يميت ويحيي – نجيب محفوظ
الفتى (مخاطبًا الفتاة) : مؤامرة!
الفتاة : معاذ الله!
الفتى : مؤامرة.
الفتاة : افتح له صدرك.
العملاق : أشكركِ يا صوت العقل.
الفتى (للفتاة) : إني أطالبكِ بالاحترام.
الفتاة : قلبي ملؤه الاحترام والحب.
العملاق : لِمَ تعاند محبيك؟
الفتى : الحب قد يدفع إلى الهلاك.
الفتاة : الحب لا يتعامل إلا مع الحياة.
الفتى : إني أطالبكِ بالانسحاب.
العملاق : غريب أن تعامل الجمال والحكمة بهذه الفظاظة.
الفتى (للعملاق) : لا تتدخل في شئوني الخاصة.
العملاق : سمعًا وطاعة.
الفتاة : إني ذاهبة ما دمتَ ترغب في ذلك، ولكني أتوسَّل إليك أن تفتح له صدرك.
(الفتاة تذهب .. فترة صمت يتبادل فيها الرجلان النظرات، العملاق باسمًا والفتى غاضبًا.)
العملاق : الجو أصبح أصلح للمناقشة.
الفتى : ألم تستنفد المناقشة.
العملاق : كلا بعدُ، افتح لي صدرك، واتخذ بعد ذلك قرارك.
(الفتى يتنهد صامتًا.)
العملاق : أريد أن أساعدك.
الفتى : خبِّرني صراحة عما تريد ثمنًا لذلك؟
العملاق : إني صديق ولست بتاجر.
الفتى : حدِّثني عما تريد.
العملاق : لا شيء ألبتة.
الفتى : ألبتة؟
العملاق : إلا ما تتطلبه ظروف العمل طبعًا.
الفتى : ظروف العمل؟
العملاق : لكي أؤدب عدوك فلا بد من استدراجه إلى هنا.
الفتى : إلى مكاني هذا؟
العملاق : نعم.
الفتى : لا يجوز أن يدنس مقامي بقدمه.
العملاق : لا تعط المكان أهمية أكثر مما يستحق.
الفتى (مشيرًا إلى المصطبة) : إنه مقامي مذ كان مقامًا لهؤلاء.
العملاق : ولا تعطِ للأموات أهمية أكثر مما يستحقون.
الفتى : إذن هذا هو رأيك عن الأجداد؟
العملاق : إن باطن الأرض مليء بالعظام، وهيهات أن تعرف أين عظام أجدادك بينها.
الفتى : هذا رأي من لا أصل له.
العملاق : لا تغضب .. ما أردته هو أن أبين لك خُطتي في العمل.
الفتى : ولم لا تذهب إليه حيث يقهقه؟
العملاق : إني أعرف ما أريد.
الفتى : سأجاريك في أفكارك، فهل إذا وافقت على رأيك تشْرَع في العمل؟
العملاق : ولكن ليس هذا بكل شيء.
الفتى : ثمة شروطٌ أخرى؟
العملاق : لا تردد كلمة «شروط» فما أبغضها في مقام الصداقة.
الفتى : طيب .. ماذا تريد أيضًا؟
العملاق : في فترة التأهب للمعركة أحتاج لرعايةٍ خاصة.
الفتى : مثال ذلك؟
العملاق : تقدم لي الطعام والشراب والترفيه الضروري.
الفتى : جميل، ولكن يُخيَّل إليَّ أن مطالبك لم تنتهِ بعد؟
العملاق : ما أجمل أن تدعو الفتاة الجليلة لمجالستنا!
الفتى : فتاتي؟
العملاق : إنها قلبٌ كبير يتسع للجميع.
الفتى : ولعله يتسع أيضًا لعدونا المشترك؟
العملاق : أعني أنني في حاجة إلى الحنان قبل المعركة.
الفتى : وماذا أيضًا؟
العملاق : بما أنني سأكون يدك عند الحاجة فمن الإنصاف ألا تتورَّط في فعلٍ قبل مشاورتي.
الفتى : منطقٌ سديد!
العملاق : ولا أن تصادق شخصًا قبل موافقتي؛ فقد يكون لي عدوًّا.
