تشير سيرة الفنان السوري عصام يوسف الى كونه مهندس معماري، ورجل أعمال، وفنان تشكيلي، ومصوِّر ضوئي، وهذه التعددية أكسبته ثراءً وخبرة حياتية منوَّعة، ظهرت آثارها في لوحاته بشكل أو بآخر.
بعد اطلاعي على مجموعة من لوحاته كان اختياري للوحته {يا شام} التي نفَّذها بحجم ( 100/ 100سم)، على خامة القُماش، وألوان الاكريليك لتكون مدار هذه القراءة.
اعتمد الفنان عصام في هذه اللوحة على تكوين حر لمجموعة أشكال هي:
رأس المرأة.
رؤوس{5} رجال.
طيران.
قاربان.
الفضاء.
اتخذ رأس المرأة موضعته في الجهة اليمنى من اللوحة، ولكنه لم يظهر كاملاً، بل اكتفى الفنان عصام بإظهار جهته اليسرى بشكل مقطعيّ جانبيّ عمودي، مكتفيًا بجزء من قـمّته، وحاجب وعين واحدة، وأنف وفم وذقن وجزء من العنق، فيما توزعت رؤوس الرجال الخمسة في فضاء اللوحة، بظهور مواجه للمتلقي، واحتلت المساحة الأكبر من اللوحة.
اتخذ الطير الأكبر موقعته في الجزء العلوي من اللوحة، فيما اتخذ الطير الأسود موقعته في النصف الأسفل منها. وكان للقاربين حجماً صغيراً في أقصى الجزء الأسفل، واكتفى الفنان بتظهير جزءٍ صغير منها.
سأُحاول أن اعرض المنظومة اللونية التي اعتمدها الفنان عصام لهذه الأشكال لكي أصل الى دلالاتها، وسأبدأ بوجه المرأة الذي اتخذ من اللون الأزرق الغامق المتدرّج مظهرًا في غالبية الأجزاء، ومن المتعارف عليه في ذاكرة الرسم أنَّ اللون الأزرق من الألوان الباردة، ويحيل دلاليًا الى الحكمة والقوّة والعطاء، وهي دلالات منحتها الذاكرة الجمعية لهذا اللون انطلاقًا من كونه لون السماء ولون البحر، ولكَّن الفنان عصام لم يُظهر اللون الأزرق السماوي، بل عمد الى تظهيره بدرجات لونية غامقة، تقارب في درجاتها لون الكدمات التي تظهر على الجسم الإنساني بعد الإصابات المرضية، فالمرأة إذًا أصابتها الكثير من الكدمات التي أخفت لون بشرتها الطبيعي الجميل، وبما أنَّ الوجه مرآة للجسم الإنساني وذاكرته ومشاعره وانفعالاته، فلا بدَّ لي من القول أنَّ لكل حالة إنسانية حكاية يمكن لنا أن نقرأها على وجهه، فماذا نقرأ على وجه هذه المرأة؟
يؤشر الحضور المقطعي الجانبي العمودي قوّة وصلابة، فالفنان عصام لم يظهِّرها بشكل أُفقي ليّن ورقيق، وتؤشِّر العين نظرة بعيدة واضحة ومركّزة، والأنف ذو الخطوط الحادّة البعيدة عن الخطوط المنحنية الرقيقة للأُنثى المترفة، والفم بانفتاحه الصغير، والذقن باستدارته القوية، والعنق الذي بدا طويلا نوعًا ما لأنَّه يمتد للأمام، وبما أنَّ اللوحة هي حالة غوص الى أعماق شخصياتها، إذًا هو غوص في عمق الألم الإنساني الذي بدا لي واضحًا حيت تأمَّلتُ أعلى الرأس حيث وشاح المرأة، وقد تداخلت فيه الألوان البرتقالية والزرقاء والرمادية والصفراء، وهي ألوان متدرّجة ومتداخلة ومطفأة في الوقت ذاته، والوشاح غطاء الرأس، فبدا لي أنَّ الفنان عصام حوَّل هذا الوشاح الى مساحة يضع فيه ما يعيش في ذاكرة هذه المرأة ودماغها، فدماغ هذه المرأة يعيش أقسى حالاته فهو يموج بالأفكار والأحداث والمواقف التي تمرُّ أمام هذا الوجه بأزمنته المختلفة. ورغم هذا التعبير الواضح عن الألم وقسوة الظرف إلاّ أنَّ المرأة بدت بحضور قوّي ورصين بدلالة اللون الرمادي الذي تداخل مع الأزرق بلمسات لونية متدرِّجة اتخذت موقعتها على جبهة المرأة والأنف والخد.
إذًا هل هذه المرأة امرأة عادية وقع اختيار الفنان عصام عليها عشوائيًا أم كان اختياره واعيًا تمامًا؟
تعارفت الذاكرة الجمعية للإنسان على أنَّ المرأة هي رمز الوطن، والأرض، والانتماء الرحمي الأول، إذًا اشتغل الرمز هنا على مستويين:
الأول: أنَّها رمز للمرأة الشامية الصابرة الرصينة رغم الألم الكبير الذي كانت تعانيه سوريا في ذلك الظرف العصيب.
الثاني: أنّها أرض سوريا التي كانت تعيش صراعًا وجوديًا يمتلىء قسوة ووحشية.
إذًا من هنا يبدأ سرد اللوحة، والمرأة منطلق هذا السرد، والترابط بينها وبين رجال اللوحة ترابط صميمي، وسأُحاول اكتشاف ذلك.
تبدو هذه اللوحة في بداية اللقاء البصري لوحة وجوه، لكنَّها ليست الوجوه التي تقع عليها أبصارنا في الواقع العياني، بل هي الوجوه التي أصبحت معطى حياتيًا يوميًا في الواقع السوري المُعاش آنذاك، فالوجه الأول لذي يقع في الزاوية اليمنى السفلى من اللوحة يظهر بتفاصيل مُشوّهة ساعدت بعض التكعيبية على اظهار تفاصيله، فالرأس يتمظهر وهو محاط بخطوط سوداء ثقيلة تؤشر دلاليًا الثقل الكبير الواقع عليه، فأصبح مثل قيدٍ يحدّه، فيما غارت العينان ليستبدلها الفنان بخطوط سوداء ثقيلة وحاجبين سوداوين ثقيلين، فلا رؤية لهما، فيما تحوّل الأنف الى خط ثقيل من الرمادي، والفم مطبق الشفاه تحدّه الخطوط السوداء الواضحة، فالرجل هنا فاقد الحواس تمامًا، ولا تواصل بينه وبين الآخرين.
أثناء تأملي لهذا الوجه تصورتُ في البداية أنه يلبس قناعًا، والقناع حالة مؤقتة تزول بزوال ظروف وجودها، لكنَّ اللون الأحمر الذي اتخذ المساحة الأكبر على هذا الوجه كان له دوره في تصوري أنَّ هذا الوجه وجه ضحيّة {شهيد}، والدماء تغطيه حيث مات غصبًا وقسرًا دون أن يكون شريكًا في تلك الحرب المدمرة، والرؤية ذاتها تنطبق على الوجه الآخر، حيث عمد الفنان عصام الى تشويه تفاصيل الوجهين بلمسات من اللون الأحمر المتدرِّج والظلال السوداء الشاحبة والرمادية الحيادية، وكلّها علامات تحيل الى كونها وجوه أموات لوّنتها الحرب باللون الأحمر الدموي المطفأ ،للدلالة على أنَّ هذا الموت ليس آنيًا بل هو موت مضى عليه زمن، ولم يتوقف بدلالة التكرار، حيث كرر الوجه الأحمر مرتين ـ
أمّا الوجه الثالث والذي اتخذ موقعته في القسم الأسفل من اللوحة فقد أضاف إليه الفنان عصام لمسات من اللون الأصفر المطفأ والمتدرج، وهذا الانطفاء يشتغل باتجاه سلب اللون الأصفر دلالاته الايجابية التي تحيل الى لون الشمس والنور، ويتحوّل الى دلالاته السلبية التي تعلن المرض والشحوب، وبهذا يتفق مع اللون الأزرق الذي اتخذ هو الآخر موضعته على الخدين، واللون الأحمر{لون الدم} الذي تحوّل الى اللون البُني بفعل التقادم الزمني، إذًا الموت مستمر لم يتوقف، والشخصيات الثلاث بدت لي تحمل دلالة زمانية أيضًا تؤشِّر الأزمنة الثلاثة {الماضي والحاضر والمستقبل}، وبهذا تكون الوجوه الثلاثة رموزًا لأجيال ثلاثة عانت من هذه الحرب.
في أقصى يسار اللوحة اتخذ وجه آخر موضعه، وهو لا يختلف عن الوجوه الأُخرى تكوينًا لكنه يختلف تلوينًا، حيث يطغى اللون الأزرق بدرجاته الغامقة والمطفأة أيضًا، ولمسات صغيرة من اللون البرتقالي والأصفر والأحمر، فالدرجة الغامقة للأزرق تحيل الى والمعاناة والألم، رغم بعض المواقف القليلة نسبيًا من فرح أو سعادة يؤشِّرها اللون البرتقالي، وبدا لي أنّه رمز للأحياء الأموات الذين فقدوا الأمل تمامًا في حياة حُرّة كريمة، واستسلموا لهذا الموت البطيء، وهي دلالة تتفق مع الدلالات التي توحي بها ألوان وجه الرجل الخامس، الذي منحه الفنان عصام لونًا أصفرًا شاحبًا يكاد يطغى عليه، فهو لون المرض الشديد، والشحوب الذي يُفقد الإنسان حيويته ووجوده، ويحوِّله الى إنسان استسلامي عاجز عن دفع الأذى، ومعطّل عن دوره الإنساني الفاعل في مجتمع لم يعد يملك أدنى مقوِّمات العيش البشري.
من هنا كان اختيار الفنان عصام للطير الأسود، الذي بدا لي أقرب شكلاً الى الغراب، نذير الشؤم والبلاء والموت ليتخذ موضعته في القسم الأسفل من اللوحة، وبين الوجهين الثاني والثالث.
ورغم هذه الدلالات المـُرّة التي عرضتها هذه اللوحة، إلاّ إنَّ الفنان عصام لا يزال يمتلك الأمل بتغيير يمنح هذه الوجوه سلامًا، فاختار الطير{الحمامة} ليموضعها في أعلى القسم العلوي من اللوحة، واختار لها اللون الأزرق الفاتح المتدرِّج والمتداخل مع اللون الرمادي الفاتح جدًا مع لمسات خفيفة اللون البرتقالي، فهو الشكل المتضاد دلالة مع الغراب الأسود رغم انتمائهما الى الفصيلة ذاتها{الطيور}.
إنَّ هذه اللوحة الثرية تعكس شمولية الفكرة لدى الفنان عصام، وايمانه بأنَّ القهر لا بُدَّ أن ينتهي وقتًا ما، ولهذا اختار الزاوية اليسرى ليموضع فيها جزءاً من قارب يتخذ من اللون لرمادي الفاتح الذي يحيط به اللون الأخضر الفاتح وهو لون التجدد والحياة مظهرًا؛ ليؤشِّر انتقالة مكانية للألم والموت، وفرصة للتجدد والحياة.
أمّا الجزء الصغير من القارب الثاني الذي اتخذ موضعته أيضًا في أقصى الجزء الأسفل من اللوحة، فهو قارب الموت والرحيل للضحايا، أو ربّما هو قارب النازحين نحو موت مؤكِّد في بحر لم يعُد آمنًا، ودليلي في هذا الرأي هو لونه الأحمر المطفأ الذي يتفق في درجته مع ألوان وجوه الضحايا.
إنَّ اللوحة التشكيلية فضاء مغلق تحدده أبعاد هندسية، لكنّه يتحوّل الى عنصرٍ من عناصر التشكيل عندما يبدأ الفنان بموضعة الأشكال على الخامة، وبهذا يكون قد اشتغل باتجاه تفعيل الفضاء وجعله فضاءً ضمنياً بمنحه قيمة تشكيلية تسهم في الأشكال التكوينية للوحة، ودلالاتها، والتأمّل في هذه اللوحة يكشف عن حالتين للفضاء الضمني:
الأُولى: ما يقع منه حول رأس المرأة، ليمنحها فرصة حركية وتميّزًا عن باقي شخصيات اللوحة بوصفها الوطن والأرض والانتماء، بل هي الأصل، والجزء الآخر هو ما يحيط بالحمامة بوصفها رمزًا للسلام، ورغم اتخاذ اللون الرمادي إلاّ إنَّ اللمسات الخفيفة من اللونين الأحمر المتدرِّج والأصفر المتدرِّج منحته شيئا من الحيوية والحركية من جهة، وتخفيف ثقل الأشكال الأُخرى للوحة من جهة ثانية. وبالمقابل يزدحم الفضاء الضمني بين الأشكال الأُخرى بحركية عالية تكرارية لأجزاء من الوجوه من حيث أشكالها وألوانها، وهذا بالتالي يكشف عن رؤية الفنان عصام في أنَّ الفضاء يتآزر ويتماهى مع موجوداته، فتكون دلالاتهما مشتركة.
مما سبق يمكنني أن استنتج أنّ اطلاق الفنان عصام تسمية{ يا شام} على هذه اللوحة كان اختيارًا واعيًا ينطق ألمًا وحسرة لما أصابها، ولكنَّ الأمل سيظل حاضرًا لينقلها الى فسحته الجميلة.