ماذا تعني: أشهد أنْ لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله؟✍حسن حنفي
ثالثًا: ماذا تعني: الشهادة الثانية «وأن محمدًا رسول الله»؟
ويظن الناس خطأً أن محمدًا رسول الله تعني تعظيم الأنبياء وعلى رأسهم محمد، وتبجيله بشخصه، والحديث عنه، وذكر محامده وفضائله، بل إنه في كثير من الأحيان تطغى الشهادة الثانية «وأشهد أن محمدًا رسول الله» على الشهادة الأولى «أشهد أنْ لا إله إلا الله» ويكثر الحديث عن حب محمد، وحب آل البيت، وشفاعة محمد على نحوٍ لا يرضاه الإسلام، وبطريقةٍ مستحدَثة لم يعرفها الصحابة الأوائل. وفي أحسن الأحوال يُوضع «الله» و«محمد» كل منهما في إحدى الشهادتين، «الله» في «لا إله إلا الله» «ومحمد» في «محمد رسول الله» والحديث عنهما على مستوًى واحد، كما حدث في عقائدنا المتأخرة عندما أصبح قطبا التوحيد الله ومحمد؛ أي الإلهيات والنبوات، بل وأضاف المتأخرون، في عصور تخلُّفنا وانهيارنا، ضمن العقائد التي يجب على كل مسلمٍ معرفتها، أسماء أولاده ذكورًا وإناثًا، وأسماء آبائه وأجداده، وأسماء زوجاته. وفي أحسن الأحوال تبقى الشفاعة جزءًا من العقائد الأشعرية التي ورثناها، يبتهل الشيخ ويطلب شفاعة محمد، ويبتهل المسلمون وراءه ويطلبون أيضًا شفاعة الحبيب، وطلب الشفاعة يأتي من قومٍ لا يثقون بأعمالهم، وليس لهم قيمةٌ من ذواتهم، ويعتمدون على الواسطة في تسيير أمورهم. وقد قوَّى الصوفية هذا التيار بتركيزهم أيضًا على شخص محمد، وحديثهم عن الحقيقة المحمدية، الخالدة، الأزلية، الأبدية التي منها خلق كل شيء، الأرض والسماء، والأنهار والبحار، والنباتات والأشجار، والإنسان والحيوان. ونزيد على ذلك الاحتفال بالمولد النبوي، والتركيز على شخص محمد، وننسى قولة أبي بكر: «من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت.» هذا بالإضافة إلى الهبوط الطبيعي في وعي الناس، وحرصهم على تشخيص الحقائق وتمثيلها في الأشخاص؛ فالوحي هو الله، والإسلام هو محمد.
وكل هذا ليس هو المقصود بالشهادة الثانية «أشهد أن محمدًا رسول الله»، فما المقصود إذن؟ تعني هذه الشهادة الثانية الإعلان عن نهاية تطوُّر الوحي واكتماله في الوحي الإسلامي، وأن الوحي الإسلامي هو آخر مرحلة من مراحلَ طويلة متتالية ظهر فيها الوحي على فترات طبقًا لدرجات الوعي الإنساني وتقدُّمه، وطبقًا للوضع الاجتماعي لكل جماعة يظهر فيها الوحي، وطبقًا للمرحلة التاريخية والوضع الحضاري الذي يمُر به كل مجتمع؛ فعندما كانت الإنسانية في مهدها كانت في حاجة إلى وحيٍ يلائم طبيعتها وعلى مستواها الفكري والنفسي، فجاء الوحي قائمًا على الترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، وكان مقياس التديُّن، وبرهان الإيمان هو طاعة القانون المطلَقة مثل قوانين الطعام لتربية الإنسان على السيطرة على نفسه، عن طريق السيطرة على البدن ومحاولة الإنسان الاستقلال عن الطبيعة، وتجاوز غرائزه الأولى ودوافعه واحتياجاته، وقوانين السبت التي يُراعي فيها الإنسان التشبه بالله وتخصيص جزء من حياته له، والكف عن العمل والبيع والشراء وإشعال النار وتحريك الأشياء إعلانًا بأن الإنسان له صلة بالله يومًا في الأسبوع، وإن كان في الأيام الستة الأخرى منغمسًا في العالم، وقانون الطهارة إعلانًا حسيًّا على أن الإنسان قد عقد مع الله عهدًا وميثاقًا مكتوبًا بالدم على أن يكون مطيعًا له خاضعًا لقوانينه ومؤمنًا به، ولو أن البعض حاول تفسير الميثاق على أنه اختيار لشعبٍ معين، ووعد له بالأرض والغنم والنصر إلى أبد الآبدين. كانت مهمة الوحي في هذه المرحلة شد انتباه الإنسان إلى وجود الله، وقدرته المطلَقة المسيطرة على قوانين الطبيعة وعلى مسار التاريخ، حتى يتحرر الإنسان من سيطرة قوى الطبيعة عليه، ومن سيطرة القوى السياسية على مقدَّراته، وأن يكون الإنسان هو المسيطر على الطبيعة، وهو الأساس في كيان الدولة؛ لذلك أجرى الله المعجزات، وتدخَّل في سير قوانين الطبيعة حتى يثبت بالدليل الحسي المباشر وجوده وقدرته. وهذه هي مرحلة الوحي اليهودي.