الفتى : واحد وواحد يساويان اثنين.
العملاق : ولا أن تعادي شخصًا قبل الرجوع إليَّ؛ فقد يكون لي صديقًا.
الفتى : من يجادل في ذلك؟
العملاق : هل نبدأ!
الفتى : أودُّ أن أسألك سؤالًا، هل يمكن أن يفعل بي عدوي أكثر من ذلك؟
العملاق (مستنكرًا) : ولكن الفعل يتغير معناه بتغيُّر فاعله.
الفتى : فاعله؟!
العملاق : قُبلة من زوجكَ غير قبلة من بنت هوًى، وصفعة من والدك غير صفعة من غريب!
الفتى : وأنت تعتبر نفسك الوالد والزوجة لي؟
العملاق : بدأنا نتفاهم فيما أعتقد.
الفتى (غاضبًا) : اغْرب عن وجهي.
العملاق : ماذا جرى لك؟
الفتى : اذهب .. اذهب بلا تردد.
العملاق : أين أذهب؟
الفتى : ابعد عن مقامي.
العملاق : ولكنه مقامي أنا أيضًا.
الفتى : ماذا قلت؟
العملاق : يا سيدي، مضى وقتٌ طويل ونحن نتبادل الحديث، وقت يعطيني الحق في الإقامة، وبالإضافة إلى ذلك نشأت علاقةٌ إنسانيةٌ صميمة مع فتاتك الحكيمة، بل مع هؤلاء الأجداد أنفسهم.
الفتى : أنت بلطجي.
العملاق : فليسامحك الله.
الفتى : اذهب بعيدًا، لا أريد مساعدتك، وسألقى عدوي وحدي!
العملاق : عليك في هذه الحال أن تقاتل اثنين!
الفتى : كيف؟
العملاق : إنك تناصبني العداء، وسأضطر إلى الدفاع عن نفسي.
الفتى : تهاجمني لأنني أرفض مساعدتك؟
العملاق : لأنك تريد أن تطردني من مقامي، وتعطل وظيفتي الأساسية في الحياة.
الفتى : لا تستهن بي، لستُ عملاقًا مثلك، ولكنني مصمم على منازلة الموت نفسه.
العملاق : ما دمت تريد الموت فلتَمُت.
الفتى : سأموت إذا متُّ وأنا أقاتل.
العملاق : إذن فلتقاتل ولتمُت.
(تعود الفتاة مسرعة.)
الفتاة : أردت أن تفتح صدرك للتفاهم لا للموت.
الفتى : إنه شر من الآخر.
العملاق : إنه أحمق.
الفتى : إنه من النوع الآخر ولكنه شرٌّ منه.
الفتاة : يا للأسف!
الفتى : لا منفذ إلى حياةٍ طيبة مع وجودهما.
الفتاة : متى أسمع كلمةً جميلة تتردد؟
الفتى : عندما يختفيان هما وأمثالهما.
الفتاة : كلامٌ قديمٌ مُعاد.
الفتى : ولكنه حق.
الفتاة : متى أسمع كلمةً جميلة تتردد؟
العملاق : إني أردد هذه الكلمة المنشودة ولا من سميع.
الفتاة (للعملاق) : ألا يمكن أن تقيم ميزان العدالة بلا شروط؟
العملاق : إني أبغض كلمة «شروط».
الفتاة : ألا يمكن أن تقيم ميزان العدالة دون أن تطالب بشيء؟
العملاق : لن يكون هذا من العدل في شيء.
الفتاة : متى أسمع كلمةً جميلة تتردد؟
(صوت القهقهة الهازئة يترامى من بعيد، العملاق ينصت إلى الصوت باهتمام ودهشة.)
العملاق : رباه .. إني أعرف هذا الصوت.
الفتاة : إنه صوت عدوِّه.
العملاق : عدوِّه!
الفتاة : نعم.
العملاق : يا لعجائب المصادفات!
الفتاة : هذا هو الرجل الذي قصدت بتقديم مساعدتك القضاء عليه.
العملاق : ها .. ها .. ها.
الفتاة : ماذا يُضحك؟
العملاق : إنه قريبي من ناحية الأم.
