كتابات حرة

 9.القلب في شهر رمضان.. حين تستفيق الروح من غفلتها – هشام فرجي

received 2446779685663300

القلب هو موضع الأسرار، ومستودع الأنوار، وميدان الصراع بين النور والظلمة، بين الطمأنينة والاضطراب، بين الحق والباطل. فإذا صفا القلب، أشرقت الروح، وإذا أظلم، أطبق على النفس ليلٌ طويلٌ من التيه.

ها هو رمضان قد أقبل، وفيه تتفتح أبواب الرحمة، وتلين القلوب بعد طول قسوة، وتستيقظ الأرواح التي غمرها غبار الغفلة. في هذا الشهر، لا تتغير فقط مواعيد الطعام والشراب، بل تتغير القلوب، تتحرك نحو نور الهداية، وتتخلص مما ران عليها من صدأ الذنوب.

ففي كل إنسان، هناك قلبٌ ينبض، لكن ليس كل قلبٍ حيًّا، وليس كل حيٍّ بقلبٍ نابض.

فهناك قلبٌ سليم، طاهرٌ من الأدران، لا يحمل ضغينة، ولا يعرف إلا النور. وهناك قلبٌ مريض، تتقاذفه الأهواء، يتردد بين الحق والباطل، بين الإيمان والشهوة. وهناك قلبٌ قاسٍ، قد أغلق أبوابه في وجه النور، لا يعرف لله طريقًا، ولا يرقّ لموعظة أو ذكرى. ورمضان هو فرصةٌ لكل قلبٍ مريض أن يتعافى، ولكل قلبٍ قاسٍ أن يلين، فهو شهر ترويض النفوس، وشهر انتشال القلوب من قسوتها.

فلماذا يتغير القلب في رمضان ؟لأن الصيام هو انكسار النفس أمام الله، وخضوع الروح لسلطان الإيمان. فحين يجوع الجسد، يشبع القلب بذكر الله. وحين تعطش الحواس، ترتوي الروح بنور الطاعة. وحين تصمت الألسن عن اللغو، تتكلم القلوب بلغة الصفاء والنقاء.

إنها معادلة عجيبة! كلما نقص غذاء الجسد، زاد نور القلب، وكلما خفّت وطأة الشهوة، سَمَت الروح إلى معارج النور.

وإن أعظم ما قد يقدّمه الإنسان لنفسه بالإضافة إلى صلاة التراويح أو ختم القرآن، هو الاشتغال على قلبه، فيجعل منه قلبًا جديدًا، طاهرًا، صافيًا، خاليًا من كل ما يُكدّره.

فلنطهّر قلوبنا من الحقد والحسد، فإنهما يأكلان الحسنات كما تأكل النار الحطب. ولنغسلها من الذنوب بدموع التوبة، فإن القلب الذي لا يبكي على خطاياه قلبٌ قد مات. ولنجعل لها وردًا من الذكر، فإن القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد، وجلاؤها يكون بذكر الله.

فكيف نتصرف في رمضان لنلين قلوبنا ؟

1. بكثرة ذكر الله: فالقلب الذي لا يذكر الله، كبيتٍ مهجور قد غطّاه الغبار.

2. بالتوبة والاستغفار: فليس في الوجود قلبٌ أنقى من قلبٍ يبيت مستغفرًا، ويتنفس ندمًا على ماضيه.

3. بصحبة الصالحين: فكما تفسد الفاكهة بملامسة العفن، يفسد القلب بصحبة الغافلين.

4. بتدبر القرآن: فإن القرآن هو نبضٌ للقلب، ونورٌ للروح، وحياةٌ للنفس.

5. بالدعاء والتضرع لله: فإن أشد ما يُلين القلوب أن ترفع يديك إلى السماء قائلًا: “يا رب.. طهر قلبي، وخذ بيدي إليك.”

والقلب يغدو سليمًا معافى حين يصبح نقيًا من الكراهية، خاليًا من الغدر، طاهرًا من النفاق، ممتلئًا بالرحمة. وحين يحب الخير للناس كما يحبه لنفسه.

وحين يكون موصولًا بالله، لا تشغله الدنيا عن الآخرة.

وحين يدرك أن لا راحة إلا بالقرب من الله، ولا سعادة إلا في رضاه.

ختامًا، فيا من صمت يومك، اسأل نفسك :

هل صام قلبي كما صام لساني؟ هل امتنعت جوارحي عن الذنوب كما امتنعت عن الطعام؟ هل اقتربتُ من الله أكثر مما كنت عليه قبل رمضان؟”

فإن لم يكن رمضان رحلةً للقلب نحو النور، فقد فاتنا خيره، وخسرنا كنزه.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading