📰 آخر الأخبار
​حين يتكلم الملمس:علي نفنوفطرافة العابر في هايكو علي القيسي / تغريد نديم عمران - سورياحذاء بمقاس الموت/جليل إبراهيم المندلاويالتشكيلية الدكتورة العراقية هالة كوسياك :حاورها / علي صحن عبد العزيزNon Philosophical Ideas By Salim Elias Madaloابتسامة جذلة/سنية عبد عون رشواشباح المشافي / جواني عبدالالتعليم في العراق: مشروع إنقاذ حضاري — رؤية تربوية لبناء الإنسان/ د.ياسين احمد خلفأصابعُ الفجر/عارف عبد الرحمن - حلبالحب لا يكفي أن يحصل، بل يجب أن يبنى / محمد الجلايدي- القنيطرة- المغربعُزْلَةُ الخَيْطِ الأَحْمَر / أ.حسناوي سيلميالروح هزيمة الحرب الأخيرة/مصطفى عبدالملك الصميدي| اليمنThe Long-Awaited Cloak By Mohammad KutubuddinDo Not Drive Away Those Flamingos /Soran Mohammedعودة المجهول / عبد الجبار الحمديمحاولة متعمدة للنسيان / لأمجد توفيق/حامد شهاب / باحث إعلاميالنظرة / ملفينا توفيق ابو مراد/ لبنانديانا ويب .. هوائي .. قصيدة هايبون معاصرة/ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالعصافير الروح والجسد/سالم الياس مدالوAutumn Butterflies By Soran MohammedThe First People I Ever Met— Dad and Mom-Park Yong Seo-KoreaWho Am I ??Maria D. Reis/Portugalالفراغ / أمين الساطيمونودراما الأذن / بلعربي خالد الزوج  الخطأ /فلامينيا أوكامبو-ترجمة : د.محمد عبدالحليم غنيم
​حين يتكلم الملمس:علي نفنوفطرافة العابر في هايكو علي القيسي / تغريد نديم عمران - سورياحذاء بمقاس الموت/جليل إبراهيم المندلاويالتشكيلية الدكتورة العراقية هالة كوسياك :حاورها / علي صحن عبد العزيزNon Philosophical Ideas By Salim Elias Madaloابتسامة جذلة/سنية عبد عون رشواشباح المشافي / جواني عبدالالتعليم في العراق: مشروع إنقاذ حضاري — رؤية تربوية لبناء الإنسان/ د.ياسين احمد خلفأصابعُ الفجر/عارف عبد الرحمن - حلبالحب لا يكفي أن يحصل، بل يجب أن يبنى / محمد الجلايدي- القنيطرة- المغربعُزْلَةُ الخَيْطِ الأَحْمَر / أ.حسناوي سيلميالروح هزيمة الحرب الأخيرة/مصطفى عبدالملك الصميدي| اليمنThe Long-Awaited Cloak By Mohammad KutubuddinDo Not Drive Away Those Flamingos /Soran Mohammedعودة المجهول / عبد الجبار الحمديمحاولة متعمدة للنسيان / لأمجد توفيق/حامد شهاب / باحث إعلاميالنظرة / ملفينا توفيق ابو مراد/ لبنانديانا ويب .. هوائي .. قصيدة هايبون معاصرة/ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالعصافير الروح والجسد/سالم الياس مدالوAutumn Butterflies By Soran MohammedThe First People I Ever Met— Dad and Mom-Park Yong Seo-KoreaWho Am I ??Maria D. Reis/Portugalالفراغ / أمين الساطيمونودراما الأذن / بلعربي خالد الزوج  الخطأ /فلامينيا أوكامبو-ترجمة : د.محمد عبدالحليم غنيم

 مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
فنون تشكيلية

لوحة (يقيني بالله) للفنان عباس الطائي – قراءة تحليلية

    ارتبطت الأشكال الهندسية بدلالات متنوعة في الفكر البشري، ومنها الشكل المستطيل القائم المتميز الذي تثير زواياه المتناظرة شعورًا بالترتيب والرسوخ والصلابة والقوة والثقة، ولهذا اختاره الفنان عباس شكلا للوحته.

  وردت لفظة (اليقين) في المعاجم العربية بمعنى الاعتقاد الراسخ والثقة التامة بأمر واقع، وهذا الأمر هو الإيمان العميق بالله سبحانه وتعالى، ومن هذا المنطلق اعتمد الفنان عباس على خاصية التكرار اللفظي لكلمة (يقيني) ليحقق التكامل بين دلالة النص والهيأة التي أخرجه بها، وهو ما يكشف بالتالي عن قصدية واعية بالبعد التعبيري (الدلالي) لهذه اللوحة.

   يعمل التكوين في اللوحة الخطّـية على تحقيق وظيفتين: تتمثّـل الأُولى في سلامة النص المخطوط لغويًا أي الأداء الوظيفي له، وتتمثّـل الثانية في ضبط أُصول وقواعد الخط حسب نوعه، مع مراعاة التنوع الاخراجي المُـبتكر الذي يحقق البُـعد الجمالي من جهة، ويعمل على ايصال رسالة الفنان من جهة مقابلة، وفي هذه اللوحة اعتمد التكوين على (3) عناصر هي:

1/ الكتلة الرئيسة الخطيّـة المتمثلة بجملة (يقيني بالله يقيني). 

2/ الكتلة الخطيّـة الثانوية المتمثلة بالشكل الزخرفي.

3/ خلفية أو أرضية اللوحة التي اختار لها قطعة من الكارتون خامةً.

    ومن بين اختيارات متعددة لأنواع التراكيب الخطّـية المتعارف عليها بين الفنانين وقع اختيار الفنان عباس على أبسطها، وهو هيأة النظام السطري الذي يكون بمستوى واحد، ويعتمد على التسلسل القرائي المتتابع لكلمات لنص، ويبدأ من جهة اليمين الى جهة اليسار دون أن تتراكب وتتقاطع حروف كلماته.

    يُعدُّ الخط الكوفي بأنواعه المتعددة وتخصيصًا المضفور من أفضل أنواع الخطوط العربية، وأكثرها قابلية على الدمج  بين أشكال الحروف والزخرفة لإنتاج هيأة مبتكرة؛ وذلك لطواعية حروفه من حيث التنصيل والاستطالة والتدوير لإنتاج أشكال الزوايا الهندسية والاستدارات والضفائر، ولهذا يشغل وقتًا طويلا في تحضير مُسوّداته الى أن يكتمل بشكل يرضي ذائقة الفنان وخبرته، كما يتطلّـب صبرًا لا ينفذ، وهمّـة عالية لا تفتر، ونظرًا لتميّـز الخط الكوفي المضفور بطابعه الهندسي، يلجأ الفنان الى استخدام قلم الرصاص والأدوات الهندسية وتخصيصاً المسطرة في تحضير التصميم، فهو لا يُنفّـذ بقلم الخط أو القصبة وإنّـما تحدد حدوده الخارجية أولا، ثم يلوّن بالفرشاة، وهذا ما فعله الفنان عباس في استخدامه لصبغة الاكريلك (الأموشن) لتلوين الكتلتين الرئيسة والثانوية.    

    اتخذ الفنان عباس من جملة (يقيني بالله يقيني) قاعدة يرتفع فوقها ويرتبط بها الشكل الزخرفي، وبما أنَّ هيأة الحروف في الخط الكوفي المضفور تبدو أقرب الى الرسم أو الزخرفة، فقد اعتنى بإخراجها عناية كبيرة تتمثّـل باسلوب خط كلماتها التي منحها مظهرًا ثخينًا، وابتدأ بكلمة (يقيني) التي أخرج حرف الياء منها بترويسة دقيقة من الأعلى، وبروز مثلث هندسي صغير من جهة اليسار، ثم حركة اتجاهية نازلة مبالغ في طولها وتنتهي بتقويسة متصلة بحرف القاف، أمّـا النقطتان فقد اختار لهما شكلا دائريًا صغيرًا قياسًا الى ثخانة حروف النص، فحقق بذلك خاصية التضاد الشكلي، واعتمد على خاصية الإزاحة المكانية لموضعهما فخطّـهما تحت حرف القاف وبشكل أُفـقـي متجاور، وأخرج حرف القاف مُـخـرّق العين على شكل زاوية هندسية حادة تمثّـل نقطة ارتكاز الحرف، ويلاحظ المتأمّـل في شكله أنّه نشأ من خط مستقيم أُفقي يبدأ من جهة اليمين ويمتدُّ الى جهة اليسار، ثمَّ يأخذ شكلا قوسيًا صاعدًا الى الأعلى، وينتهي بترويسة رفيعة، أمَّا جهة اليسار من حرف القاف فقد عالجها فنيًا بحيث تنتهي بزاوية هندسية حادة، واستقـرّ الحرف على قاعدة أُفـقـية مستقيمة استقـرّت فوقها النقطتان بشكل دائري متعامد.