الفتاة : قريبك؟
العملاق : نعم، يا لذكريات الطفولة السعيدة التي لا تُنسى!
الفتى : ظننتك تعرف العدو الذي جئت متطوعًا لضربه.
العملاق : ها .. ها .. ها.
الفتى : ألا زلت عند رأيك في مساعدتك؟
العملاق : ولكنك رفضت مساعدتي!
الفتى : هبني قبلتُها فهل تقدمها؟
العملاق : مع كافة الشروط التي اشترطتها؟
الفتى : لكنك تبغض كلمة «شروط»!
العملاق : نعم أم لا؟
الفتى : نعم.
العملاق : في هذه الحال ألعب دور رسول السلام بينكما.
الفتى : رسول السلام؟
العملاق : إكرامًا لهذه الفتاة الحكيمة ولك.
الفتى : وتعهداتك السابقة؟
العملاق : للقربى حقوق، وإني لا أوفِّيها حقها الكامل بموقفي هذا.
الفتى : ولكنه هو المعتدي.
العملاق : ولو!
الفتى : وهو في الأصل قاطع طرق ليس إلا؟
العملاق : ولو!
الفتى : إنه وحشٌ ذميم.
العملاق : إنك لا تراه على حقيقته.
الفتى : ألم تسمع قهقهته الساخرة؟
العملاق : هذه هي طريقته في المزاح، يا له من شاب خفيف الروح حقًّا!
الفتى : ولكني أعرفه حق المعرفة، من خلال المعاملة والجوار والصراع عرفته.
العملاق : صدقني إنه لا يكشف عن مكنون كنوزه إلا لمن يحبه ويفهمه.
الفتى : بل لا تلين عريكته إلا لمن يشكمه بالتأديب والضرب.
العملاق : أحمد الله على أنك لم تتمكن من ضربه.
الفتى : ولِمَ؟
العملاق : كنت سأهرع إلى نجدته.
الفتى : ها أنت تهددني.
العملاق : للقرابة حقوق.
الفتى : تجلت الحقيقة، فما أنت إلا بلطجي كقريبك.
العملاق : يا له من تفكيرٍ خَليق بأن يقود إلى الهلاك.
الفتى : لا تضيع وقتي هباءً.
العملاق : تصرف بوقتك كما تشاء.
الفتى : سأُسوِّي حسابي بنفسي.
العملاق : أنت تعلم أن هذا الكلام لا معنى له، وقد وضحت لك أهداف وظيفتي.
الفتى : اللعنة!
العملاق : إني صديقك أردتَ أم لم ترد، وإني قريبه قبلت ذلك أم لم تقبله، وأنا أكبر منكما سنًّا وأعظم قوة، فواجبي أن أجمع بين ثلاثتنا بعهد صداقةٍ دائمةٍ جديرة بهذا المكان الذي يؤاخي الأحياء والأموات أنفسهم.
الفتى : كلامٌ طيب، ونيةٌ لئيمة، وفعلٌ غشوم.
العملاق (مخاطبًا الفتاة) : تكلمي أنتِ.
الفتاة : لم يعد عندي من جديد أقوله.
الفتى : اعترفي بأنني على حق.
الفتاة : أعترف بأنه لا يهمني في هذا الوجود إلا الحب.
العملاق : كم أنكِ حكيمة!
الفتى : كم أنكِ أنانية!
الفتاة : الحب عطاء بلا حدود ولا نهاية.
الفتى : الوحش يأخذ ولكنه لا يعرف العطاء.
الفتاة : ليتك تؤمن بالحب.
الفتى : لا حياة للحب بين الوحوش.
الفتاة : الحب أقوى قوة في الوجود، بيد أنه سلاح لا يسلس إلا لمن يؤمن به.
الفتى : للوحوش لغةٌ أخرى.
الفتاة : أخشى أن تنقلب وحشًا مثلهم.
الفتى : الكرامة أهم من الحياة نفسها.
الفتاة : الفضائل الحقيقية ثمار لا تنبت إلا فوق شجرة الحب.
العملاق (مخاطبًا الفتى) : من المؤسف أنك تحب الموت أكثر مما تحب فتاتك الجميلة الحكيمة.
