📰 آخر الأخبار
لمن ابوح / عبد الرزاق الصغير - الجزائرالحوار الفكري أساس التعايش والتفاهم/د. عصام البرّامتُعَاوِيذُ لَيْلٍ بَطِيءٍ": قراءة نقدية تحليلية في شعرية الذاكرة والاغتراب والمقاومة/عبد العزيز الخبشي- المغرب  ميشيل روت – بيرنشتاين .. جذع : قصيدة هايبون معاصرة/ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالبين الكمّ والجوهر/زيان معيلبي-الجزائرالشجرة المقدّسة/Emilia Otello-ترجمة ماري البطليجيكور وقيبور.. عاش طاغور.. في قوافي السياب وعبد الكريم شعبان/علي نفنوف- دبيFALLS THE LIGHT ON COYOACÁN by Alan Patrick Traynorشطرنج دي سوسير وقطار اللسانيات البنيوية وسقوط عصا المايسترو/كريم عبيد علويThe Open Road/Dr. Debabrata Maji -India يا ويلتي!إنتصار الخشترواية باولا… السيرة الذاتية المرَكبة /أحمد غانم عبد الجليلوطني… حين يصبح الحنين وطنًا آخر/سوزانه زين الدينThree Lights By Salim Elias Madaloموشور الرماد/ جواني عبدال(الصناعات الإبداعية كيف تُنتَج الثقافة في عالم التكنولوجيا والعولمة؟) الجزء الأول / جعفر الديريخرِيف الِانحناء/أ. حسناوي سيلميبعد تساقط المطر/سالم الياس مدالووفاء السنابل / نصيف علي وهيب-العراقالشَّاعر/حنين عمرالشَّاعرة / حنين عمرخبزالمطلوع... الشكل  الدائري التي تجمع الإنسان حول الخبز: قراءة أنثروبولوجية في الذاكرة والثقافة الجزائرية-أ.د. حمام محمد – الجزائرالمساحة الشاغرة في السرد/عبدالله العقيبيThe Obliquity of Signs and Symbols in The Scarlet Letter - Dr. Azher S Salehالعراق عبر ثلاثة أجيال قادمة/أ.د. سيّار الجميل
لمن ابوح / عبد الرزاق الصغير - الجزائرالحوار الفكري أساس التعايش والتفاهم/د. عصام البرّامتُعَاوِيذُ لَيْلٍ بَطِيءٍ": قراءة نقدية تحليلية في شعرية الذاكرة والاغتراب والمقاومة/عبد العزيز الخبشي- المغرب  ميشيل روت – بيرنشتاين .. جذع : قصيدة هايبون معاصرة/ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالبين الكمّ والجوهر/زيان معيلبي-الجزائرالشجرة المقدّسة/Emilia Otello-ترجمة ماري البطليجيكور وقيبور.. عاش طاغور.. في قوافي السياب وعبد الكريم شعبان/علي نفنوف- دبيFALLS THE LIGHT ON COYOACÁN by Alan Patrick Traynorشطرنج دي سوسير وقطار اللسانيات البنيوية وسقوط عصا المايسترو/كريم عبيد علويThe Open Road/Dr. Debabrata Maji -India يا ويلتي!إنتصار الخشترواية باولا… السيرة الذاتية المرَكبة /أحمد غانم عبد الجليلوطني… حين يصبح الحنين وطنًا آخر/سوزانه زين الدينThree Lights By Salim Elias Madaloموشور الرماد/ جواني عبدال(الصناعات الإبداعية كيف تُنتَج الثقافة في عالم التكنولوجيا والعولمة؟) الجزء الأول / جعفر الديريخرِيف الِانحناء/أ. حسناوي سيلميبعد تساقط المطر/سالم الياس مدالووفاء السنابل / نصيف علي وهيب-العراقالشَّاعر/حنين عمرالشَّاعرة / حنين عمرخبزالمطلوع... الشكل  الدائري التي تجمع الإنسان حول الخبز: قراءة أنثروبولوجية في الذاكرة والثقافة الجزائرية-أ.د. حمام محمد – الجزائرالمساحة الشاغرة في السرد/عبدالله العقيبيThe Obliquity of Signs and Symbols in The Scarlet Letter - Dr. Azher S Salehالعراق عبر ثلاثة أجيال قادمة/أ.د. سيّار الجميل
مقالات اجتماعية

مِنَصَّاتُ التَّوَاصُلِ بَيْنََ الحَقِّ السَّاطِعِ، وَتَزْيِيفِ الوَاقِعِ-حُسَامُ الدِّينِ أَبُو صَالِحَةٍ-مصر

صورة شخصية لرجل يرتدي بدلة رسمية وقميص مع ربطة عنق مخططة.

لم تعدِ الصورةُ في الوسائطِ الرقميةِ بمنصّاتِ التواصلِ الاجتماعيةِ ظلًّا صامتًا، أو إشارةً عابرةً غيرَ ذاتِ معنى، وبلا مغزى، بل صارتْ دافعًا هامًا يُحرّك المشاعرَ، وهدفًا مهمًا يُوجِّه العقولَ، ومثيرًا نشطًا يدعم التفاعلَ ، كَمَا لَمْ تَعُدْ مَقَاطِعُ الْفِيدْيُو مُجَرَّدَ تَوْثِيقِ أَحْدَاثٍ مَرَّتْ بِنَا، وَشَغَلَتْ حَيِّزًا مِنْ أَفْكَارِنَا، وَاسْتَقَرَّتْ حِينًا بِقُلُوبِنَا؛ بَلْ أَمْسَتْ شُعْلَةً قَدْ تُضِيءُ الْمَعْنَى، أَوْ تُحْرِقُهُ؛ إِذْ تَخْتَصِرُ الْمَرْئِيَّاتُ كَمًّا هَائِلًا مِنَ الْوَقْتِ الْمُهْدَرِ بِالْأَلْفَاظِ وَالْعِبَارَاتِ؛ فَرُبَّ صُورَةٍ أَغْنَتْ عَنْ أَلْفِ كَلِمَةٍ، وَرُبَّ مَشْهَدٍ رَسَخَ فِي الْقَلْبِ مِنَ الْبَيَانِ مَا لَمْ يُحَقِّقْهُ طَوْدٌ مِنَ الْكَلِمِ ، لَكِنْ حِينَ تَتَغَيَّرُ الْأَدْوَارُ، تَخْلَعُ بَعْضُ الْمَنَصَّاتِ الرَّقْمِيَّةِ تَاجَ الْفَضِيلَةِ الْمُتَجَسِّدَ بِكَوْنِهَا النَّاقِلَ الْأَمِينَ وَصَوْتَ الْأَنِينِ؛ لِتَرْتَدِيَ ثَوْبَ الرَّذِيلَةِ الْمَوْصُومَ بِتَكْدِيرِ الْعَقْلِ ، وَتَشْوِيشِ الْفِكْرِ؛ فَلَمْ تَعُدْ عَيْنًا تَرَى فَتَنْقُلُ، بَلْ يَدًا تَعْبَثُ وَتَطْمِسُ، وَلَمْ تَعُدْ أُذُنًا تُصْغِي فَتُبَلِّغُ، بَلْ فَمًا يَنْفُخُ فِي رَمَادِ الْوَقَائِعِ ؛ فَيَشْتَعِلُ مِنْهَا مَا أُرِيدَ لَهُ الِاشْتِعَالُ، كَنَافِخِ الْكِيرِ الَّذِي يُحْرِقُ الثِّيَابَ وَيَتَطَايَرُ شَرَرُهُ دُونَ أسبابٍ .

ــ لَقَدْ كَانَتِ الْمَنَصَّاتُ مِرْآةً صَافِيَةً تَصِفُ الْحَدَثَ بِنَقَاءٍ، وَتَعْكِسُ صُورَتَهُ بِصَفَاءٍ كَمَا انْسَكَبَ مِنْ نَبْعِهِ؛ فَأَضْحَتْ كَالْمِصْبَاحِ الْمُعْتِمِ ذِي الضَّوْءِ الْخَافِتِ، وَالنُّورِ الْبَاهِتِ لَا قِيمَةَ لَهُ تُعْرَفُ، وَلَا فَائِدَةَ مِنْهُ تُؤْلَفُ، تَسْتَعِيرُ مِنَ الرِّيحِ عَصْفَهَا لَا خَيْرَهَا، وَمِنَ الْمَوْجِ جُمُوحَهُ لَا نَشَاطَهُ ، وَحَرَكَتَهُ، وَمِنَ الشَّمْسِ إِحْرَاقَهَا لَا دِفْأَهَا، وَمِنَ الْقَمَرِ خُسُوفَهُ لَا نُورَهُ؛ فَتُحَرِّكُ سُفُنَ الرَّأْيِ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ، تُخْفِي لُجَّتُهُ بِعَمْدٍ، وَسَابِقِ قَصْدٍ، لَيْسَ لِمَوْجِهِ الْهَادِرِ شَاطِئٌ تَرْسُو عَلَيْهِ، وَلَا لِرِيحِهِ الْعَاصِفِ سُكُونٌ تَسْتَنِدُ إِلَيْهِ، وَلَا لِشَمْسِهِ دِفْءٌ تَسْتَهِمُّ عَلَيْهِ، وَلَا لِقَمَرِهِ وَهَجٌ تُبْصِرُ لَدَيْهِ؛ فَإِذَا الْمُتَلَقِّي بَيْنَ مَدٍّ ، وَجَزْرٍ يُسَاقُ لِمَا يُرَادُ لَهُ أَنْ يُبْحِرَ مَعَ أَنَّهُ لَا يُجِيدُ السِّبَاحَةَ، وَيُدْفَعُ لِأَنْ تَسِيرَ قَدَمَاهُ فَوْقَ مَا لَا يَهْوَى؛ لِيَتَفَاجَأَ بِمَا سَبَقَ إِعْدَادُهُ ، وَمَا تَمَّ إِنْفَاذُهُ؛ لِيَتَقَبَّلَ أُمُورًا قَدْ لَا يَرْضَى عَنْهَا.

ــ كَمَا بَاتَتْ تِلْكَ الْمَنَصَّاتُ تَنْسُجُ مِنْ خَيْطِ الْخَبَرِ ثَوْبًا عَلَى مِقْيَاسِ الْهَوَى، فَتُقَصِّرُ ذَيْلًا، وَتُطِيلُ كُمًّا، وَتُطَرِّزُ جَيْبًا، حَتَّى يَخْرُجَ الْمَعْنَى فِي حُلَّةٍ غَيْرِ الَّتِي وُلِدَ بِهَا، أَشْبَهَ بِثَوْبِ الْبَلْيَاتْشُو، لَا شَيْءَ فِيهِ مُتَنَاسِقٌ، ثُمَّ تُقَدِّمُ النَّتَائِجَ بِلَا مُقَدِّمَاتٍ، وَالْحُلُولَ بِلَا نَظَرِيَّاتٍ؛ فَحَالُ الِاسْتِدْلَالِ بِسُلَّمٍ قَدْ تَخَطَّتْ جَمِيعَ دَرَجَاتِهِ قَفْزًا ، وَهَكَذَا يُزَاحُ السِّتَارُ بِتِلْكَ الْمَنَصَّاتِ عَنْ مَشْهَدٍ كَئِيبٍ لَا أَمَلَ فِي بَسْمَتِهِ، حَيْثُ لَمْ تَعُدْ عُنْصُرًا فَاعِلًا فِي الْمُعَادَلَةِ؛ بَلْ أَضْحَتِ الْمُعَادَلَةَ ذَاتَهَا، تَكْتُبُ أَسْطُرَهَا بِيَدِهَا، وَتُحَدِّدُ مَلَامِحَهَا كَيْفَمَا أَرَادَتْ، وَتَصْبُغُ نَتَائِجَهَا قَبْلَ أَنْ تُولَدَ مُقَدِّمَاتُهَا.

لَمْ تَعُدْ بَعْضُ وَسَائِلُ التَّوَاصُلِ تَبْنِي أَفْكَارَهَا عَلَى أُصُولٍ رَاسِخَةٍ، وَبَرَاهِينَ تُفْضِي إِلَى حُلُولٍ مُقْنِعَةٍ، بَلْ كَثِيرًا مَا تَقْفِزُ قَفْزًا سَرِيعًا لِتَصِلَ دُونَ مُبَرِّرٍ عِلْمِيٍّ، أَوْ أَخْلَاقِيٍّ، أَوْ مِهْنِيٍّ إِلَى قِمَّةِ سُلَّمِ الِاسْتِدْلَالِ دُونَ مُرُورِهَا بِسَلَالمِ دَرَجِهِ، فَتُشَيِّدُ أَحْكَامًا بِلَا قَوَاعِدَ، وَتُقِيمُ صُرُوحًا بِلَا أُسُسٍ، وَتُسَطِّرُ خُلَاصَاتٍ لَمْ تُمَهَّدْ لَهَا مَسَالِكُ الْعِلْمِ الِاسْتِدْلَالِيِّ، أَوِ التَّفْكِيرِ الْمَنْطِقِيِّ، وَتُقَدِّمُ النَّتِيجَةَ عَلَى الدَّلِيلِ، وَتَسْتَدْعِي الِانْفِعَالَ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ الْعَقْلُ دَوْرَهُ الْمَنُوطَ بِهِ مِنِ اسْتِيعَابٍ، وَفَهْمٍ، وَتَحْلِيلٍ، وَنَقْدٍ؛ حَتَّى يُدْرِكَ الْغَثَّ مِنَ الثَّمِينِ، وَالرَّدِيءَ مِنَ الرَّصِينِ؛ إِذْ يُرْخَى السِّتَارُ؛ لِيُفْسَحَ الْمَجَالُ لِمَشْهَدٍ مَبْتُورٍ يُرَادُ لَهُ أَنْ يَكُونَ الْحَقِيقَةَ كُلَّهَا، وَيُصَوَّرَ كَأَنَّهُ عَيْنُهَا ذَاتُهَا، فَمَا عَادَ الْحِيَادُ حَقًّا أَصِيلًا، أَوْ ضَيْفًا مُقِيمًا حِينَ الْإِخْبَارِ، فَقَدْ يُقْتَصُّ مِنَ الْحَدَثِ، وَيُهَذَّبُ مِنْهُ، وَيُزَيَّنُ مَا يُرَادُ تَلْمِيعُهُ، وَيُقَبَّحُ مَا يُرَادُ تَنْفِيرُهُ، حَتَّى يُسَاقَ الرَّأْيُ سَوْقًا بِرِفْقٍ، لَكِنَّهُ لِغَيْرِ صِدْقٍ، حَيْثُ يُرَادُ لَهُ أَنْ يَسْتَقِرَّ الْمَشْهَدُ فِي زَاوِيَةٍ بِعَيْنِهَا، فَلَا يُرَى مِنْهُ إِلَّا مَا أُرِيدَ لَهُ أَنْ يُرَى.