   وخطَّ حرف الياء معتمدًا على خاصية التكرار مع الحرف ذاته، وبالغ قليلاً في طول ترويسته المُـزلّـفة، فحقق بذلك خاصية التضاد معها، واعتمد على خاصية التحريف أو الإبعاد المكاني لنقطتيها حيث خطَّـهما تحت حرف النون، وأخرجهما بشكل دائري أُفـقـي متباعد، فحقق بذلك خاصية التضاد مع شكل نقطتي حرف الياء، وعالج حرف النون فنيًا ببداية مروّسة بزلف يتطابق شكلا مع زلف حرف الياء، فحقق خاصية التكرار الشكلي، ثم اتخذ الحرف حركة اتجاهية أُفـقـية لينتهي متصلا مع حرف الياء، ويلاحظ المُـتأمّـل في هذا الجزء التضاد الحاصل بين تقويسة حرف الياء والزاوية الهندسية الحادة المتشكلة من التقاء الجزء العمودي من حرف الياء مع الامتداد الأُفـقـي لها.

    واعتمادًا على خاصية الإبعاد المكاني، اختار الفنان عباس موضع نقطة النون فوق الترويسة المُـزلّـفة لحرف الياء؛ وذلك منعًا للازدحام المكاني في المساحة الواقعة في وسطها. وأخرج حرف الياء حسب قواعد وأُصول الخط الكوفي المضفور المتصل، حيث بدأ ذراعه الأول بحركة اتجاهية مائلة الى جهة اليسار وصاعدة الى الأعلى، ومروّسة بزلف مثلّـث قصير، أمّـا ذراعه الثاني فقد اتخذ شكلا قوسيًا في نقطة اتصاله مع الذراع الأول، ثم اتخذ حركة اتجاهية نازلة الى الأسفل مع ميلان خفيف الى الجهة اليمنى، فحقق خاصية التوازي مع الذراع الأُولى، ثم اتخذ شكل التفافة صغيرة انبثق منها شكل فرع نباتي دقيق ورفيع، التفَّ صاعدًا أمام الذراع الثانية وخلف الذراع الأُولى، لينتهي بشكل ورقة نباتية تستلقي بشكلٍ موازٍ للامتداد النازل من الشكل الزخرفي من جهة اليسار، فأنتج بذلك حركة لطيفة وحيوية أسهمت في تخفيف ثقل وصلابة الزوايا الهندسية الحادة للحروف.

    يشغل تكييف أشكال الحروف والكلمات تفكير الفنان عند انتاجه للوحته، حيث يتوجب عليه استثمارها بالأسلوب الذي يحقق للتكوين أهدافه الوظيفية المتمثّـلة بالقراءة من جهة، والوظيفة الجمالية والتزيينية من جهة مقابلة، وهذا ما يلاحظه المتأمّل في طريقة الفنان عباس عند خطّـه لكلمة (بالله)، حيث أخرج حرف الباء مروّسة ومزلّـفة فحقق خاصية التكرار مع شكل حرف الياء في كلمة (يقيني)، أمّـا قاعدتها فكانت أُفـقـية وأنتجت زاوية هندسية حادة، وحققت خاصية التضاد مع شكل حرف الألف المتكرر الذي أخرجه بتقويسة منخفضة مكانيًا، وهذا ما جعله على مستوى واحد مع تقويسة حروف الياء المتكررة والنون أيضًا، وأسهم هذا الخفض المكاني في احداث الايهام بالحركة الضمنية.

   يتيح تشابه أشكال الحروف فرصة للفنان لإعادة تشكيلها واستحداث أشكال جديدة، من خلال الاستغلال الأمثل لخصائص هذه الحروف، وفي هذه اللوحة استغلَّ الفنان عباس حرفي الألف واللام المتكرر، وتصرّف فنيًا بشكل الجزء القائم من حرف الهاء في كلمة (بالله)، ليحقق خاصية المدّ لهذه الحروف بالاتجاه العمودي، حيث مدَّ حرف اللام الأول مدًا قائمًا ولكنّـه أخرج شكله من جموده بمنحه مجموعة من التخصرات اللطيفة المتوالية والمتكررة أيضًا في الحروف القائمة الأُخرى، ومنحه طولا مبالغًا فيه لتحقيق شكل الضفيرة، وقد أشار الباحثون في فن الخط العربي الى أنَّ خاصية التضافر التي يتميّـز بها الخط الكوفي المضفور عن غيره من أنواع الخطوط العربية، هو تداخل والتفاف يعتمده الفنان في الحروف القائمة، ومنها حروف الألف واللام وألف الطاء والظاء، بحيث ينتج عنها ضفيرة تشبه شكل ضفيرة الشَعر (الجديلة)، وقد يتضافر حرف واحد أو أكثر في اللوحة الواحدة، وفي هذه اللوحة اعتمد الفنان عباس على حرف اللام الأول من لفظ الجلالة، فأنتج سلسلة مضفورة تتكون من ثلاث حلقات متوالية بشكل عمودي، ثم عمد الى تفريعها على فرعين، الأول منها اتخذ حركة اتجاهية قوسية نحو يمين الكتلة واتجه الثاني الى يسارها، وعمد الفنان الى خاصية التوالد، فولّـد من هذا الامتداد شكلا زخرفيًا مجردًا لورقة نباتية مفصصة بثلاثة فصوص متباينة حجمًا وشكلا ، ثم يرقُّ هذا الشكل تدريجيًا ويمتدُّ بحركة قوسية متجهة نحو جهة يسار الكتلة وصاعدة الى الأعلى، ليلتقي بالفرع الثاني من الضفيرة، واستغلَّ الفنان عباس التقاء الفرعين لرسم زخرفة نباتية على شكل برعم تحيط به ورقتان نباتيتان من الجهتين اليمنى واليسرى، ويلاحظ المتأمّـل للشكل الزخرفي أنَّه اعتمد على التكوين المتقابل أو ما تعارف عليه الفنانون بتسمية (شكل المرآة)، أي أنَّه يعتمد على التقابل والتماثل النصفي التام الذي ينتج عن خط محوري عمودي، يشتغل باتجاه تنصيف التكوين الى نصفين منتظمين تتطابق عناصره شكلا وحجمًا، وفي هذه اللوحة اتخذ الفنان عباس شكل الضفيرة ليكون هو هذا المحور الذي تتوزّع عناصر التكوين على جانبيه الأيمن والأيسر، وفي أعلاه أيضًا.

   أتاحت صفة التوازي في الحروف القائمة فرصة للفنان عباس لاستغلالها استغلالا أمثلا، لتكون كأعمدة البناء التي تنتج شكلا معماريًا زخرفيًا، يشعر معه المتأمّـل بشعور القوة والصلابة والتماسك، ولهذا اشتغل باتجاه مدّ حرفي الألف من لفظ الجلالة الواقع في جهة يمين الكتلة، وحرف اللام الثاني الواقع في يسارها ليكوّنَ نقطة التقاء تقع تحت شكل الضفيرة، فحقق بذلك خاصية التراكب والتقاطع حيث ظهر الامتداد الأيمن أمام الامتداد الأيسر، فأنتج بذلك بُـعدًا ثالثًا وهميًا، وحركة ضمنية وهمية، ثم يفترق امتداد الحرفين بشكلٍ متعاكس يمينًا ويسارًا، ويستمر امتداد حرف الألف من لفظ الجلالة بحركة اتجاهية نحو جهة يسار الكتلة ومائلة وصاعدة الى الأعلى، لينتج زاوية هندسية، ثم يمتد صاعدًا الى الأعلى لينتج شكلا قوسيًا، يتبعه شكل قوسي آخر أقل امتدادًا، لينتهي في نقطة التقاء مع الشكل الزخرفي الواقع تحت الشكل البرعمي النباتي، وبالأسلوب نفسه أخرج الفنان عباس الجزء الأيمن المقابل وبطريقة عكسية لهذا الامتداد.

   تشتغل قدرة الفنان ومهارته باتجاه توليد اضافات على الحروف ليكتمل الشكل الزخرفي، ولهذا لجأ الفنان عباس الى اتخاذ البداية القائمة لحرف النون من كلمة (يقيني) الأُولى ونقطتها الواقعة فوقها قاعدة، ليرفع عليها شكلا قائمًا، يبدأ بزلف ثم يمتدّ بحركة اتجاهية صاعدة الى الأعلى، ثم يلتفّ على الشكل الزخرفي الدائري محققًا ايهامًا بالبُـعد الثالث الوهمي والحركة الضمنية الوهمية، لتراكبه وتقاطعه معه من جهة، واتصالا وثيقًا دون انقطاع؛ لأنّـه بدا معلّـقًا به من جهة ثانية، ثم يستمر ملتفًا من خلال حركته الاتجاهية نحو جهة يمين الكتلة؛ لينتج ايهامًا ثانيًا بالبُـعد الثالث الوهمي والحركة الضمنية الوهمية، ويستمر بحركته الاتجاهية المستقيمة نحو جهة اليسار، ثم يكمل مساره النازل القائم ليستقر فوق نهاية امتداد حرف الياء من الكلمة ذاتها، ويلاحظ المتأمّـل في هذا الجزء من التكوين عناية الفنان عباس في تظهير صفة التوازي بين الشكلين القائمين، وصفة التضاد بين الأجزاء القائمة منه والأجزاء الملتـفّـة.

   في جهة اليسار من التكوين اعتمد الفنان عباس على خاصية التكرار للشكل نفسه، لكنّـه تصرّف قصديًا في بعض تفصيلاته، ليحافظ على التوازن بين المسافات؛ وذلك لأنَّه أخرج كلمة (يقيني) الثانية أكبر حجمًا قليلا من الأُولى، فاتخذ من حرف القاف ونقطته وشكل الورقة النباتية قاعدة ليرفع فوقها الامتداد القائم، الذي بدأ بزلف يقارب شكل الورقة مكانيًا، فأنتج بذلك تضادًا شكليًا بينهما، واتخذ الامتداد مساره القائم بحركة مستقيمة صاعدة الى الأعلى، ثم حركة ملتـفّـة حول استدارة الشكل الزخرفي الذي يعلوه، فحقق خاصيتي التراكب والتقاطع والإيهام بالبُـعد الثالث الوهمي والحركة الضمنية الوهمية، ثم أكمل مساره بحركة اتجاهية نازلة نحو الأسفل ليستقـرّ زلفه قريباً من زلف حرف الياء.

   تشتغل خاصية التكامل في هذا النوع من التكوين باتجاه ابراز العلاقات الشكلية التي تربط بين عناصره بوصفها مفردات تتفاعل مع بعضها البعض، لتنتج وحدة كلية متكاملة للتكوين ككل لا كأجزاء منفصلة، ولهذا يعتني الفنان بهذه الخاصية عناية فائقة عند تصميمه له؛ لكي لا تظهر اللوحة مفككة الأجزاء، وتفشل في كسب انتباه مشاهدها فيحكم عليها بالفشل، ولهذا اختار الفنان عباس ترصين الشكل الكلي للتكوين بإضافة امتداد قائم يبدأ في جهة اليمين فوق زلف حرف الباء من كلمة (بالله)، وأخرجه مزلفًا ومتقاربًا بشكل متعاكس مع زلف الحرف، ليضفي بذلك مظهرًا حيويًا على هذا الجزء من الكتلة، ويستمر الامتداد بحركة قائمة وصاعدة الى الأعلى، ثم يلتـفّ بحركة دورانية (حلزونية) مُحدثًا تراكبًا وتقاطعًا في أكثر من موضع؛ لينتج ايهامًا بالبُـعد الثالث الوهمي والحركة الضمنية الوهمية، وانبثقت منه أشكال أوراق نباتية، وينتهي بشكل ورقتين نباتيتين مختلفتين حجمًا، حققتا خاصية التراكب والتقاطع والأيهام بالبُـعد الثالث. واعتمد الفنان عباس على التصرّف الفني في شكل حرف الهاء في لفظ الجلالة، فمدّ الجزء القائم منه؛ لينتج شكلا زخرفيًا تكراريًا مقابلا في الجهة اليسرى من التكوين.