الفتى : الموت أحب إليَّ من الخضوع لإرادتك.
(القهقهة الساخرة تترامى من بعيد.)
العملاق : يا له من فتًى ضحوك، يحب المزاح بقدر ما يحب الحياة الآمنة!
الفتى : إنك لئيم بقدر ما أنت قوي.
العملاق : أمامك عملاقان، ووراءك حياةٌ طيبة، فارجع إلى الوراء.
الفتى : إلى الأمام.
العملاق (للفتاة) : أقترح أن ندعه لنفسه ليفكر بهدوء فإن الجدل يغريه بالعناد والمكابرة.
(العملاق والفتاة يخرجان من بابَين متقاربَين في الناحية اليمنى.)
(الفتى يتفكر قليلًا … ينظر ناحية المصطبة المسربلة في الظلام.)
الفتى : آن لكم أن تنطقوا.
الصدى : تنطقوا.
(الفتى يلوح بيده غاضبًا .. يذهب ويجيء متفكرًا .. يدخل رجلٌ أعمى يتحسس طريقه بعكاز، يتنصت مائلًا برأسه نحو الفتى.)
الشحاذ : هل يوجد أحد هنا؟
الفتى : نعم.
الشحاذ : أنت الذي ناديتني؟
الفتى : كلا.
الشحاذ : لكنه صوتك، وأُذني لا تخطئ.
الفتى : خبَّرني عما تريد.
الشحاذ : ماذا تريد أنت؟
الفتى : ألستَ شحاذًا؟
الشحاذ : بلى.
الفتى : لعلك تريد إحسانًا؟
الشحاذ : رزقتُ اليوم بما فيه الكفاية، فماذا تريد أنت؟
الفتى : لا أريد شيئًا.
الشحاذ : كذب!
الفتى : شحاذ ووقح.
الشحاذ : لِم تشتمني؟
الفتى : كيف تجرؤ على رميي بالكذب؟
الشحاذ : لأنك كذاب!
(الفتى يرفع يده ليضربه، ولكنه يتراجع أمام عجزه.)
الفتى : اذهب قبل أن أكسر رأسك.
الشحاذ : لا أذهب حتى أعرف لماذا ناديتني؟ وماذا تريد مني؟
الفتى : اذهب أحسن لك.
الشحاذ : ليس قبل أن أعرف ماذا تريد؟
الفتى (ساخرًا) : وهل عندك ما تعطيه؟
الشحاذ : اطلب ما تشاء.
الفتى (ضاحكًا رغمًا عنه) : إني مَدين لك بأول ضحكة في يومي.
الشحاذ : هذا قليل من كثير مما عندي.
الفتى : يخيل إليَّ أنك غني.
الشحاذ : جدًّا.
الفتى : ماذا تملك؟
الشحاذ : عالم الظلام الذي لا نهاية له.
الفتى : أنت خفيف الروح رغم سلاطة لسانك، وكان ينبغي أن تجد ملجأً يؤويك.
الشحاذ : التحقت ذات يوم بملجأ.
الفتى : ولِم تركته؟
الشحاذ : رُفتتُّ!
الفتى (ضاحكًا) : أسمع أول مرة عن رفت الشحاذين!
الشحاذ : كان ناظر الملجأ فظًّا غليظًا، ولصًّا لا حياء له.
الفتى : وتوقع أن تسبحوا بحمده على أي حال؟
الشحاذ : ولكن بعضنا تمرد، وكنت على رأس المتمردين.
الفتى : وفضلتَ أن تهيم على وجهك بلا مأوى؟
الشحاذ : نعم.
الفتى : ولكن أليس الملجأ بكل عيوبه أفضل من التسول والتشرد؟
الشحاذ : الحرية أفضل من الأمن نفسه.
الفتى : يخيل إليَّ أنك شحاذٌ مثقف!
الشحاذ : أعرف أشياء كثيرة.
الفتى : مثل ماذا؟
الشحاذ : أن أرى بأذني.
الفتى : وماذا أيضًا؟
الشحاذ : وأن أسير على يديَّ!
الفتى : أنت ترى بأذنَيك وتسير على يديك!
