سمعتُ هذه الكلمة منذ أكثر من اثنتين وثلاثين سنة في مجتمعات محافظة، إبّان ممارستي العمل الصحفي في ثمانينيات القرن الماضي.
وكانوا يقولون: “برك من التفرزيق”، أي كفّ عن التكلّف والتعالي العقلي، أو عن إظهار نفسك بمظهر الحكيم العارف بكل شيء، وأنت لا تملك من ذلك إلا الكلام . فالتفرزيق – في التداول الشعبي – يدل على نوع من التعالي في الحكمة، أو ادعاء النباهة وسعة التحليل، بما يورث في النفس آفة العُجب.إذا تأملنا هذا المفهوم أنثروبولوجيًا، وجدناه يلامس بعمق مفهومي العُجب والرياء في التراث الإسلامي. والعُجب هو استعظام العبد نفسه، ورؤيته أنه ذو شأن في الناس، مع نسيان فضل الله عليه. وقد حذر القرآن الكريم من هذا المسلك، قال تعالى:﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ (النجم: 32).وقال سبحانه:﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ (الإسراء: 37).
وفي الحديث الشريف، قال رسول الله ﷺ:«لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو أكبر من ذلك: العُجب» (رواه البيهقي).فالعجب مهلكة خفية، لأنه يُدخل صاحبه في وهم الكمال، ويغلق عليه باب التزكية الحقيقية.وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يخشى على نفسه مظنة العجب، وكان يقول: رحم الله امرأً أهدى إليّ عيوبي. كما رُوي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كان يكره التفاف الناس حوله في الطريق مخافة أن يدخل قلبه شيء من الكِبر أو العُجب.
أما الرياء فهو إظهار العمل الصالح بقصد رؤية الناس ومدحهم، وقد قال تعالى:﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ (الماعون: 4–6).وقال النبي ﷺ:
«أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر». قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: «الرياء» (رواه أحمد).فإذا كان التفرزيق الشعبي يدل على التباهي العقلي أو استعراض التحليل والنباهة، فإنه قد يتحول – في بعده الأخلاقي – إلى صورة من صور الرياء المعرفي، حيث يستعرض المرء ثقافته لا ابتغاء الحق، بل طلبًا للسمعة.
تناول علماء السلوك والتزكية هذه الآفات بكثير من التحليل. يقول أبو حامد الغزالي في إحياء علوم الدين:”العُجب استعظام النعمة والركون إليها مع نسيان إضافتها إلى المنعم ويقول ابن القيم الجوزية في مدارج السالكين:”رب معصية أورثت ذلاً وانكسارًا خير من طاعة أورثت عُجبًا واستكبارًا”.فهنا يتجلى البعد العميق للمفهوم الشعبي؛ إذ إن “التفرزيق” ليس مجرد سلوك لغوي، بل حالة نفسية اجتماعية تقوم على ادعاء التفوق، وتغذية الشعور بالتمايز أمام الجماعة.
إن تراثنا الشعبي لم يكن بعيدًا عن هذه المعاني. ففي رباعيات عبد الرحمن المجذوب إشارات دقيقة إلى نقد الثرثارين والمعجبين بأنفسهم، إذ يقول:سافر تعرف الناس***وكبير القوم طيعو
وكبير الكرش والراس***بنص دورو بيعو
إن قراءة “التفرزيق” قراءةً أنثروبولوجية تكشف أنه مفهوم شعبي يختزن وعيًا أخلاقيًا عميقًا. فهو آلية رمزية لضبط السلوك داخل الجماعة، وتنبيهٌ إلى خطورة التعالي الفكري أو الاستعراضي.إنه تجلٍّ من تجليات الحكمة الشعبية التي استقت معينها من القرآن والسنة وأقوال العلماء، ثم صاغتها في قالب لغوي بسيط، لكنه بالغ الدلالة.وهكذا، يتبين أن كلماتنا الشعبية ليست مجرد ألفاظ عابرة، بل هي مستودعٌ ثقافيٌّ أخلاقيٌّ يعكس منظومة القيم في المجتمع، ويحرسها من آفات العُجب والرياء، حتى وإن غابت عن صفحات المعاجم.