ــ فَالْمَرْأَةُ المِصْرِيَّةُ الَّتِي اسْتَغَاثَتْ فِي وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ بِأَنَّ زَوْجَهَا تَرَكَهَا هِيَ وَطِفْلَهَا بِشَقَّةٍ بِإِحْدَى دُوَلِ الْخَلِيجِ، ثُمَّ سَافَرَ فَجْأَةً إِلَى مَسْقَطِ رَأْسِهِ قَبْلَ وُصُولِهَا بِلَحَظَاتٍ دُونَ إِخْبَارِهَا، الْأَمْرُ الَّذِي أَثَارَ تَفَاعُلَ الْجَمِيعِ مَعَهَا لِأَوَّلِ وَهْلَةٍ؛ إِذِ الزَّوْجَةُ أَقْرَبُ النَّاسِ للزَّوْجِ، وَأَحَبُّهُمْ لِقَلْبِهِ، إِضَافَةً لِطِفْلٍ لَا ذَنْبَ لَهُ، وَلَا حَوْلَ، وَلَا قُوَّةَ بِهِ، لَكِنَّ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ لَيْسَتْ عَلَى ظَاهِرِهَا الَّتِي بُثَّتْ عَلَيْهِ، فَبِتَتَبُّعِ الْأَمْرِ، وَالِاسْتِمَاعِ لِقَوْلِ الزَّوْجِ، تَبَيَّنَ أَنَّهَا حَضَرَتْ لِزَوْجِهَا فَجْأَةً دُونَ عِلْمٍ مُسْبَقٍ مِنْهُ حَتَّى تُقَاضِيَهُ بِالدَّوْلَةِ الْخَلِيجِيَّةِ الَّتِي يَعْمَلُ بِهَا فَتَسْتَنْزِفَ مَالَهُ، وَتُقِضَّ مَضْجَعَهُ، وَتُعَكِّرَ صَفْوَهُ، وَلَمْ تَكْتَفِ بِذَلِكَ بَلْ رَفَعَتْ عَلَيْهِ قَضَايَا تَتَعَلَّقُ بِأُمُورٍ زَوْجِيَّةٍ مُتَعَدِّدَةٍ دَاخِلَ وَطَنِهِ حَتَّى تَسْجُنَهُ، وَتُغَرِّمَهُ بِتَبْدِيدٍ لِأَثَاثِ بَيْتِ الزَّوْجِيَّةِ، وَنَفَقَةٍ مَالِيَّةٍ، وَمَا أَنْ عَرَفَ الزَّوْجُ بِسُوءِ مَا تُضْمِرُهُ لَهُ زَوْجَتُهُ مِنْ مَكَائِدَ، وَضَرَرٍ إِلَّا وَبَاغَتَهَا مِنْ حَيْثُ لَا تَدْرِي، وَسَقَاهَا مِنْ مُرِّ كَأْسِهَا الَّذِي حَرَصَتْ عَلَى سَقْيِهِ إِيَّاهُ.

ــ لَقَدْ أَوْرَدَ الْمُنْذِرِيُّ بِكِتَابِ مَجْمَعِ الْأَمْثَالِ ص ٦٢ حِكْمَةً حَاسِمَةً لِتِلْكَ الْقَضِيَّةِ بِقَوْلِهِ: «إِذَا أَتَاكَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ وَقَدْ فُقِئَتْ عَيْنُهُ فَلَا تَقْضِ لَهُ حَتَّى يَأْتِيَكَ خَصْمُهُ فَلَعَلَّهُ قَدْ فُقِئَتْ عَيْنَاهُ جَمِيعًا».

ــ فَفِي عَصْرِ الْمَنَصَّاتِ الرَّقْمِيَّةِ، حَيْثُ تَتَدَفَّقُ الصُّورُ، وَالْكَلِمَاتُ بِلَا رَقِيبٍ، وَلَا حَسِيبٍ فِي لَحْظَةٍ خَاطِفَةٍ، تَتَحَوَّلُ الْمَعْلُومَةُ الْمَرْئِيَّةُ إِلَى شَرَارَةٍ تَسْرِي فِي الْعُقُولِ سِرْيَانَ النَّارِ فِي الْهَشِيمِ، وَتَنْتَقِلُ مِنْ مَوْقِعٍ إِلَى آخَرَ كَأَنَّهَا بَرْقٌ يَلْمَعُ، وَنَجْمٌ يَسْطَعُ فِي سَمَاءٍ مُزْدَحِمَةٍ. هَذَا الْأَمْرُ قَدْ يَرْفَعُ شَأْنَ فِكْرَةٍ خَاطِئَةٍ، أَوْ يَهْدِمُ سُمْعَةَ إِنْسَانٍ لَا حَوْلَ لَهُ، وَلَا قُوَّةَ، أَوْ يُؤَجِّجُ نِزَاعًا دُونَ وَجْهِ حَقٍّ، أَوْ يَصْنَعُ بَطَلًا مِنْ وَرَقٍ، أَوْ يَهْضِمُ حَقًّا دُونَ مُبَرِرٍ.

ــ هُنَا تَتَعَاظَمُ الْمَسْؤُولِيَّةُ الْمُجْتَمَعِيَّةُ، وَتَتَّسِعُ الدَّائِرَةُ، فَلَا تَصِيرُ مُقْتَصِرَةً عَلَى النَّاشِرِ لِلْخَبَرِ وَحْدَهُ، بَلْ تَمْتَدُّ إِلَى الْمُتَلَقِّي الَّذِي صَارَ شَرِيكًا فِي صِنَاعَةِ الْأَثَرِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ؛ بِإِعَادَةِ النَّشْرِ لَهُ، أَوْ بِالتَّعْلِيقِ عَلَيْهِ، أَوْ بِرِضَاهُ عَنْهُ. وَلَعَلَّ الْعِبْءَ الْأَثْقَلَ يَسْتَقِرُّ عَلَى عَاتِقِ الْمُتَلَقِّي؛ فَهُوَ حَارِسُ بَوَّابَةِ قَلْبِهِ، وَمُنْفَذُ عَقْلِهِ، وَهُوَ الْمِصْفَاةُ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ تُفَلْتَرَ الْمَاءَ الزَّلَالَ مِنَ الْعِكْرِ، وَأَنْ يُمَيِّزَ بَيْنَ الْخَبَرِ الصَّادِقِ، وَالسُّمِّ الزَّعَافِ الْمُنْدَسِّ فِي طَيَّاتِ الْعِبَارَاتِ، وَالصُّورِ، وَالْمَشَاهِدِ، وَالْلَقَطَاتِ.

ــ إِنَّ وَعْيَ الْمُجْتَمَعِ الْيَوْمَ لَمْ يَعُدْ مُرْتَبِطًا بِوُفْرَةِ الْمَعْلُومَاتِ، بَلْ بِقُدْرَتِهِ عَلَى التَّثَبُّتِ السَّدِيدِ، وَاسْتِطَاعَتِهِ النَّقْدَ الرَّشِيدَ، وَقِيَامِهِ بِالْتَّحْلِيلِ الْهَادِئِ الَّذِي لَا تَغْلِبُهُ الْإِثَارَةُ، وَلَا تُخْدِعُهُ الْعَنَاوِينُ الْبَرَّاقَةُ، وَلَا تَسْتَدْرِجُهُ الشِّعَارَاتُ الْجَوْفَاءُ، وَلَا تَسْتَمِيلُهُ الدَّعَايَاتُ الْمُضَلِّلَةُ.

ــ هَذَا الْوَعْيُ لَيْسَ وَلِيدَ لَحْظَةٍ، وَلَا ثَمَرَةَ شِعَارٍ، بَلْ هُوَ حِصَادُ سِعَةِ أُفُقٍ، وَرَصَانَةِ عِلْمٍ، وَتَنَوُّعِ ثَقَافَةٍ، وَسَلَامَةِ خُلُقٍ، وَوُسْطِيَّةِ تَدِينٍ، وَرَجَاحَةِ عَقْلٍ، وَرَحَابَةِ صَدْرٍ، وَاسْتِوَاءِ نَفْسٍ ، هُوَ تَرْبِيَةٌ طَوِيلَةٌ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ حُرًّا فِي تَفْكِيرِهِ، عَادِلًا فِي حُكْمِهِ، رَحِيمًا فِي رَأْيِهِ، لَا يَنْجَرِفُ مَعَ كُلِّ مَوْجَةٍ، وَلَا يُسَلِّمُ أُذُنَيْهِ لِكُلِّ نَابِحٍ، وَلَا عَيْنَيْهِ لِكُلِّ فَاضِحٍ، وَلَا عَقْلَهُ لِكُلِّ نَائِحٍ ، فَأَخْطَرُ مَا بِهَذَا الْعَصْرِ لَيْسَ فِيضَ الْأَخْبَارِ، بَلْ سَيْلَ التَّأْوِيلَاتِ، وَلَيْسَ فِي كَثْرَةِ الْمَنَصَّاتِ، بَلْ فِي هَشَاشَةِ الْمَعَايِيرِ، وَكَثْرَةِ الْآفَاتِ، وَرُكَامِ الزَّلَّاتِ. فَإِنْ أَرَدْنَا خَبَرًا نَزِيهًا، فَعَلَيْنَا أَنْ نَكُونَ جُمْهُورًا وَاعِيًا، وَإِنْ أَرَدْنَا الْحَقِيقَةَ الْمُجَرَّدَةَ فَعَلَيْنَا أَنْ نَكُونَ عَلَى قَدْرٍ مِنْ ثَقَافَةِ الْبِنَاءِ، وَنَقْدِ بَنَّاءٍ، وَإِنْ أَرَدْنَا خِطَابًا رَصِينًا، فَعَلَيْنَا قَبْلَ إحْسَانِ الرَّدَّ أَنْ نُحْسِنَ الْإِصْغَاءَ ؛ فَبِقَدْرِ مَا نَرْتَقِي بِذَائِقَتِنَا الْفِكْرِيَّةِ، يَرْتَقِي الْخِطَابُ الْمُوَجَّهُ إِلَيْنَا؛ وَبِقَدْرِ مَا نُعَلِّي مِنْ شَأْنِ الْحَقِيقَةِ، تَخْجَلُ الْأَكَاذِيبُ أَنْ تَحُومَ حَوْلَنَا ، وَأَنْ تُحِيطَ بِنَا، وَهَكَذَا يَبْقَى الْأَمَلُ مُعْقُودًا عَلَى عَقْلٍ بِالْحَقِّ لَا يَأْفِلُ، وَقَلْبٍ مَا زَالَ بِالْوَعْيِ يَنْبُضُ، وَنَفْسٍ تَعْرِفُ أَنَّ الْكَلِمَةَ أَمَانَةٌ، وَأَنَّ نَشْرَهَا عَهْدٌ، وَتَلَقِّيَهَا مِيثَاقٌ، وَأَنَّ الْإِدْرَاكَ لَيْسَ تَرَفًا فِكْرِيًّا، بَلْ صِمَامَ أَمَانٍ لِأُمَّةٍ تُرِيدُ أَنْ تَرَى الْعَالَمَ بِعَيْنِهَا، لَا بِعَيْنٍ أُعِيرَتْ لَهَا، فَتَخُطُّ حَاضِرَهَا ، وَتُسَطِّرُ مُسْتَقْبَلَهَا بِيَدِهَا ، لَا بِيَدِ غَيْرِهَا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
🇮🇶 العراق 🇬🇧 المملكة المتحدة 🇫🇷 فرنسا 🇮🇹 إيطاليا 🇪🇸 إسبانيا 🇩🇪 ألمانيا 🇷🇺 روسيا 🇹🇷 تركيا 🇨🇳 الصين 🇬🇷 اليونان 🇮🇳 الهند 🇰🇷 كوريا الجنوبية