الشحاذ : وصادفني في تجوالي بعض الرسميين فقادوني مرةً أخرى إلى الملجأ.
الفتى : إلى الوحش؟
الشحاذ : كلَّا، كان قد خلفه ناظرٌ جديدٌ عادل وأمين ورحيم.
الفتى : وكيف تركته بعد ذلك؟
الشحاذ : هربتُ.
الفتى : غير معقول.
الشحاذ : كان عادلًا وأمينًا ورحيمًا، ولكنه مغرم بالنظام لدرجة الهوس، ويطبقه بدقةٍ فلكية، ولا يقبل مراجعة.
الفتى : ولكنك نعمت بالغذاء والكساء والراحة والنظافة.
الشحاذ : الأكل بميعاد والشرب بميعاد و«ولا مؤاخذة» بميعاد والنوم بميعاد، فكدت أن أجن!
الفتى : وتمردت مرةً أخرى؟
الشحاذ : حتى التمرد حُرمتُ منه، فلم يطاوعني ضميري على التمرد على رجلٍ عادلٍ أمينٍ رحيم.
الفتى : كان عليك أن ترضى.
الشحاذ : حتى التمرد حُرمت منه!
الفتى : التمرد ليس خيرًا في ذاته.
الشحاذ : ولكنه خير من أن تكون حجرًا.
الفتى : وهكذا هربت؟
الشحاذ : هكذا هربت.
الفتى : إلى التراب والحشرات واللقمة العفنة!
الشحاذ : إلى سعادتي الحقيقية.
الفتى : حديثك مثير وعجيب.
الشحاذ : فتك بعافية.
(الشحاذ يتحرك.)
الفتى : انتظر، (الشحاذ يستمر في سيره). ألا تريد أن تسمعني؟
(يمضي الشحاذ حتى يختفي.)
(يعود العملاق .. تعود الفتاة.)
الفتاة : قلبي طيلة الوقت معك.
العملاق : لعلك اقتنعت برأيي.
الفتى : أيها السيد الذي يحب الشر، ويحب الخير أحيانًا لحساب الشر. أيتها السيدة التي تحب الخير، وتحب الشر أحيانًا لحساب الخير. إليكما رأيي النهائي. سأصون كرامتي حتى الموت.
(الفتاة تُخفي وجهها بين يديها، وستظل كذلك إلى ما قبيل النهاية.)
العملاق : شعار الوباء الذي فتك بملايين الحمقى.
الفتى : ينابيع الحياة الحقة مهددة بالجفاف، أشواق القلب الخالدة يساومها الضياع، سحقًا للوحشة التي تذبل فيها معاني الأشياء، إني ذاهب. (القهقهة الساخرة ترتفع)، (الفتى يتحول نحوها في تصميم ويتقدم، العملاق يثب نحوه، الفتى يدفعه. العملاق يقبض على كتفَيه ويدفع به نحو المصطبة، الفتى يندفع حتى يغيب في الظلمة، الفتى يرتد كأنه كرة ارتطمت بجدار منقلبًا على وجهه ثم يقف مترنحًا، وكأن حركته أيقظت الرقود وشدتهم من رقادهم. يتدحرج أولهم حتى يصل إلى مقدم المسرح، وينهض في تثاقل كمن يقوم من نوم، يتبعه آخر مكررًا نفس الحركة، ويتتابع كثيرون؛ رجالًا ونساءً مكرِّرين نفس الحركات حتى يكتظ بهم المسرح. العملاق يتزحزح رويدًا رويدًا حتى يغيب في المدخل المفضي إلى القهقهة الساخرة، تتم يقظة الجميع، تنتصب قاماتهم، يرتسم العزم في وجوههم. يجري ذلك في تمثيلٍ صامت. يسير الفتى نحو ناحية عدوه وهو يضرب الأرض ضرباتٍ مسموعةً منتظمة. يمضون خلفه في عزمٍ صلب حتى يختفوا جميعًا، ضربات أقدامهم ما زالت تترامى.)
(الفتاة ترفع يديها عن وجهها .. تصغى بحزن .. وترمي بنظرها إلى بعيد.)