   إنَّ التكوين الابتكاري الذي اعتمده الفنان عباس في هذه اللوحة، أتاح له استغلال المساحة بحيث وزّع عناصره بشكل متناسب ومتناسق دون ازدحام أو تشابك عشوائي، ولهذا اختار شكلا زخرفيًا اتخذ من شكل الضفيرة قاعدة يرتفع فوقها، وابتدأ بنقطة ارتكاز على شكل دائرة ينبثق منها فرعان: الأول اتخذ مساره الى جهة اليمين بشكل ملتف وينتهي بشكل ورقة نباتية، ويتراكب ويتقاطع أكثر من مرة مع الأشكال الزخرفية الأُخرى، محققًا ايهامًا بالبُـعد الثالث الوهمي والحركة الضمنية الوهمية، واتخذ الثاني مساره الى جهة اليسار وبالشكل ذاته محقـقًا تكوينًا متقابلا مع الفرع الأول، ومن وسط الدائرة انبثق شكل عمودي مضفور ومُـحوّر عن الأوراق النباتية، واتخذ موقعه في وسط مساحة الكتلة.   

    في إخراجه الفني لكلمة (يقيني) الثانية اعتمد على خاصية التكرار الشكلي، ولكن مع التصرّف في بعض تفصيلاتها؛ لكي لا يكون تكرارًا جامدًا أقرب ما يكون الى الاستنساخ، ولهذا عمد الى منح الترويسة المُـزلّـفة والامتداد القائم  لحرف الياء طولا أكثر من طوله في الكلمة الأولى، ومنح شكل نقطتي القاف تجاورًا، فحقق تباينًا شكليًا مع نقطتيها في الكلمة الأُولى، وحققه أيضًا في موقع الفرع النباتي الذي رفعه مكانيًا؛ ليقع في الفراغ الناتج عن تفريق نقطتي القاف، وأخرج الفرع قصيرًا، أمّـا حرف الياء فقد حقق خاصية التضاد الشكلي مع حرف الياء الوارد في الكلمة الأُولى، حيث أخرجه بشكل قائم واقع وراء الذراع الثاني للحرف ذاته وينتهي بترويسة مُـزلّـفة، وبهذا يتحقق التنويع الاخراجي الذي قصد منه الفنان عباس منح هذه الكلمة حيوية وحركية لافتة للنظر.

    يرتبط البُـعد الجمالي في اللوحة الخطيّـة، بمجموعة من الخصائص التكوينية التي تُـعدُّ بمثابة أُسس متداخلة ومترابطة، ينتج عنها وحدة كليّـة لهيأة التكوين مثل الضفر والتطابق والتضاد والتناظر، وقد أشرتُ إليها في مواضعها، أمّـا التوازن فهو التوافق بين الخطوط التي تأخذ شكلا قائمًا والخطوط التي تأخذ شكلا أُفقيًا، والكيفية التي يعالج بها الفنان أشكالها من حيث الاتصال والانفصال، وإخراجه الفني للأشكال الزخرفية القائمة والمستديرة، فضلا عن خاصية التنوع الايقاعي، والمتمثل في تكرار عناصر التكوين من حيث الحجم والحركة الاتجاهية، بحيث تنشأ بينها علاقات جمالية تثري اللوحة بما تبثّـه من قوة جاذبة لنظر المشاهد، وهذا ما تجسّد في هذه اللوحة.  

   للألوان قيمة رمزية وتعبيرية عالية تسهم في منح هيأة الكتلة منظرًا لافتًا للنظر، وتؤكّد دلالتها إن أحسن الفنان اختيارها، وفي هذه اللوحة اعتمد الفنان عباس على اللون الوردي الفاتح بدرجتين لتلوين الجملة والحروف القائمة على التوالي، وأكمل شكل الزخارف باللون البيج، فمنح منظرها ايقاعًا لونيًا ممتعًا للنظر، ويبدو أن هذا الاختيار ارتكن الى بعض دلالات هذين اللونين التي تشير الى الشعور بالدفء والراحة والاستقرار، وهو الشعور ذاته الذي يثيره اليقين بالله سبحانه وتعالى، أمّـا خلفية اللوحة فقد اختار لها اللون الأسود، الذي تشير بعض دلالاته الى الفخامة والرقي، والناتج دلاليًا عن اليقين بالله الذي يرقّـي مشاعر الإنسان، ويسمو بها عن الأُمور الدنيوية التافهة، وهذا بالتالي ما يؤكّـد على أنَّ هذه الاختيارات اللونية كانت قصدية دلاليًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
النسخة العربية English Edition

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة