متلازمة التحذلق النحوي: غواية اللفظ وسقوط المعنى

بقلم : عماد خالد رحمة _ برلين
من بديع ما تصوغه ألسنة الفكر وأقلام البيان أن يقف المرء حيال اللغة موقف العارف بسرّها، المحيط بكنهها، غير أنّ هذا الموقف، حين يجنح عن حدّ الاعتدال، يتحوّل إلى عاهة فكرية ومعضلة معرفية، يطلق عليها أهل النظر في العصر الحديث اسم: “متلازمة التحذلق النحوي”.
وما التحذلق إلّا المبالغة في التشدّق بقواعد النحو واللغة، حتى يغدو غاية في ذاته، لا وسيلة لإفهام ولا أداة لتوصيل، فإذا بالمتحدث لا يسعى إلى المعنى بقدر ما يجهد في استعراض ملكته النحوية وتفننه اللفظي، كأنما البيان صار مسرحاً لاستعراض القوة لا رحاباً للمعرفة والجمال.وهذا يدفعنا لمعرفة ما يمكن أن نطلق عليه (أصل الداء) باحثين عن كنهِهِ .ومتسائلين عن مكمن انبثاق التحذلق.
لا ريب أنّ اللغة العربية قد نُسِجَت خيوطُها الأولى في عصورٍ كانت الفصاحة فيها سيّدة، والبلاغة تاجاً، والنحو عماداً لسلامة التعبير وصفاء المعنى، فكان العربيّ لا يرفع لفظاً ولا ينصب معنى إلّا وهو يستشعر قداسة البيان ووزنه، يحسب للكلمة وزنها كما يحسب الصائغ للؤلؤ مثقاله.
غير أنّ هذا الحسّ السليم قد انحرف عند البعض من أرباب “الصنعة” حين غلبت فيهم صورة القاعدة على روح الكلام، فصاروا يرون في النحو غاية تُبتغى لا وسيلة تُتوسّل، وأصبحوا يُلقون على الألسنة قيوداً من “يجب” و”لا يجوز” دون أن يُراعوا مقتضى الحال، ولا سياق المقال، ولا حاجات الخطاب الحيّ في زمان متحوّل.
هكذا تولّدت “متلازمة التحذلق النحوي”، بوصفها نزوعاً مَرَضيّاً إلى تصيُّد الأخطاء، وتعقّب الزلات، وتضييق ميدان التعبير، وكأنما البيان ليس إلّا امتحاناً مستمراً في قواعد الإعراب وأصول التصريف.
بين قداسة النحو وغواية التحذلق:
ليس من ضيرٍ أن يُعظّم العربيّ نحوَ لغته، فهو تاج البيان وروح الفصاحة، لكن المأساة حين تتحوّل هذه العناية إلى غواية شكلية تستفرغ الجهد في طلب اللفظ الصحيح على حساب المعنى العميق.
فالذي يَشغل باله بإعراب كل لفظة، وحركة كل آخر، يُوشك أن يغفل عن موسيقى الكلام، وتدفّق المعنى، وجمالية الصوغ، وهو بذلك يخسر رسالة الخطاب التي هي الأصل، لينشغل بقشورٍ شكلية ليس عليها مدار الفهم ولا قطب المعنى.
إنّ النحو الصحيح ضرورة لا ريب، لكنه الضرورة الصامتة التي ينبغي أن تخدم الفكر لا أن تستعبده، أن تكون وراء البيان، لا أمامه، أن تعمل في الخفاء لا في العلن، لأن مهمتها حفظ المعنى لا استعراض الصنعة.
علامات المتلازمة: حين ينقلب الفهم إلى فخّ:
تُشاهد هذه المتلازمة في عصرنا في صور شتى. المتحدث الذي يقطع جريان المعنى ليصحح خطأ عابراً – ولو كان غير مخلّ – في كلام غيره، غير مبالٍ بسياق الحديث أو انسجام الخطاب.
المعلّم الذي يوبّخ الطالب إذا خالف حركة إعرابية وإن كان قد أحسن المعنى والمقصد، كأنما صار البيان فريضة شكلية لا غاية تواصلية.
المثقف الذي يصرّ على استخدام ألفاظٍ مهجورة أو صيغٍ عسيرة تزهو بالصحة النحوية لكنها تعجز عن النفاذ إلى قلب السامع أو القارئ.
الكاتب الذي يغرق نصه في تعقيدات نحوية تجعل القارئ يتعثر في الفهم، ويتوه عن الفكرة الأصلية بين غابة من “كان” و”إن” و”لكن”.
وهنا تكون النتائج واضحة وصريحة حين يسقط المعنى من عليائه،
التحذلق النحوي لا يقف عند كونه عاهة في التعبير، بل يتحول إلى عاهة في الفكر نفسه. إذ أنّ المعنى يذبل حين يُغلّف بغلاف صارم من القواعد.
الفكرة تخسر تأثيرها حين تنشغل بجمال الإعراب أكثر من حرارة الرسالة.
اللغة تفقد طزاجتها، تصبح ثقيلة، رسمية، باردة، خالية من الدهشة والعفوية.
فالبيان العربي لا يقوم على نحوٍ فقط، بل على:
“روحٍ”، “موسيقى”، “سياق”، “مقام”، “تقدير حال المتلقّي”، وكلها أشياء لا تدركها القواعد إلّا إذا خضعت للمعنى، لا إذا استعبدته.
هناك مفارقة عظمى ،تتجلى عند الكثيرين .ويا للمفارقة! لقد كان النحو العربي في أصله تأسيساً لحماية المعنى، فإذا به يصبح في يد المتحذلقين سلاحاً لقتل المعنى، ومصيدة لمن رام البيان الصافي، فهل يصحّ أن نُضحّي بالمعنى لأجل الشكل؟ أم ينبغي أن يُعاد إلى النحو مقامه الحق: الخادم الأمين لا السيد المتجبر؟
لذا ننحو باتجاه بيان حرّ وسليم.
إن الخلاص من متلازمة التحذلق النحوي لا يكون إلا بعودة النحو إلى مكانه الطبيعي في منظومة البيان، أداة خفيّة تُعين المعنى لا أن تطغى عليه، وأن يكون الهدف الأسمى للكاتب والمتحدث: الإفهام والتأثير، لا الإعراب المتقن فحسب.
فاللغة كائن حيّ، لا يجوز أن تُختزل إلى جثة مضمّخة بالعطر النحوي، بل ينبغي أن تبقى حيّة، نابضة، مرنة، تنصاع لقوانين الإبداع بقدر ما تلتزم بقواعد البناء.
فليكن النحو ظِلًّا للمعنى لا سياجاً له، وليكن المعنى سيّد الخطاب، به قوام البيان، وعليه مدار الفصاحة.
وهنا يبرز سؤال للتأمل:
أيهما أولى في مقام الخطاب: صحة النحو أم حرارة المعنى؟
وهل يمكن للغة أن تحيا إذا صارت ميداناً لاستعراض القواعد فقط؟