وقد نجحَت التجربة مع البعض وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ، ولكنها لم تنجح عند الأغلبية؛ فقد غضب موسى على بني اسرائيل ودعا عليهم بالتيه، وظلوا في عبادة العجل، والجري وراء الذهب والمال والحظ، وظل الشعور الإنساني على مستوى الطبيعة المادية، خاضعًا لها دون أن يتحرَّر منها ويتجاوزها.
فإذا ما شبَّت الإنسانية عن الطوق، وكبر الطفل، ووصل إلى مرحلة المراهقة المتأخرة، يقل الجانب الحسي ويزداد الجانب العاطفي، ويصبح الإنسان حالمًا، آملًا ناسجًا من خياله عالمًا أفضل، ويصبح قادرًا على إدراك الأمور بحدْسه، وإحساسه بها بوجدانه، فيأتي الوحي مرةً ثانية كي يرتقي بالإنسان لا عن طريق الترغيب والترهيب، والوعد والوعيد وفرض القوانين، بل عن طريق الحب والتراحم والعطف والتقوى والطاعة والتواضع والإحسان، يكون الإنسان في هذه الفترة حالمًا ناظرًا إلى عالمٍ آخر ليس هو هذا العالم، وملكوت هو ملكوت السموات ليس هو هذا الملكوت الذي نعيش فيه. ملكوت الأرض، عالمٌ يختلط فيه الخيال بالتمني، والحُلم بالواقع، وما هو كائن بما ينبغي أن يكون. ويكون التدين أساسًا ليس عملًا من أعمال الجوارح، بل عمل من أعمال القلب، ويغلب العفو على العقاب، والعطاء على الأخذ، والروح على الجسد، والداخل على الخارج، والسلام على الحرب.
وقد نجحت التجربة عند البعض وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ. ولكنها ظلت محدودة لم تؤدِّ إلا إلى إيمان الأبطال والقديسين والشهداء كردِّ فعلٍ على مجتمع لا يؤمن إلا بالقوة والبطش والسيطرة. بالإضافة إلى أن خلاص الفرد لا بد وأن يؤدي إلى خلاص الجماعة، وإلى تأسيس الدولة وهو ما لم يتمَّ بعدُ؛ فقد كان يكفي اكتشاف ملكوت السموات، وكما قال السيد المسيح «مملكتي ليست في هذا العالم».
فلما شبَّت الإنسانية، وبلغَت مرحلة النضج والرجولة، جاءت المرحلة الثالثة من مراحل الوحي الكبرى، والمرحلة الأخيرة تجمع بين القانون والحب، والعفو والعقاب وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ، ويجمع بين الحس والوجدان في العقل، ولا يتطرَّف في جانب على حساب جانبٍ آخر؛ لأن «خير الأمور الوسط»، يجمع بين التجربتَين معًا، ملكوت الأرض وملكوت السماء؛ فالإنسان موجود بين هذَين العالمَين.
تعني «أشهد أن محمدًا رسول الله» إذن أن الإسلام هو آخر مرحلة من مراحل تطوُّر الوحي وأن ذلك يعني بالتحديد الحقيقتَين الآتيتَين:
- (١)أن الإنسان ليس في حاجة إلى وحيٍ جديد فقد اكتمل عقله، وأصبح قادرًا على الإدراك والتمييز؛ فالعقل قادر على أن يصل إلى كل ما أعطاه الوحي من حقائق، وهو قادر على فهمها وتفسيرها وتطبيقها والاستفادة منها في الحياة العملية. وإن أية محاولة الآن لجعل العقل قاصرًا عن الإدراك، وادِّعاء الإلهام والمدَد من السماء أو العين الباطنة التي تُدرِك الحقائق الربانية مباشرة؛ لهو ادعاءٌ باطل يهدف إلى فرض الوصايا على عقول الناس، استغلالًا لها، وتوجيهًا إياها إلى ما تريده قوى التسلط والطغيان؛ ومن ثم فلا مجال للخرافة أو السحر أو الكهانة أو العرافة أو الفأل؛ فكل ذلك مضاد لعمل العقل وتدبيره واستدلاله وبرهانه، ولا مجال للجهل وللأمية فذلك أيضًا نفيٌ للعقل وهدمٌ له، ولا مجال أيضًا للظن أو التقليد أو التشكُّك والحَيْرة والتذبذب بين الأمور؛ فالعقل قادر على الوصول إلى اليقين وإلى حسم الأمور، وباستطاعته الإبداع والخلق واكتشاف الجديد.إنه لَيكفي الإنسان أن يتبع فطرته الصادقة؛ فالإسلام دين الفطرة، وكل شيءٍ زائدٍ عليها ليس منها، وكل شيء أقل منها يكون ناقصًا والفطرة أكمل منه، وإن أي محاولة لجعل فطرة الإنسان ناقصة، دنيئة، خسيسة، مخطئة، تهدف في الحقيقة إلى فرض الوصايا على الإنسان من حاكمٍ يأخذ برقاب الناس حتى يمنعَ شرورهم ويوجهَهم إلى الخير، أو من مخلِّص للناس من خطاياهم ما دامت الخطايا في لحمهم ودمائهم؛ ومن ثم يفقد الإنسان استقلاله العقلي، ويتبع السلطة الدينية أو السياسية، وهذا ما لا يرضاه الإسلام.
- (٢)إن الإنسان قادر بإرادته على تحقيق كلمة الله على الأرض، وعلى حمل الأمانة التي رضي الإنسان بإرادته الحرة أن يحملها إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ. وليس في حاجة إلى معونة خارجية في صورة معجزة أو غيرها؛ فالله لم يعُد يتدخل في سير قوانين الطبيعة، كما كان الحال في مراحل الوحي السابقة وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ. وإن أية محاولة لفرض الوصايا على أفعال الإنسان، من حيث التوجيه والأمر له، هي في حقيقة الأمر محاولة للقهر وللتسلط؛ فافتراض عجز الإنسان وعدم قدرته يعطي الحاكم الحقَّ في فرض الرقابة عليه، كما أنها حُجة الاستعمار القديم في فرض حمايته على الشعوب لأنها غير قادرة على حكم نفسها بنفسها. إن الإيحاء للإنسان بأنه عاجزٌ يجعله يلجأ إلى وسائل السحر والكهانة، والحجاب والاتصال بالأولياء كي يُحيل ضعفَه قوة، كما أن الإيحاء للشعب بأنه غيرُ قادر على أخذ مصيره بيده، يفرض عليه الوصايا إلى الأبد، من الاستعمار الخارجي، أو من نُظم القهر والسيطرة الداخلية.إن الإنسان قادرٌ على تحقيق كلمة الله على الأرض، وهو مسئول عن ذلك، وقد عُهدت إليه الأمانة، وتقبَّلها هو بمحض اختياره؛ فهي مسئوليته وحده؛ ولذلك تنجح تجربة الوحي هذه المرة في تحقيق استقلال الإنسان عقلًا وإرادةً، وفي إقامة دولة؛ أي نظامٍ اجتماعي يعيش فيه الناس. وقد نجح محمد رسول الله في ذلك، ولم يكتفِ بأن يكون شهيدَ الحق كغيره من الأنبياء والرسل السابقين؛ فنفس المهمة التي حاولها الأنبياء السابقون ونجحوا فيها لدى أفرادٍ قلائل دون غالبية الناس، حاولها محمد رسول الله ونجح فيها لدى الأغلبية؛ مما يدل على أن الوحي في آخر مرحلة له قد حقَّق بُغيته، ألا وهي إعلان استقلال الإنسان، يصبح خليفة الله على الأرض، أمينًا على الرسالة، ومحققًا للدعوة، بعد أن تحرَّر وجدانه من كل مظاهر القهر من قوى الطبيعة، أو النظم الاجتماعية المسيطرة.تعني إذن «أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله» أشهد أن الإنسان حرٌّ مستقل، له عقلٌ وإرادة، وأنني هو ذلك الإنسان!



