سينما ومسرح

مونودراما: النائب (Député) ✍ بلعربي خالد

صورة حفل زفاف في قاعة كبيرة مع ضيوف يجلسون في الخلفية. يظهر العريس والعروس في المقدمة، بينما يجلس رجل في مقعد مميز يرتدي نظارات شمسية. النصوص بالعربية تتحدث عن نائب وكاتب.

الفصل الأول

(إضاءة خافتة، النائب يقف أمام منضدة مليئة بالملفات، يتحدث وكأنه يكتب تقريرًا رسميًا، ثم ينكسر الخطاب إلى اعترافات شخصية)

النائب:

كل يوم أوقّع عشرات الأوراق…

قرارات، أوامر، تعليمات، كلها تحمل ختم الدولة واسمي.

لكن خلف كل ورقة قصة، هناك إنسان، هناك دمعة لم تُكتب.

(يفتح ملفًا، ينظر فيه، ثم يخاطب الجمهور)

هذا القرار… نقل موظف من مدينته إلى أخرى.

على الورق: “لأسباب تنظيمية”.

لكن الحقيقة؟ ضغط من مسؤول أكبر، نزوة من صاحب نفوذ.

وأنا؟ أنا مجرد نائب، أوقّع وأصمت.

(يتنفس بعمق، يضع الملف جانبًا)

أحيانًا أشعر أنني لست سوى ظل… ظلّ يمرّر ما يُملى عليه.

أين أنا؟ أين صوتي؟ أين ضميري؟

كلما حاولت أن أقول “لا”، وجدت عشرات الأعين تراقبني، تنتظر سقوطي.

(يتقدم نحو الجمهور، بصوت متوتر)

هل تعرفون معنى أن تكون نائبًا؟

أن تكون واجهة بلا قلب، أن تُحمَّل كل المسؤوليات دون أن تملك القرار،

أن تُحاسَب على أخطاء غيرك، وتُكافأ بالصمت فقط.

(يضحك ضحكة قصيرة ساخرة)

يقولون إن دوري هو سنّ القوانين…

لكن القوانين تُكتب في مكان آخر، وأنا فقط أرفع يدي للتصويت.

أحيانًا أشعر أن يدي لم تعد يدي، بل زرّ كهربائي يُضغط عليه حسب التعليمات.

(بنبرة ساخرة)

ويقولون أيضًا إنني أراقب الحكومة…

أراقبها كما يراقب القطّ سمكة في حوض زجاجي: يراها، يشتهيها، لكنه لا يلمسها.

كلما حاولت أن أقول “لا”، وجدت عشرات الأعين تراقبني،

تنتظر سقوطي لتصفق بحرارة، وكأنني بطل في مسرحية عبثية.

(يبتسم بسخرية)

أما التواصل مع الشعب؟

فهو لقاءات دورية أستمع فيها إلى شكاواهم، ثم أعود لأكتب تقريرًا بعنوان:

“المواطنون سعداء جدًا”.

حتى عندما يصرخون في وجهي، أكتب: “تفاعل إيجابي”.

(يجلس، يضع رأسه بين يديه، ثم يصرخ ساخرًا)

الدفاع عن الحقوق؟

أدافع عنها كحارسٍ يقف أمام بابٍ مغلق: أبتسم، بينما الداخل يُنهب.

والمساهمة في التنمية المحلية؟

أقصى ما فعلته هو قصّ شريط افتتاح لمشروع لم يكتمل،

ثم التقطت صورة تذكارية.

(بمرارة)

حتى في بيتي، لم أعد أبًا…

أنا النائب، حتى أمام زوجتي وأولادي.

كل كلمة أقولها تُحسب، كل حركة تُفسَّر، كل نظرة تُراقَب.

(بصوت خافت)

أحيانًا أريد أن أصرخ: “كفى!”

لكنني أعود فأوقّع، وأبتسم، وأمثّل دوري…

دوري الذي لم أختره، لكنه اختارني.

وأنا الآن أسير فيه…

حتى يوم زواج ابني، حيث سأكون النائب… لا الأب.

(إضاءة تنطفئ تدريجيًا)

الفصل الثاني

 زواج ابن النائب

(خشبة المسرح شبه مظلمة، كرسي في الوسط، الرجل يرتدي بدلة رسمية، يحمل ملفًا)

النائب:

اليوم زواج ابني… نعم، ابن النائب.

الجميع حضروا: المسؤولون، الصحفيون، الكاميرات،

حتى أولئك الذين لا يعرفون اسمه.

كانوا يصفقون، يبتسمون، يلتقطون الصور،

وكأن الزواج حدث وطني لا علاقة له بالبيت ولا بالرحم.

(ينظر مباشرة إلى الجمهور)

لكن… هل سأل أحد عن قلبي؟

أنا الأب قبل أن أكون نائبًا.

أنا الذي ربّيته، علّمته أن يرفع رأسه بين الناس.

واليوم، وأنا أراه عريسًا،

لم أستطع أن أقول له كلمة واحدة من القلب.

كل ما قلته كان بروتوكولًا:

“مبروك، نتمنى لك حياة سعيدة”.

(يجلس)

ملفاتي أثقل من فرحي.

كل ورقة هنا قرار، كل توقيع مسؤولية،

وكل مسؤولية جدار بيني وبين ابني.

حتى في يوم زواجه، بقيت أنا النائب… ولم أكن الأب.

(ينهض فجأة)

أيها السادة!

ابني ليس مشروعًا سياسيًا،

ليس صورة في جريدة،

ليس خبرًا في نشرة الثامنة.

ابني إنسان…

يريد أن يحب، أن يضحك، أن يعيش بعيدًا عن هذه الأضواء.

(بصوت منخفض)

لكنني سجنتُه في عالمي…

عالمي الذي لا يعرف إلا النائب،

ولا يعترف إلا بالمناصب.

واليوم، وأنا أراه يبتسم لعروسه،

أدركت أنني غريب في عرسه…

غريب، كأي ضيف جاء ليؤدي واجبه ثم يرحل.

(يضع يده على قلبه)

هل سيغفر لي؟

هل سيعرف أنني كنت أحبّه، لكنني لم أجد وقتًا لأقولها؟

“ربما… في حياته القادمة، سيحصل على أب… لا نائب.”

أم سيبقى… ابن النائب،؟

(إضاءة خافتة، الستار يُسدل ببطء)

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading