مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
كتابات حرة

11. الأم.. حين تتجسد الرحمة في إنسان -هشام فرجي

received 2446779685663300

“هي النبع الأول للحياة، وهي اليد التي رتّبت فوضى قلوبنا منذ ولادتنا، وهي الوجه الذي تنعكس عليه ملامح الرحمة حين تضيق بنا الأرض.”

حين يحل رمضان، لا تتغير فقط مواعيدنا، بل تتغير قلوبنا، تنبعث فيها أنوار الصفاء، وتتحرك فيها مشاعر العرفان، ومن أول الأبواب التي يجب أن ندخل منها في هذا الشهر المبارك: باب البرّ بالأم.

ورمضان هو صيامٌ عن الغفلة، عن الجفاء، عن نسيان من كان لها الفضل الأول في وجودنا. فمن كان يريد أن يكون قريبًا من الله في رمضان، فليبدأ بالأقرب، بالأحنّ، بالأمّ.

فحين نبحث عن أصدق حب، وأصفى عاطفة، وأطهر قلب، لا نجد سوى الأم. هي ذلك الكائن العجيب الذي يجعل الحياة ممكنة رغم كل الصعاب، هي السيدة التي تهبنا عمرها قطرةً قطرة، دون أن تنتظر شيئًا في المقابل. من منا لم يجلس على مائدة الإفطار وهو يسمع صوت أمه تدعو لنا بين الآذان والإقامة؟ من منا لم يشعر بالطمأنينة حين يسمعها تلهج بالدعاء في السحر، تدعو لنا حتى ونحن غافلون عنها؟

كل واحدٍ منا يحمل في داخله بصمة أمه، في صوته، في كلماته، في نظراته، وحتى في طريقة حزنه وفرحه. كانت هي أول من علمنا كيف نبتسم، وأول من عرف دموعنا قبل أن ننطق بالكلام، وأول من رتب قلوبنا على الإحساس بالدفء في هذا العالم البارد.

فهل تذكر كيف كانت تسهر بجوارك حين كنت مريضًا؟ وهل تذكر كيف كانت تفرح لنجاحك أكثر منك؟ وهل تذكر كيف كانت تخفي دموعها حتى لا تحزنك؟

يقال إن الله لم يخلق شيئًا يشبه رحمته في الأرض أكثر من قلب الأم، فهي التي تعطي دون أن تمل، وتسامح دون أن تشتكي، وتدعو لنا ونحن غافلون عنها.

فحين قال النبي ﷺ: “الجنة تحت أقدام الأمهات”، لم يكن ذلك مجرد تشريف، بل كان حقيقةً يدركها كل من فقد أمه. فالذي فقد أمه يعرف أن جزءًا من الجنة كان يسير بجانبه، لكنه لم يدرك ذلك إلا بعد فوات الأوان.

أمي…

يا أول نغمةٍ عزفتها الحياة في مسامعي، ويا أول يدٍ أمسكتُ بها مخافة السقوط. أنتِ أول الأوطان، وأصدق الأمان، وأحنّ من سكب الحنام على صدري. إن قلتُ “أحبكِ”، فذلك قليل، وإن سكبتُ الحروف بين يديكِ، فذلك لا يكفيكِ. كل ما في الكون يذبل إلا قلبكِ، وكل شيءٍ يفتر إلا دعاؤكِ، وكل حبٍّ يتبدل إلا حبّكِ. أنتِ الوحيدة التي إذا اغضبتها ، عادت فاحتضنتني، وإذا ابتعدتُ، ظلت أبواب قلبها مشرعة لي. لو كان للعمر صوت، لكان صوتكِ، ولو كان للسماء ظلٌّ يمشي على الأرض، لكان ظلكِ.

فالأم لا تتكرر..إن كانت حيةً، فاحملها في قلبك كما حملتك في قلبها، لا تنتظر أن تطلب منك شيئًا، بل اسأل عنها، اجلس معها، قبّل يديها، وكن لها السند الذي تستحقه.

وإن كانت رحلت عن الدنيا، فكن لها الابن الصالح الذي لا ينساها في دعائه، وكن ذلك الخير الذي يستمر بعد وفاتها.

فلا تؤجل الحب، فالأم لا تعوّض، وإن غابت، ستدرك أنك كنت تسير تحت ظلٍّ لم تكن تراه.

“اللهم احفظ أمهاتنا، وبارك في أعمارهن، واغفر لمن رحلت منهن، وأكرمهن بجنات الفردوس.”

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading