مقالات اجتماعية

وقفة الأم في المطبخ الرمضاني: من الفعل اليومي إلى الرمز الثقافي المستمر-ا.د حمام محمد  جامعة الجلفة..الجزائر

صورة شخصية لرجل بالغ يرتدي نظارات، يجلس مع يديه المتشابكين ويتطلع بتعبير جاد.

خلاف عن ما يُقال عن الأم في الرسائل السماوية والقوانين الوضعية من تقديسٍ ورعايةٍ واهتمام، يأتي الدليل المادي والحيّ لدورها في صناعة النفس المتجددة. فلا أصغرَ أسرةٍ في العالم — وهي الأسرة — إلا وتثبت، في كل المصادر والأديان، أن الأم هي ركيزة الإنشاء الأول في السيرة الإنسانية، ولولاها لما تمت حاكمية الله الزوجية، كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (الروم: 21).

 اعتُبرت رمزًا حقيقيًا لمواصلة التكوين واستمرار التناسل والتكاثر، وهو ما يجعلها مركز الاستمرار الرمزي داخل الجماعة. فحتى لا نقول إنها النصف من الرجل — وربما نكون في جحود إن أنقصنا درجة القوامة للرجل على المرأة كما ورد في قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ (النساء: 34) — يبقى أن الأنثى في أسرتها هي المحرّك الداخلي، والبنية الحاضنة للمعنى.

لا أريد أن أصف استيطيقيًا دور الأم بما يتعلق بانبعاثها الروحي، وإنما أتناول بعض الرموز الممثِّلة لها، انطلاقًا من كونها رمزية استمرار وتناسل وتكاثر، وهذا شيء مهم؛ إذ إن الأم، في المنظور الأنثروبولوجي، تمثل ما يسميه مارسيل موس “العطاء الكلي” الذي يُعيد إنتاج الروابط الاجتماعية عبر منطق الهبة والتبادل الرمزي. كما أن دورها يتجاوز الوظيفة البيولوجية إلى الوظيفة الرمزية، حيث تُعيد إنتاج القيم والعادات داخل الجماعة، وهو ما ينسجم مع تصور إميل دوركايم للدين باعتباره نظامًا من الممارسات التي تحافظ على تماسك الجماعة وتُعيد إنتاج التضامن الجمعي.

ومن جهة أخرى، اعتُبرت الأم مكانًا فضوليًا لردّ الجميل والاعتبار، كما فرضته الظروف التكنولوجية الحالية التي أصبحت حياتنا فيها على جناح الطرق السريعة للمعلومات؛ إذ رغم تسارع الإيقاع الرقمي، تبقى الأم نقطة الثبات الرمزي داخل الأسرة. ومن ناحية رمزية، فهي وسيلة للتآلف والرحمة والوصل بين الأبناء في كل نماذج الأسر: البسيطة، والمركبة، والمتعددة. ويعزز هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (الإسراء: 23)، وقوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ (العنكبوت: 8).

وإذا نظرنا إلى الأمر من زاوية التأويل الرمزي كما عند كليفورد غيرتز، فإن الأم ليست مجرد فاعل داخل الأسرة، بل “نصًّا ثقافيًا” حيًّا، تُقرأ من خلاله معاني الرحمة والسلطة الحانية والاستمرارية. إنها البنية العميقة التي تُنتج المعنى داخل الفضاء الأسري.

إن وقفة الأم في المطبخ في رمضان هي وقفة ثقافية، تُعلِّم فيها البنات والكنّات أسسًا ثقافية جديدة في تحضير الثقافة المطبخية؛ فبمشاهدتها وهي تمارس إعداد الوجبات القديمة والحديثة بطريقة تقليدية، تزيد من إعلاء مهارتها الرمضانية، رغم تقدم التوصيات المطبخية والبودكاستات الجديدة. إلا أن الأم يبقى تواجدها في المطبخ بمثابة علامة رفيعة لا يقدر على بلوغها حتى النجباء.

فما الذي يحصل أمام الكنّات وبناتها؟ إنه توقفٌ لحظيّ، تتوقف معه معارفهن في فنون الطبخ؛ حيث يُمارَس في الرمضانية طقسُ التقطير ومزج البهارات والتوابل، بل حتى طريقة غسل الأواني المستعملة في الطبخ، والتي أصبحت عسيرة على المتقدمات، بينما الأم يزداد إبداعها وسط كنّاتها وهنّ يستمعن إلى انتقاداتها لعلّهن يتزوّدن. ومن خلال هذا الثقل التراثي لدور الأم في الأسر البسيطة والمركبة، قد تكتسب العجوز نوعًا من الحقد غير المعلن على العجوز الأخرى التي تتفنن في إقناع ابنها بأكل أي شيء، المهم أن يكون قد صُنِع من قِبل الأم، وسأعود إلى هذا الموضوع المستقل مرة لاحقة.

فالمعنى لتدخل العجوز في المطبخ هو معنى ثقافي، يؤدي إلى تنمية مهارة الزوجة الجديدة، ويجعلها حساسة في جميع المناحي، لا لشيء بارد أو وارد، بل لتفاصيل الدفء الرمزي الذي يُنتج داخل الطقس الرمضاني.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading